قانون الإنتخاب: قديم لكن بحلِة جديدة
بقلم: مهند
بعد طول انتظار اقرت حكومة سمير الرفاعي المعينه بغياب مجلس النواب قانون الإنتخاب القديم بحلته الجديده. تقسيم المقسم أصلاً كان عنوان القانون الجديد حيث تم تخصيص مقعد لكل دائره فأصبح عدد الدوائر بعدد المقاعد. وزير الداخليه صرح بأن التوزيع “الجديد” للمقاعد “راعى الكثافة الانتخابية، بعيدا عن الجغرافية أو الكثافة السكنية”. معنى كلام الوزير غير واضح حيث يبدو أن تعريف الكثافه الانتخابيه يختلف عن الكثافه السكانيه للدائره الانتخابيه. كلام الوزير يدل أيضا على أن القانون تم تصميمه لغايات محدده. وزير الإعلام بدوره أشار الى أن “ الحكومة لم تبدأ من نقطة الصفر في صياغة القانون بل تمت مراجعة قانون الانتخاب السابق والقوانين الاخرى التي جرت على اساسها الانتخابات في الدورات السابقة وتوقفت عند بعض المواد الملائمة والمناسبة للمرحلة الحالية وتجاوزت المواد الاخرى التي لا تساعد على انجاز الانتخابات المقبلة بالصورة المطلوبة من الجميع .” التصريح بأن القانون تمت صياغته لملائمة المرحله الحاليه هو دليل آخر على أن الإصلاح الفعلي هو آخر هموم صانع القرار في الأردن. في نفس السياق كانت الحكومه تدعم قانونها بإحصائية تقول أن ٥٠-٦٠% من الشعب مع قانون الصوت الواحد. المفارقة أن هناك إحصائيه أخرى وجدت نتائج معاكسه حيث وجدت أن ٣٢% فقط يؤيدون الصوت الواحد بينما ٥٠٪ يفضلون نوع من النظام النسبي. الإحصائيات بهذه المرحله لن تؤثر على شيء حيث أن القانون تم اقراره رغم أنوف الجميع. لكن ما يمكن استخلاصه هو أن الحكومه المعينه غير معنيه بالإصلاح الحقيقي وما اسلوبها في تمرير القانون واللغه التي رافقته إلا دليل إضافي على ذلك. أحمد عبيدات رئيس الوزراء السابق عبر عن هذا الشعور العام عندما صرح “لا أعرف إذا كان هناك إرادة للتغيير في الأردن، ففي كل لحظة يتم التأكيد أن لا إرادة للتغيير، فأمامنا تحد كبير وجوابه بأيدينا”.
عبيدات أيضا يتفق مع معظم دعاة الإصلاح الحقيقي بأن القانون القديم بحلته الجديده سيزيد من الإصطفافات العشائريه ويؤدي إلى مزيد من التقسيم وتعميق الولاءات الضيقه. قانون الإنتخابات ركز في كثير من مواده على الجوانب الإجرائيه. قرارات أخرى رافقت القانون منها استبدال الراتب للنائب بمكافأة شهريه تنتهي بمجرد إنتهاء عضويته للمجلس. كما تم أيضا إلغاء الإعفاءات الجمركيه التي كانت تمنح لاعضاء مجلس الأمه. القرار الأول قد يبدو للوهله الأولى قرار رائع، حيث لا يمكن إنكار الجانب الايجابي لمثل هذا القرار. لكن القارىء لهذا القرار بمعزل عن القانون الجديد قد يغفل أن القانون سيوصل رجال أعمال و باحثين عن الوجاهة للمجلس. الراتب أو التقاعد بالنسبه لغني هو مجرد “بونص” أو كما يقال بالعاميه “بالمعيه” و”إلي ببلاش كثر منو”. مجلس النواب المنحل ومستوى وطبيعة من وصلوا للقبه في حينه دليل على أن المشكله ليست مسألة إصلاح اجراءت أو امتيازات انما مشكلة بنيويه في القانون نفسه. هذه المشكله البنيويه ليست مقتصره على قانون الإنتخاب فقط بل تمتد لتشمل مختلف مناحي إدارة الدوله من طريقة تشكيل الحكومات إلى أسلوب توزيع المكتسبات وصنع القرار..محمد أبو رمان من الغد يريد من مطبخ القرار أن يكون أكثر شفافيه وأن يعيد ترتيب اولوياته لتعكس مصلحة الدوله كما يراها أبناء الوطن وليس كما تراها فئه قليله تملك القرار وترفض تحمل نتائجه والمسؤوليه لما يترتب عنه.
من ناحيه أخرى فأن زيادة المقاعد المخصصه للمرأة قد تفرح أنصارها لكنها في الحقيقيه إستخدام مشين لمن سيصل من النساء إلى القبة من قبل صانع القرار ليبدو بصورة الإصلاحي الذي يعمل من أجل المساواة وحقوق المرأة. أين كانت جرأة صاحب القرار عندما تم تمرير قانون الأحوال الشخصيه الذي يسمح بتزويج القاصرات؟ واين كان صاحب القرار عند تم الإبقاء على العذر المخفف لجرائم الشرف؟ على أنصار المرأة الحقيقين أن يجعلوا اصواتهم مسموعه بأنهم يرفضون إستخدام المرأة لإرسال رسائل سياسيه للغرب ولتلميع صورهم الشخصيه في بلاد العم سام والقاره العجوز. مستوى النساء اللواتي سيصلن إلى القبه بفضل الكوتا لن يكون أفضل من مستوى الرجال. القانون أعوج.
أما بالنسبه للوضع الحالي و المناخ السياسي في البلد فما هو إلا إنعكاس لحاله الخوف المزمن الذي تعيشه الدوله التي احترفت ازدواجية الخطاب و ربما وصلت إلى حالة الكذب المرضي اللاواعي . العلاج يستدعي في المرحله الأولى إعادة تعريف الدوله بفهومها الحالي حيث أن الضبابيه المتعمده التي تم احاطة المصطلح بها أدت إلى حاله من الرعب والرهاب في التعاطي مع مسألة الإصلاح. الحكومات المتعاقبه احترفت الإختباء الوقائي خلف توجيهات الملك لصد أي نقد نوعي للطريقة التي تمت بها صياغة القانون بعيداً عن الأضواء. نقد محتوى القانون كان مهمه صعبه وذلك لغياب أي نوع من الشفافيه، لكن معظم المعلقين المهتمين بالشأن الإصلاحي كانوا يعلقون على التسريبات التي تناولت الشكل العام للقانون. ما زاد الإيمان بما سبق هو أن الحكومه ارتأت الإفصاح عن القانون بعد اقراره والتوقيع عليه من قبل الملك. توقيع الملك سيضفي نوع من القدسيه على القانون حيث أن القانون هو استجابه لرغبات وتوجيهات الملك وما توقيعه عليه وموافقته الضمنيه على التسلسل الزمني للافصاح عن تفاصيل القانون إلا تعبير عن دعمه لم قامت به الحكومه المعينه. لا يمكن للمراقب إنكار حنكة من صاغوا القرار ورسموا خطة الإفصاح عنه لكن برأيي إن هذا الأسلوب سيؤدي إلى نتائج سلبيه حيث سيتم تحويل معظم اللوم إلى صانع القرار الأول والأخير. زيادة الإحتقان بين النخبه الداعيه إلى الإصلاح وبين مطبخ القرار المغلق على نفسه ستؤدي إلى مزيد من التصعيد في لغة النقد الموجهة إلى الدوله وصانع القرار.
كما أن غياب أي نوع من القيادات الشعبيه فتح المجال لإعادة ظهور شخصيات مثل أحمد عبيدات الذي يقوم حالياً بملء الفراغ المزمن الذي يخيم على النخبه السياسيه..فها هي الدوله تفشل في الرد على بيان المتقاعدين وكأنها خجوله لا تعرف ما تقول. التردد الحكومي في التعامل مع تداعيات البيان ما هو إلا دليل آخر على أزمة القيادة الت تعاني منها البلد. الغياب المقلق لصانع القرار عن الساحه يمكن إعتباره إنعكاس لحاله القلق وعدم وضوح الرؤيا. رنا صباغ من العرب اليوم كان لها نفس الرأي حيث أشارت إلى أن “مأزق صانع القرار هنا كبير لكنه غير معلن. هذا يفسر في بعض جوانبه ضبابية الموقف الرسمي بين حسابات الداخل ومحدّدات خطوط الدولة الحمراء..” هذه الضبابيه والتردد تفتح المجال لطرح العديد من الأسئله لكن اهمها هو حالة الإستقطاب التي يعيشها مطبخ القرار. سيطره إتجاه المحافظين على القرارات التي تصدر عن الدوله يعكس التغييب المتعمد للرأي الآخر. المحزن بالموضوع هو أننا حالياً بأمس الحاجه إلى مطبخ قرار يستمع للجميع. عدم إدراك الدوله لأهمية سماع صوت الشعب والمعارضه سيزيد الطين بله. وما قانون الإنتخاب إلا دليل آخر على عدم جدية الدوله بأن تكون للجميع ومن الجميع.
أما قانون الانتخاب المؤقت “الجديد” فهو كما يقول المثل الشعبي:”مبين من عنوانه”. كل الحديث حول القانون كان يحوم حول الهويه الوطنيه والخصوصيه الأردنيه. الحديث عل الهويه الأردنيه وخصوصيتها يتناقض مع إدعاءات الدوله بالعداله والمساواة، حيث أن الحديث محمل ضمنيا بأن الجميع ليسوا متساوين في انتمائهم للبلد وأن السلطه هي الوحيده القادره على رسم خريطة الولاءات التي بناءً عليها يتم توزيع المكتسبات وحقوق التمثيل..القول بأن الدستور يكفل العداله والمساواة وأن الاردنيين سواء لا فرق بينهم يعني بالضرورة أن سياسات الحكومه يجب أن تراعي هذا المبدأ..مبدأ العدالة والمساواة لا يعطي لأي كان حق الدخول في الثشكيك في دوافع أي كان بناءً على إيمان زائف بإن السلطة تملك الحقيقه المطلقه وأنها تعمل لتحقيق مصلحة الجميع بينما هي في الحقيقه تخدم مصالح فئه قليله آخر همها العدالة والمساواة. هذه “النخبه” لا تؤمن بأن الشعب الأردني ناضج ديمقراطياً. تعريف النضوج الديمقراطي عند هذه النخبه هو أن رغبة الناخب يجب أن تكون مطابقه لتوجهات الدوله. إذاً فعليا المسأله ليست مسألة عدم نضوج الشعب ولكن هي خوف السلطه من خيارات الشعب.
بنفس الوقت رافق الحديث عن القانون حديث عن المحاصصه. المحاصصه طبعا هي ال-”code word” لإعطاء المدن ذات الثقل السكاني ما تستسحقه من تمثيل في مجلس النواب.حديث الدوله وبعض المعلقين عن المحاصصه محمل ضمنياً بأن الأردنيين من أصل فلسطيني سيصوتون لنواب بناءا على الأصل أو الإنتماء لتيار معين ضد مصالح الدوله العليا..لكن كثير ما يتم التغاضي عن أن التصويت العشائري هو أيضا تصويت بناء على الأصل والقرابه. هذه السياسه معناها أن الصوت الشرق أردني أو العشائري هو صوت بدون قيمه سياسيه لذلك فهو صوت مرغوب أما أصوات المدن الكبيره فهي ستجلب وجع الراس لصناع القرار..في رأيي هذه إهانه واستخفاف بالجميع دون استثناء. الدوله والتيار المحافظ خلقوا ما يمكن تسميته بالمواطنه المؤجله. هذه المواطنه المؤجله مربوطة بسلطه رام الله وقرارتها ولا ننسى امارة غزه الإسلاميه وعنجهيات نتنياهو وربما نسبة الهرمونات الذكريه عند الرئيس اوباما.
لماذا مثلاً لا يكون مجلس النواب ممثل ديمغرافياً؟ السبب الرئيسي واضح للجميع ولكن معظمنا يرفض أن يعترف أن الدوله تدعي إمتلاك القدره على قراءة ما في الصدور من ميول وولاءات. البعض يقول إن المناطق النائيه و المحافظات مظلومه من النواحي التنمويه والاقتصاديه لذلك لا بد من وجود تمثيل قوي لها لتحقيق نوع من العداله. لكن الواقع أن مجلس النواب لا يقوم بتوزيع المكتسبات انما الحكومه تقوم بذلك من خلال موازنتها. هناك حل. لإبقاء التمثيل الجغرافي يمكن تعيين أو إنتخاب أربعة أعيان من كل محافظه بغض النظر عن عدد السكان. مجلس الأعيان المعين هو مجلس تشريف بالدرجه الأولى. اليس من الأولى جعله تمثيلي؟
أخيراً، المراقب للوضع يلحظ غياب رأس الدوله عن الساحه خلال الفتره الماضيه. لكن قرب حلول عيد الإستقلال يترك المجال مفتوح لرسم وتجهيز خطاب يوضح موقف مؤسسة العرش مما جرى ويجري على الساحه الأردنيه.من الواضح أن هناك حاجه ماسه لمعرفة المكان الذي يقف فيه صانع القرار بالنسبه لمسألة الهويه الوطنيه والمواطنه والإصلاح. تأطير ورسم حدود السجال السياسي داخل البلد سيكون هدف هذا الخطاب، لكن المحاولات السابقه لمثل هذا التأطير باءت بالفشل. السبب الرئيس برأيي هو تغييب الرأي الآخر و إصرار مطبخ القرار على تنفيذ ما تم التخطيط له على كل الأحوال، رضي من رضي وأبى من أبى..
طبعا كل فعل له رد فعل مساو بالمقدار ومعاكس بالإتجاه..
You vote، we decide.













