الإصلاح من خلال الفوتوشوب

JordanianSmiles

بقلم المحامي عمر العطعوط

جولة واحدة في شوارع العاصمة عمان ومعظم مدن المملكة هذه الأيام لمشاهدة المسرحية الهزلية الرديئة الإخراج والتمثيل الدائرة الآن تحت مسمى الانتخابات النيابية تكفي لإزالة الوهم لدى كل حالم بوجود إرادة سياسية للإصلاح، بل وتكشف زيف إدعاءات هذا النظام ومحاولاته الالتفاف على أي إصلاح حقيقي يُخرج البلد من النفق المظلم الذي تسببت به القرارات المنفردة الكارثية والفساد والإفساد ونهب مقدرات الوطن التي حكمت سياساته طوال العقد الماضي.

إن فهم النظام لحالة الضعف والانقسام التي يعاني منها المجتمع، وهو صاحب الدور الرئيسي فيها، جعله يكتفي بسلسلة مسرحيات إصلاحية باهتة جرت على مراحل كان القاسم المشترك فيها إيصال الناس الى القول المأثور “دعوت على عمرو فمات فسرّني فلما أتى زيد بكيت على عمرو”.

فنجد مثلا أن استجابة الملك لمطالب الناس في بداية الحراك بإسقاط حكومة الرفاعي”المرفوضة شعبياً” جعلته يأتي برئيس حكومة آخر ارتبط إسمه بأسوأ تزوير لانتخابات بلدية ونيابية في تاريخ المملكة، ومن ثم استمرت عملية إقالة وتعيين موظفين برتبة رئيس وزراء لمدد لا تزيد عن ستة اشهر لكل منهم، حتى الوصول للرئيس الحالي الذي جيء به لتنفيذ جميع السياسات التي عارضها وهو نائب، فأسقط في يده، ولم يجد غير التوقيت الشتوي ليمارس من خلاله ولايته العامة.

وكان النظام قد بدأ خطواته الإصلاحية من خلال تشكيل لجنة للحوار الوطني للتوافق على قانوني انتخاب وأحزاب بذات الوقت الذي عمل فيه على استخدام سلاح الفتنة في أحداث الداخلية “24 آذار” وذلك لإبعاد أي توافق ممكن بين مكونات المجتمع، ومع أنه ضمن مخرجات تلك اللجنة، إلا أن هذه الضمانة اصطدمت بالتزام “استثنائي” بالدستور الذي يعطي الولاية العامة للحكومة مما جعل الملك عاجزا(!) عن الالتزام بضمانته فكان قانون الصوت الواحد متوجا لمسيرتنا الاصلاحية.

أما اللجنة الملكية للتعديلات الدستورية فقد حرص الملك على اختيار أعضائها من بعض ممن سبق وصرح بأنه ضد المساس بالدستور، فكانت الرسالة واضحة، وأصبحت أكثر وضوحا عند إنجاز تلك التعديلات التي لم تكن إيجابية بعضها كافية لتحقيق إصلاح جاد له دلالة، ورافق ذلك استخدام أدوات القوة وتبني نهج البلطجة بمواجهة المطالب المحقة، مثل ما حصل في سلحوب وساكب واستخدام المناقل في ساحة النخيل والاعتداء على الصحفيين. وبدلاً من توجيه تهمة تقويض نظام الحكم إلى من يزور انتخابات المجلس النيابي (وهو المكون الاول لنظام الحكم حسب الدستور) أو لمن ينفرد بالحكم على حساب سلطات الدولة التي يتشكل منها النظام، أصبحت هذه التهمة توجه الى شباب الحراك المطالبين باستعادة نظامهم!
ولأن المعرفة خطر على الأردنيين، فكان لا بد من تشريع تكميم الافواه وتجفيف مصادر التواصل الاجتماعي والوصول للمعلومة، فكان قانون المطبوعات والنشر الجديد إحدى وجبات الاصلاح التي منّ بها النظام على الشعب.

أما الكرنفال التسويقي لإنجاز انشاء الهيئة المستقلة للانتخاب وإبرازها كضمانة لنزاهة الانتخابات النيابية، وكأن الجهة التي كانت تزور سابقاً هي الحكومة، أو أن الجهاز الامني المعني بالتزوير سيتوقف بأوامر هيئة لا يعين أعضاؤها دون شهادة حسن سلوك منه، فقد تبعه الكرنفال الحالي في شوارع المملكة من خلال الدعايات لانتخابات الجمال والوسامة، فمجرد كون صورة المرشح مع تحسينات الفوتوشوب تغطي اكثر من 90% من الإعلان الانتخابي للمرشحين يعطي فكرة واضحة عن شكل المجلس الجديد. الكثير من المرشحين البارزين كان حتى فترة قريبة ترتعد قرائضه من مجرد ذكر تعبير مكافحة الفساد حتى وهو على يقين بأن هذا النظام لا يمكن أن يكافح الفساد لأسباب يعلمها الجميع، ومعظمهم من أركان العهد الذي أوصل البلاد والعباد للإفلاس الاقتصادي والتفتت والانقسام الاجتماعي، كل هذا يؤشر إلى ماهية المجلس القادم الذي سيجعلنا نترحم على سابقه.

ولأن لكل مرحلة أدواتها، ولكون مرحلة الفوتوشوب لا تتناسب مع شكل البلطجة التي انتهجها النظام في المرحلة السابقة، فكان لا بد من الولوج في مرحلة جديدة “الإصلاح من خلال اللقاءات الملكية”، فالملك يلتقي الشباب والنساء والشيوخ في لقاءات تحاورية يغلب عليها طابع الصراحة والجرأة البروتوكولية. وانتقل همّ العديد من الأردنيين من انتظار هاتف المنصب الوزاري الى هاتف الدعوة للقاء الملك، علماً بان الفكرة من هذه اللقاءات تتناقض والإصلاح الحقيقي لكونها تؤطر لاستمرار المعضلة الحقيقية وهي حالة الانفراد بالحكم. فما هي الرسالة من تحاور قوى المجتمع مع عماد فاخوري بحضور الملك في غيبة الحكومة؟ إنها الرسالة ذاتها ولكن بربطة عنق: أنا وحدي الذي يحكم وأنتم أيها الأردنيون غير جاهزين لحكم أنفسكم وفقا للدستور والنظام النيابي الملكي الذين تطالبون به، وتفضلوا هذا المجلس النيابي الذي اخترتموه، فهل تقبلون به حاكما؟!

نعود إلى مسرحية الانتخابات المهينة في الشوارع لنعي تماماً أن النظام يتصرف باعتبار انه انتصر في معركته ضد الإصلاح الحقيقي، وقد يكون محقاً. والسبب أننا لا نزال عاجزين عن تشكيل قوة ضغط ترفع على الحكم كلفة استمرار الوضع المشوه القائم. لماذا؟

إن تحركات الشعوب سواء لإسقاط أوتغيير أنظمتها أو إصلاحها تتشكل في لحظة تاريخية تسود فيها إرادة شعبية جماعية يتكسر بمواجهتها حاجز الخوف، بحيث تتجاوز الرغبة باستعادة الحق والحرية والكرامة الخوف الكامن من بطش السلطة.

فما هو حاجز الخوف الذي كسره الاردنيون في ربيعهم؟ هل كسرنا حاجز الخوف من النظام؟ نعم! ولكن لم يكن الخوف من النظام وحده في يوم من الأيام هو الذي منع الأردنيين من المطالبة باسترداد سلطتهم وحقهم في إدارة شؤونهم.

إن حاجز الخوف لدى الاردنيين كان دائماً خوفهم من بعضهم البعض.

صحيح أن النظام استخدم أدوات القوة من قمع وبطش وحبس في سبيل إنجاح الانقلاب على التجربة الديمقراطية في الخمسينيات، الا أن آفة الانقسام بأشكالها المختلفة كانت ولا تزال هي التي تحول بين الأردنيين وحقوقهم في استرداد نظامهم النيابي الملكي.

وبدلاً من أن يشكل الربيع العربي فرصة تجعلنا نتوجه بجرأة الى الحوار والتلاقي لاعادة انتاج الدولة المدنية الديمقراطية على أساس قاعدة المواطنة باعتبار ذلك السبيل الوحيد لكسر حاجز الخوف قمنا بترسيخ وتأطير مخاوفنا، وبدأت تخرج الى العلن نظريات تعزز الانقسام وتتناقض مع الديمقراطية التي لا تقوم إلا على أساس الحقوق الفردية لا الجمعية المنقوصة ولا الجمعية المكتسبة.

كل هذا سهّل أمام النظام فرصة تحميل الشعب وزر إصراره على الاستئثار بالسلطة والثروة، فكان قرار رفع الاسعار نتيجة لفهم النظام للضعف الذي يعاني منه المجتمع والناجم بشكل أساسي عن الانقسام، وبالتالي لم يجد ضيراً من تغطية فساد قراراته وأفعاله في العقد الاخير من خلال اللجوء الى جيوب المواطنين.
المشكلة ليست في الانتخابات النيابية، وليست حتى في قانون الانتخاب ولا في النصوص الدستورية، فالنظام لا يلتفت إلى النصوص بل إلى موازين القوى التي تميل لصالحه، المشكلة فينا نحن وسنبقى نودع مجلس 111 لنستقبل مجلس 121 وندفع كلفة ذلك كله ما لم نغير ما بأنفسنا، ونتجاوز حاجز الخوف الحقيقي، فلن ينهض شعب لا يزال يختلف على مفهوم المواطنة.

 

الصورة من ساندرا حياري من انتخابات ٢٠١٠