دراسة عن ثلاثة أماكن عامة في عمان


بقلم محمد شجاع الأسد*(نشر بالتعاون مع طريق)

يجري مركز دراسات البيئة المبنية دراسة عن الأماكن العامة في عمان.** وتتطرق الدراسة إلى الأماكن المختلفة التي يمكن للجميع أن يقصدوها من منتزهات وساحات وشوارع مخصصة للمشاة ومولات تجارية وحتى أطراف شارع المطار.

ستحتاج هذه الدراسة إلى عدة سنوات لإكمالها. وقد ركزت المرحلة الأولى منها على ثلاثة شوارع قامت أمانة عمان بإعادة تأهيلها لتسهيل حركة المشاة فيها وتشجيعها. وهي شارع الرينبو في جبل عمان وشارع الوكالات في الصويفية وشارع الثقافة في الشميساني. وقد تم تأهيل هذه الشوارع بشكل جذري خلال العقد الماضي ليصبح كل منها مقصداً لسكان عمان وزوارها، يأتون إليه للمشي أو الجلوس أو لقاء المعارف أو اللعب أو التسوق. وتم تكليف معمارين ومخططين مرموقين من داخل الأردن وخارجها لتصميم هذه المشاريع.

شارع الرينبو كان من شوارع عمان التجارية المهمة في عقد الستينات من القرن الماضي، وكان يحتوي على عدد من المتاجر الفاخرة، ولكنه بدأ يعاني من الترهل فيما بعد، مع أنه لم يفقد أبداً رونقه الخاص به. أما شارع الوكالات، فهو شارع تجاري جديد نسبياً تعود فترة صعوده إلى التسعينات من القرن الماضي، عندما بدأ بجذب عدداً من محلات الملابس المعروفة عالمياً. أما شارع الثقافة، فكان شارعاً عادياً طوله 360 متر، ويقع في قلب منطقة المصارف في الشميساني.

وقد ركزت دراسة المركز على طريقة استخدام الجمهور لهذه الأماكن. وقام فريق الدراسة بزيارة هذه الأماكن في أوقات مختلفة من النهار وفي أيام مختلفة من الأسبوع خلال فترة الصيف، وقتما تكون هذه الشوارع أكثر ازدحاماً. وقام فريق العمل بتوثيق هذه الشوارع ونشاطات زوارها من خلال الصور والرسوم، وقام الفريق أيضاً بعدد من المقابلات مع زوار الشوارع.

وتوصلت الدراسة إلى عدد من الملاحظات التي أود أن أقدم عدداً منها هنا:

- نجد في الأماكن العامة في عمان درجة عالية نسبياً من التوتر الاجتماعي، ويبدو أنه لا توجد أسس مشتركة للسلوكيات تجمع مرتاديها. فبينما يجد الكثيرون عدداً من التصرفات الشائعة فيها غير مقبولة، هناك البعض الذين لا يجدون اي مشكلة في هذه التصرفات. وأكثر هذه التصرفات شيوعاً هي معاكسة مجموعات من الشباب للنساء. ويبدو كأن هؤلاء الشباب لم يتفاعلوا أبداً مع أي امرأة على المستوى الاجتماعي.

- يبدو أن موضوع تأثير هذه المشاريع على حركة السير حولها لم يرد في الحسبان. إن أي تطوير لأي منطقة لتصبح مركزاً لجذب الزوار لا بد من أن يجذب أيضاً حركة سير إضافية. وهذا التأثير على حركة السير في غاية الوضوح في شارع الرينبو، حيث تبدأ أزمة السير هناك أحياناً عدة كيلومترات قبل الوصول إليه، ومن غير المستغرب أن تصل حتى الدوار الثالث. وأعرف عن شخص يسكن في المنطقة لم يستطع الوصول إلى بيته ليلة يوم خميس إذ أن حركة السير في شارع الرينبو والمنطقة المحيطة به وصلت إلى حالة توقف تامة. وقد اضطر هذا الرجل المسكين أن ينام تلك الليلة خارج منزله.

- يجب فصل حركة السيارات عن حركة المشاة كلما كان ذلك ممكناً. فعندما يسمح للإثنين أن يتداخلا تكون النتيجة غير مُرضية، فعلى المشاة أن يسيروا بين السيارات المتحركة، ويسبب ذلك خطراً على المشاة والسائقين معاً. أضف إلى ذلك أن أي وجود للنساء في هذه الشوارع يجذب مجموعات من الشباب الذين يقودون سياراتهم والموسيقى المرتفعة تنطلق منها، ويصرخون بألفاظ فظة في محاولات لجذب انتباه النساء. وهذا التداخل بين السيارات والمشاة ومعاكسة الشباب للنساء واضح في شارع الرينبو خاصة، حيث الأرصفة ضيقة ولا توجد أي قيود على حركة السيارات فيه. وفي شارع الثقافة، حيث يحيط الشارع بجزيرة للمشاة يبلغ طولها 360 متراً وعرضها نحو 15 متراً، فإن الشباب كثيراً ما يدورون بسياراتهم حول هذه الجزيرة بتهور. وبعكس هذين الشارعين، فإن شارع الوكالات مخصص فقط للمشاة. وعند الوصول إليه بعد مناورة في شوارع الصويفية المكتظة بالسيارات، يشعر المرء وكأنه وصل إلى واحة بعد التنقل في الصحراء. وبما أن الشارع للمشاة فقط، فلا يستطيع الشباب معاكسة النساء وهم محصنون في سياراتهم.

- إن وجود عدد كاف من المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي، وسهولة وصول المشاة إليها من الشروط الأساسية لنجاح هذه الأماكن. وشارع الوكالات هو أكثرها نجاحاً من هذا المنطلق إذ يمكن للمشاة أن يسيروا بسهولة من جهة إلى أخرى من الشارع دون التعرض لحركة سير السيارات. أما في شارع الرينبو، فمع أن المحلات والمطاعم والمقاهي منتشرة على طرفيه إلا أن قطع الشارع للوصول من جهة إلى أخرى يعني مناورة في سيل لا ينتهي من حركة السيارات. وشارع الثقافة هو أقل الشوارع الثلاثة نجاحاً من هذا المنطلق، فمع أنه يتصف بتصميم جميل يقسمه إلى سبعة أجزاء تحتوي على معرض فني ومسرح خارجي ومناطق مزروعة، إلا أنه منطقة مشاة معزولة بسبب إحاطتها بالكامل بشارع. كذلك، فإن الأبنية الموجودة على ذلك الشارع لا تحتوي إلا على القليل من المحلات التجارية التي هي أساسية لجذب الزوار. وهناك عدد من الاكشاك في وسط شارع الثقافة التي كان القصد منها بيع الكتب، ولكنها لم تكن كافية لجذب الزوار، وأصبحت كلها بقالات صغيرة تبيع السكاكر والمشروبات.

- إن هذه الأماكن، وللأسف، شاهدة على الوضع المحزن للصيانة والمتابعة التي تتصف بها الأماكن العامة في عمان. وبين الشوارع الثلاثة، فإن وضع شارع الثقافة هو الأسوأ، ويبدو أن ذلك مرتبط بقلة الزوار إليه. لذلك نجد أن القمامة تنتشر فيه، وأنه يعاني أيضاً من أعمال التخريب. وبذلك تم تشويه مكان كان في غاية الأناقة وقت افتتاحه. أما شارع الرينبو، فقد كان يحتوي على أهرام زجاجية عند مدخله، ولكن تم تحطيمها، وحتى الآن لا تزال قطع الزجاج المتناثرة موجودة في محلها. وعلى أي حال، فإن وضع أهرام زجاجية في ذلك المكان مستغرب بسبب خطورتها. بالنسبة لشارع الوكالات، فإنه في وضع أفضل من الشارعين الآخرين، ويعود ذلك جزئياً إلى أنه لا يحتوي إلا على الأرضيات المرصوفة وبعض الأشجار، وبذلك لا يحتاج إلى الكثير من الصيانة. ولكنه لا يحتوي على أي مقاعد للزوار. وكان الشارع يحتوي على عدد مناسب من المقاعد وقت افتتاحه، ولكن أصحاب المحلات التي تحده كانوا قد عارضوا بشدة مشروع تحويل الشارع إلى منطقة مشاة (مع أنه أثبت نجاحه مع الوقت)، وقاموا بالضغط على أمانة عمان لإزالة المقاعد، ظناً منهم أن إزالة المقاعد سيبعد من لا يريد التبضع من القدوم إلى الشارع. وقد رضخت الأمانة لضغوطاتهم وأزالت المقاعد، ولكن الزوار ما يزالون يأتون إلى الشارع بأعداد كبيرة ويضطرون إلى الجلوس بطريقة فوضوية على الدرجات وعلى أي حافة يجدونها في المنطقة.

- من الوسائل التي يمكن اعتمادها لتقييم هذه المشاريع هي متابعة تأثيرها على النشاطات الحضرية التي كانت سائدة في تلك المناطق – سواء كانت تجارية أو سكنية – قبل تنفيذ هذه المشاريع. وفي حالة شارع الوكالات، فإن شارعاً تجارياً قد أصبح مكاناً أكثر جذباً للتسوق بعد الانتهاء من تنفيذ مشروع تحويله إلى شارع للمشاة، وبذلك يمكن اعتبار المشروع ناجحاً من هذه الناحية. أما مشروع شارع الرينبو، فقد تسبب بإلحاق الأذى والضرر لسكان المنطقة بسبب إكتظاظ حركة السير والتلوث الصوتي وتجمع أعداد كبيرة من الزوار فيه. وقد أصبحت الحياة فيه مزعجة حتى أن العديد من سكان المنطقة بدأوا يتركونها. وبعكس شارعي الوكالات والرينبو، فإن شارع الثقافة لم ينجح بجذب الزوار له على المدى الطويل، ولذلك بدأ بالتدهور وأصبح منطقة مهملة يسيطر عليها أولئك الذين يستعملون الشارع للتزلج على العجلات.

- وأخيراً، فإن الاستنتاج الرئيسي الذي توصلت إليه هذه الدراسة هو أنه بالرغم من المشاكل العديدة التي تعاني منها وتسببها هذه المشاريع، فإننا في عمان نحتاج إلى المزيد من الأماكن العامة. وما علينا إلا أن ننظر إلى الأعداد الكبيرة من الزوار الذين يأتون إلى شارعي الوكالات والرينبو في الصيف بعد غروب الشمس. إن الحاجة إلى الأماكن العامة في عمان ماسة، ولكن المتوفر منها لا يلبي الطلب. وعلينا معالجة حالة عدم التوازن هذه بتوفير عدد مناسب من الأماكن العامة المصممة بإتقان وحساسية والتي تحظى بالصيانة والمتابعة اللازمة.

*الدكتور محمد الأسد مهندس معماري ومؤرخ، وهو مؤسس مركز دراسات البيئة المبنية.

** قامت لارا زريقات من مركز دراسات البيئة المبنية بتطوير منهجية هذه الدراسة، وقامت ثلاث متدربات من قسم العمارة في جامعة العلوم والتكنولوجيا في أربد، وهن ربى أبو الهيجاء وسجى هزايمة ودانا الفار، بالقيام بالدراسة تحت إشراف طاقم المركز المكون من محمد الأسد ولارا زريقات وجود خصاونة ونور الفايز.




  • خالد خضرا

    نحن شعب اعتاد عدم التفاعل الاجتماعي منذ الصغر، شح الحدائق العامة اجبر الاطفال البقاء في بيوتهم او الاعتياد على طفولة الشوارع.
    لو اننا منذ طفولتنا وجهنا لحضارة الحدائق لكنا اكثر اجتماعيةً.
    للأسف الان ان ذهبت لأحد الحدائق العامة القليلة في عمان والمنقرضة في مدن أخرى ستجد بأن حتى بعض الأطفال مترترون

  • Malhasg

    أرصفة عمان…..
    قررت اليوم القيام برياضة المشي في الحارة التي أقطنها…وما أن مشيت لبضع دقائق حتى عدت أدراجي إلى نادي الرياضة لأمشي في مكان أكثر أمنا وأكثر هدوءا وجمالا متسائلة لماذا مهندسي الأمانة يحرموننا من الاستمتاع برياضة المشي على الأرصفة في بلدنا؟؟؟
    لماذا عمان بلا أرصفة…أقصد أرصفة صالحة للمشي؟  لماذا أرصفتها مهانة….مهانة من قبل السكان الذين يعتبروا الرصيف امتدادا لجنائنهم فيزرعونه ويحرثونه وكأنه ملك لهم وكأنهم لم يعتدوا على حقوق المشاة..أما أمانة عمان الكبرى فإنها تعتبر الرصيف ديكورا فقط لا غير فهي لا تهتم أبدا بالمقاييس فترفع الرصيف عن الشارع غير آبه براحة المواطن وسلامته هذا بالإضافة إلى إهمال غير طبيعيي في أعمال صيانة الأرصفة أو مخالفة المعتدين، فهناك من رمى مخلفات البناء على الرصيف أو ركن سيارته على الرصيف….ولا داعي لوصف صعوبة المشي على الأرصفة في هذه الحالة حيث يضطر المشاة للإلتفاف حول السيارة فينزل إلى الشارع فتداهمه السيارات السريعة ويقذفونه بالشتائم أو الزمامير..أما الأرصفة المزروعة بالشجر، فإذا كانت الأغصان متدلية أو الجذع كبير فيجب أن تمشي منحني الظهر، وإذا كانت مزروعة بالأزهار فيجب عليك النزول إلى الشارع…أو بالأحرى القفز إلى الشارع نظرا لعلو الرصيف…وإن كان الرصيف بلا مزروعات فإنك تحتار أين تضع قدمك إما بسبب الحفر التي تفاجئك فتضطر للنظر إلى الأسفل طوال رحلة المشي لتتجنب الوقوع في المطبات وتكون الكارثة تكسر في العظام أو رضوض في العضل إذا حاولت النظر على أي شىء غير المكان الذي تنوي وضع رجلك فيه.
    أرصفتنا أرصفة بالإسم، لا تخدم أحدا وأرى أن إلغائها سيوفر للخزينة مبلغا من المال الأجدر أن نصرفه على معالجة تلوث الجو كنتيجة لكثرة استخدام السيارات في تنقلاتنا القصيرة والطويلة على السواء وأنا أرى أن لهذه الأرصفة أو شبه الأرصفة أثرا سلبيا على حياتنا بشكل عام وعلى تصرفاتنا اليومية..ولذلك أنا أقترح إجراء دراسة علمية اجتماعية وسوسيولوجية عن تأثير شبه- الأرصفة على سكان الأردن لأنني أعتقد أن المشي في أنحاء المدينة له تأثير أيجابي على الناس فمن ناحية سنقلل من استخدام السيارة في المشاوير الصغيرة وبذلك نحافظ على البيئة وصحتنا ومن ناحية أخرى سنتعرف أكثر إلى المدينة والناس الذين يقطنوها من جميع المنابت والأصول ويصبح انتمائنا لعمان أكثر إيجابية.
    .