من مصر: كعــبة التحـــرير


بقلم أحمد زكريا

هكذا رأيتُ المشهد، هكذا شاهدت الميدان، ترقرقت الدموع في عيني عندما سمعنا كلمات السيد عمر سليمان و هو يقول : إن الرئيس مبارك قررالتخلي عن منصبه ، وجدنا أنفسنا نقفز إلى السماء، و تتعالى الصيحات بجمل وكلمات مثل : تنحي ، عملناها ، الشعب خلاص أسقط النظام!

بدأ البعيدون عن ميدان التحرير بأمتار يهرولون و يجرون بل يطيرون إن جاز التعبير حتى يلحقون بإخوانهم في هذا المكان الذي أدهش العالم و ألهمه.

منذ صباح يوم الجمعة، 11 فبراير، اليوم الذي أطـُـلقت عليه تسميات عدة مثل : جمعة الحسم ، جمعة التحدي، جمعة الزحف، والمشهد يبدو مختلفـــًا عن كل الأيام السابقة، فقد كان هذا اليوم كيوم عرفات، يوم الحجيج، يوم الطواف حول الكعبة، لم أكن أتخيل في حياتي أن يكون هذا اليوم محفوف بهذه الروح أو أن أعيش يومــًا مثله .

Photo by Tara Todras-Whitehill/Associated Press

ودعوني أصف لكم كل يوم من الأيام الثمانية عشر، بكلمات موجزة:

25 يناير(الثلاثاء) : انتفاضة الشباب.

26 – 27  يناير( الإربعاء والخميس) : استنزاف الأمن.

28 يناير (الجمعة) : ميلاد الثورة.

29 يناير(السبت) : تحايل النظام .

30- 31 يناير(الأحد،الإثنين ): هدنة مؤقتة.

1 فبراير (الثلاثاء): المليونية الأولى.

2 فبراير(الأربعاء) : موقعة الجمل.

3 فبراير (الخميس): معركة التخوين.

4 فبراير(الجمعة) : يوم الصمود .

5 فبراير(السبت) : استعادة الثقة .

6 فبراير(الأحد) : زيادة التحدي.

7،8 فبراير(الإثنين ،الثلاثاء) : أهازيج التحرير.

9 فبراير(الأربعاء) : شهداء مصر .

10 فبراير(الخميس) : لحظة المخاض.

11 فبراير (الجمعة): لحظة الانتصار والانفراج.

المشاهد تتداخل في ذهني من كثرتها، ومن كثرة روعتها. لا يمكنني أن أنسى ذلك الرجل الذي وقف داعيــًا الله بحرقة شديدة حتى اهتز كل جسدي و هو يقول : حسبي الله ونعم الوكيل .

لا يمكن للصورة أن تنتفي من ذاكرتي، وأنا أري دموع إحدى الأمهات وهي تسير وسط الحشود رافعة صورة ابنها الذي لم يتخط الـ 19 عامـًا حتى دمعت عيناي.

لا أستطيع أن أنسى كلمات العالمة الجليلة الدكتورة عبلة الكحلاوي وهي تقف على المنصة في الميدان وتدعو الله و نحن نقول وراءها آمين .

صورة الشيخ حافظ سلامة زعيم المقاومة في السويس على مدار أكثر من ستين عامــًا ، هذا الرجل الذي قارب التسعين، وقف على منصة ميدان التحرير وخطب في مئات الآلاف من المصريين .

وُلدت البسمة من رحم الدموع، هكذا رأيتُ المصريين بعد كلمات عمر سليمان المقتضبة ، عندما أدركوا في لحظة أن ما فعلوه كان فضل من الله ونعمة ولم يكن إعجازًا بشريــًا منهم فهتفوا قائلين : الله وحده أسقط النظام!

ميدان التحرير خرجت منه ثورة لكل العالم، وبداخله تكونت دولة لا أبالغ عندما أقول أنها كانت ” دولة الحلم ” ، الحاكم فيها هو الناس جميعــًا، كلهم متساوون، كلهم خادمون ، لا تفرق فيها بين المسلم و المسيحي، القاهري والسكندري وابن الصعيد، الغني والفقير ، المتعلم والأمي، الشباب المصري كان نموذجــًا.

Photo by Mohammed Abed/AFP/Getty Images

ربما تبدو المشاهد مألوفة بعد رسم الكاميرات للصورة، لكن أن تعيش هذه اللحظة حية بدون مونتاج فهذا هو الإعجاز الحقيقي .

لقد صار ميدان التحرير اسمــًا على مسمى بالنسبة للأجيال التي تعيش في مصر الأن، ربما أنا واحد من ضمن ملايين كانت تسير في ميدان التحرير بشكل شبه يومي لقضاء الكثير من الأمور لكنني لم أشعر لحظة بمعنى الاسم ، لكن مع بزوغ شمس الخامس والعشرين من يناير تنسمت معنى التحرير والحرية والكرامة من قلب ميدان التحرير.

لقد أصبح ميدان التحرير هو كعبة المصريين من أجل التلذذ بطعم الحرية ، و ربما بات ملهمــًا للكثيرين من خارج مصر بعدما رأوا المصريين ينادون طيلة الــ 18 يوم بسلمية الثورة ونقائها من أي عنف !!

كـُلي أمل أن تعود مصر من سفرها الطويل لأولادها بهية، كـُلي أمل أن يحتضنها أولادها قبل أن تحتضنهم هي، كـُلي أمل أن تحتضن مصر شقيقاتها في العالم العربي والإسلامي وأن ترجع المحروسة مرة أخرى حارسة للإسلام والمسلمين، والعرب والعروبة.

ثورة الــ 18 يوم انتهت، لكن روح الثورة لم و لن تنتهي، سوف نعمل بروح ثورية و عقل حكيم من أجل وطن فقدنا وافتقدناه كثيرًا.

آسفين إتأخرنا عليكي يا مصر، وعيد حب في ثورة مصر .