طيب وبعدين؟
بقلم: مهند
يبدو أن الخطاب السياسي الأردني بدأ يأتي أكله على الأرض. السجال بين النظام الأردني والحكومه اليمينية في اسرائيل بدأ يأخذ منحى جديد حيث أن “الحدة” الغير معهودة في العلاقة أصبحت أداة تمكين في يد بعض القوى اليمينية على الساحة الأردنية. طبعا لا يمكن لأحد معرفة ما في الصدور، لكن مستوى الخطاب يعطي على الأقل دلالات عما يجول في خواطر بعض من هذه الفئات. كلمة العنصريه لا تغيب عن البال ولكن بدلا من جعل الحوار حوار طرشان فيه من يدافع وفيه من يهاجم الأفضل البحث عن الأسباب والممكنات التي جعلت شبهة العنصريه تطفو على السطح من جديد.
غياب الإصلاح السياسي الذي رافقه فشل ذريع على الأصعدة الأقتصادية والاجتماعية جعل الدفاع عن المكتسبات هدف أسمى لفئة معينة من الشعب الأردني، بعض النظر عن الأذى والظلم الذي نتج عن تخصيص مثل هذه المكتسبات لهذه الفئه دون غيرها. سياسات الدولة الفاشلة و نتائجها المقصودة وغير المقصودة جعلتنا أنانيين، محصورين في الأنا و النحن ضد الأخر بغض النظر عما يجمعنا وهو الوطن ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا.
القيادات المحلية بغض النظر عن موقعها أو طريقة وصولها إلى هذا الموقع، لها دور مهم في تشكيل وتعريف دور الموقع الذي تشغله. لكن الواضح أنه كلما كانت سلطة من يشغل الموقع أعظم كلما كان تأثيره على هذا الموقع أكبر. يمكن القول أن القائد وتصرفاته وصفاته تصبح هي التي تعرف الدور. ومن المعروف أن الأدوار القيادية تأثيرها على الأدوار المحيطه بها سيكون كبيرا. المراقب لبعض الأدوار القيادية في بلدنا سيلحظ مثلاً: سرية وغياب للشفافية، سلطوية، انسلاخ عن المجتمع، حياة مترفة، استغلال الموقع لتحقيق أهداف شخصية، لا مبالاة، طاقات مهدورة في غير مكانها الصحيح، فخر غير مستحق، ومناصب يتم الهبوط عليها بالبرشوت أو مناصب يتم خلقها لأشخاص معينين..كل هذا بدوره ينعكس على المجتمع وأفراده حيث تنساب مثل هذه السلوكيات وتؤثر علينا واعين أم لا، فترى بعض أفراد المجتمع يتصفون بصفات مثل: الغطرسة، اللا مبالاة، الاستخفاف بالآخرين وبالقانون، اللجوء إلى ولاءات ضيقة، تفاهات، ملاحقة الربح السريع والركض وراء المناصب غير المستحقة، “امشي من الحيط للحيط”، “سيبك”، “ما علينا”، احنا شو دخلنا”، الخ…
الإنسان بطبيعته ميال إلى تغليب مصالحه الشخصية، لكن المجتمعات بسلوكياتها وعادتها تجعل هذه المصالح الشخصية إما وسيله للتطور والتقدم والتعاون أو وسيله للتنافس الغير شريف والتطاول على حقوق الآخرين. سياسات الدولة وسلوكيات بعض القيادات فيها، ربما أعادت تعريف ما هو مقبول ومرغوب في مجتمعنا بحيث أصبحت المصالح الشخصية تعمل ضد مصلحة المجتمع والدولة.لذلك، يجب إعادة النظر في ما هو مرغوب ومكافأ في نظرنا كمجتمع ودولة، و على قيادات الدولة أن يكونوا مثلا أعلى لأفراد المجتمع بسلوكياتهم والسياسات التي يتبعونها أو أن يعطوا المجال لآخرين للقيادة.
إزدواجية الخطاب الرسمي وتغييب الشعب الأردني عن صنع وتطبيق السياسات الداخلية والخارجية جعلت الأمور أسوأ. المطبخ السياسي مغلق، والآراء المعارضة مغيبة بشكل كلي. بعض الأحيان تتظاهر الحكومات بأنها تسمع، ولكن المسلم به أن السماع لمجرد التظاهر بالسماع هو أسوأ من عدم السماع؛ حيث يصبح الهدف من سماع الرأي الأخر هو تخوينه واستعماله للتظاهر بأننا ماضون في مسيرة الإصلاح الوهمي.
طيب وبعدين؟
رأس الدولة لا يمكن محاسبته، ولكن الحكومة التي يختارها هي المسؤولة أمام الشعب الأردني عن تطبيق ما يتم طرحه في خطاب التكليف. حكومات متعاقبة يتم تشكيلها في غياب أي برنامج سياسي أو اقتصادي. حتى في الحكومة الواحدة ترى تنافس وتناقض وتخبط وغياب لأي نوع من المحاسبة. ما زاد الطين بلة هو التغييب المتعمد لمؤسسة الشعب- البرلمان. قانون انتخاب ينتج مجلس عاجز يبحث عن مكتسبات وعملية انتخاب عوجاء. والآن يتم الحديث عن قانون انتخاب لا يختلف عما سبقه سوى زيادة بضعة مقاعد كوتا للنساء لإرضاء وايهام الجمهور الغربي بأننا ماضون في طريق الإصلاح الذي لا نهاية له.
نسمع دائما حديث عن تمثيل جغرافي وليس ديمغرافي، أي بمعنى آخر هناك تغييب متعمد ومقصود لفئه كبيرة من الشعب الأردني المشكوك في ولائها- حسب تصنيف الدولة الغير مباشر وخطابها الخجول. لحد الآن لم نسمع ما هو تعريف الدولة للمواطن الأردني؟ هل هو حامل الجواز؟ هل هو من كان أبوه من مواليد الأردن؟ هل التصنيف يتم بناء على البلد الأصلي للأب أو الجد؟ ما هي حقوقي كمواطن أردني وما هي دستورية الامتيازات التي يتم تخصيصها لفئة على حساب أخرى؟ كدافع ضرائب، هل يجوز أن يكون صوتي في الإنتخابات ذا قيمة أقل من صوت مواطن آخر؟ لماذا لا يكون مجلس النواب ممثلاً ديموغرافياً ويتم تحويل مجلس الأعيان المعين إلى الجزء الممثل جغرافياً؟ ما هي ضماناتي كمواطن أن صوتي سيحدث فرقاً؟ قبل الانتخابات الماضية التي أفرزت المجلس الذي تم حله، وعد الملك إن الانتخابات ستكون نزيهة وشفافة..الواضح انها لم تكن كذلك..ما الفرق هذه المرة؟ كل ضمانات الشفافية والشكليات الوهمية لا تغني ولا تسمن من جوع ما دام التمثيل العادل غائب.
البعض يدعي بأن شعبنا غير ناضج ديموقرطياً، وجهة النظر الأخرى هي أن هناك من يخاف الإصلاح وما قد ينتج عنه. جربنا سنوات كافية بغياب الديمقراطية ربما حان الأوان أن نجرب الطريق الآخر. دفتر علامات السنوات الماضية لا يدعو للفخر. دفتر العلامات ليس فقط لتدوين الإنجازات بل أيضا لتدوين الأخطاء. والمحاسبة تكون بناء على الأعمال وليس بناء على الخطابات والوعود الفارغة. القيادات في هذا البلد يجب أن تعي أن خطابها ليس مجرد كلام. الكلام المستمر عن الهوية الوطنية والدفاع عنها في مواجهة اسرائيل هو وقود لبعض الفئات الحاقدة والعنصرية. هذا الخطاب يسهم في إحداث مزيد من التهميش لفئة مهمة من الشعب الأردني..يبدو أن البعض يميل لنسيان أن ثروتنا هي الإنسان، بغض النظر عن أصله، دينه، لونه، شكله، أو جواز سفره. لماذا لا نجعل الأردن وادي للحرية وحقوق الإنسان؟ لماذا لا نجعل بلدنا بلد المساواة؟ البلد التي تعامل الإنسان كإنسان؟ لماذا لا نجعل إنسانيتنا هي مقياس رقينا؟ لماذا لا نجعلها مصدر تنافسيتنا؟ لماذا لا تكون هي الجاذبة للاستثمار؟
الانتظار لم يعد يفيد، والوعود أصبحت مجربة، ومع مرور الوقت، الضحية بالطبع هي المواطن الأردني والوطن.














