قراءة في كتاب: "رأيت رام الله" لمريد البرغوثي

Posted on: April 29th, 2010 by Lina No Comments

بقلم علا عليوات

ramallah

حين يكتب الشاعر نثراً، ُتحال الكلمات سحراً، وتكتسب لوناً وإيقاعاً يمتزج فيه بديع الفن بمتانة المحتوى ورونق التقديم الذي يعكس قدرة كاتبه على تحويل تجربته إلى لوحة ذهنية يمكن للقارىء تكوينها في خياله من خلال الصور التي يرسمها الكاتب بعباراته التي تنساب بسلاسة وتناغم.

لعل هذا ما شدني إلى كتاب “رأيت رام الله” لمريد البرغوثي، فإضافة إلى قوة الموضوع الحاضر في أذهان ملايين المهجرين الفلسطينيين، يقدم الكاتب الشاعر تجربته في إطار من الصور الفنية التي يصف من خلالها مشاعره وهو يقف من جديد أمام بلده الذي أجبر على تركه منذ ثلاثين عاماً، بشكل يجعل القارىء يشعر بأنه أمام قصيدة فنية من روائع الشعر الحديث، وتعكس بوضوح موهبة البرغوثي الفذة في إيصال أفكاره للقارىء بطريقة تشعره بأنه يعيش التجربة بنفسه، فيجعل الهم همه، والحزن حزنه، والحنين يختلج فيه كما يختلج في ذلك الكاتب الحاضر هناك جسداً وروحاً.

لست مؤهلة للحكم على الكتاب، بل إنني أقف أمامه بتواضع ويكفيني القول إنه من الكتب القليلة التي أبقيها في متناول يدي لأعود إليها بين الحين والآخر، أتصفحها وأقرأ أجزاء منها لأعيش من جديد التجربة والمشاعر التي رافقتني أثناء قرءاتها، وأترككم مع بعض هذه السطور التي تحمل معاني قد يعجز اللسان أحياناً عن التعبير عنها بهذه الصورة الفريدة شكلاً وموضوعاً…

***

“عندما تسمع في الإذاعات وتقرأ في الجرائد والمجلات والكتب والخطب كلمة الأرض المحتلة سنة بعد سنة، ومهرجاناً بعد مهرجان، ومؤتمر قمة بعد مؤتمر قمة، تحسبها وهماً في آخر الدنيا! تظن أنه لا سبيل للوصول إليها بأي شكل من الأشكال.

هل ترى كم هي قريبة، ملموسة، موجودة بحق!

من يجرؤ على تجريدها الآن وقد تجلت جسداً أمام الحواس؟

هي الآن ليست تلك الحبيبة في شعر المقاومة ولا ذلك البند في برامج الأحزاب. ليست جدالاً ولا مجازاً لغوياً. ها هي تمتد أمامي، ملموسة كعقرب، كعصفور، كبئر،ومرئية كحقل من الطباشير، كآثار الأحذية. قلت لنفسي، ما هي استثنائياتها لو لم نكن فقدناها؟

هي أرض كالأرض.

نحن لا نرفع لها الأغنيات إلا لكي نتذكر الإهانة المتجسدة في انتزاعها منا. الإهانة تنغض حياة المهانين. نشيدنا ليس للقداسة السالفة بل لجدارتنا الراهنة، فاستمرار الاحتلال يشكل تكذيباً يومياً لهذه الجدارة.

ها هي أمامي. في موضعها ذاته منذ نشأة الخليقة.

قلت لنفسي، الأرض لا ترحل.”

***

“إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار. لست بحراً ولست محيطاً حتى نلتمس في أهوالك أعذاراً. لست سلسة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة حتى نستدعي الغرائز والوقاية دونك. كنت سأشكرك أيها الجسر لو كنت على كوكب غير هذا، على بقعة لا تصل إليها المرسيدس القديمة في 30 دقيقة. كنت سأشكرك لو كنت من صنع البراكين ورعبها البرتقالي السميك. لكنك من صنع نجارين تعساء يضعون المسامير في زوايا الشفاه والسيجارة على الأذن. لا أقول لك شكراً أيها الجسر الصغير. هل أخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها القريب كنجوم الشاعر الساذج. أيها البعيد كخطوة المشلول. أي حرج هذا؟ إنني لا أسامحك. وأنت لا تسامحني.

***

والجزء المفضل لدي، عن القدس:

“لا يعرف العالم من القدس إلا قوة الرمز. قبة الصخرة تحديداً هي التي تراها العين فترى القدس وتكتفي.

القدس الديانات، القدس السياسة، القدس الصراع هي قدس العالم

لكن العالم ليس معنياً بقدسنا. قدس الناس. قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية حيث التوابل والمخللات

قدس الكلية العربية والمدرسة الرشيدية والمدرسة العمرية

قدس العتالين ومترجمي السياح، الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم

خان الزيت وباعة التحف والصدف والكعك بالسمسم

المكتبة والطبيب والمحامي والمهندس وفساتين العرائس الغاليات المهور

مواقف الباصات القادمة كل صباح من كل القرى بفلاحين يبيعون ويشترون

قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر وسلال التين والقلائد والجلود وشارع صلاح الدين

جارتنا الراهبة وجارها المؤذن المستعجل دائماً

السعف الماشي على الطرقات في أحد السعف

قدس النباتات المنزلية والأزقة المبلطة والممرات المسقوفة

قدس حبال الغسيل… هذه القدس هي قدس حواسنا وأجسامنا وطفولتنا

هي القدس التي نسير فيها غافلين عن ((قداستها)) لأننا فيها

لأننا نحن”