شاهد ورواية: ليلى شرف ووزارة الإعلام

Laila Sharaf

“شاهد ورواية” هي سلسلة من القصص والحكايات التي تحاول توثيق أحداث وتجارب من تاريخ الأردن المعاصر. من خلال روايات الأشخاص الذين عاشوا هذه الفترات وذكرياتهم المليئة بالتفاصيل، تحاول هذه السلسلة أن تسلط الضوء على أصوات متعددة ومتنوعة تسرد لنا تاريخا شعبيا يرغب الكثيرون في التعرف عليه.

بقلم لينا شنك

في زمن الأحكام العرفية، والتي استمرت في الأردن منذ عام 1957 وحتى هبّة نيسان في عام 1989، تولت ليلى شرف، وهي ثاني امرأة تستلم منصباً وزارياً في الأردن، حقيبة وزارة الإعلام، بعد أن اعتقدت بأنها أخذت “الضوء الأخضر” لـ”تحرير الإعلام” من الرقابة والتقييد.

تقول شرف أنها أجابت الملك الراحل الحسين بن طلال عندما عرض عليها المنصب في عام 1984 في حكومة الرئيس أحمد عبيدات بأنها “ما بتسوى تكون وزيرة”، فهي ابنة الإعلام اللبناني الحر وتؤمن بأن “الخبر يجب أن يصدر مباشرة إلى الصحف” وأن “الحقيقة هي أهم شيء في الصحافة”، فكان جواب الملك “ومن قال أننا مختلفون على ذلك؟”، ومن ثم قبلت بالمنصب على أمل أن تضع حدا للتدخل في الإعلام.

عندما تصف حالة الإعلام في تلك الأيام، تعترف شرف بأنها وجدت “إعلاما بدائياً”، حيث كان عدد الصحفيين الذين يستطيعون ويجرؤون على التحليل الناقد للحدث “محدود جداً”، وكانت المقالات تمر تباعاً على الرقيب ليجيزها أو “يعدّل فيها”. وأما الخطوط الحمراء، فهي كثيرة وتضم كل ما “يختلف مع سياسة الدولة في أي قضية”، هذا إلى جانب وجود “كتاب يعملون لصالح أجهزة الدولة في كل صحيفة ويقدمون على أنهم كتاب رأي وتسهل لهم المقابلات والحصول على المعلومات، فقد كانت الصحافة مخترقة”!

لأنها لم تحمل “ثقافة قمعية”، حاولت شرف منذ اليوم الأول أن تغير من هذا الواقع، وتعترف أيضا بأنها كانت “ساذجة” كونها لم تعمل قبلها في الأردن ولم يكن لها خبرة مع “القوى الضاغطة” الأخرى، فهي تحاول تطبيق ما تعلمته في الإعلام اللبناني في قسم الأخبار والمقابلات السياسية وما عاصرته في الولايات المتحدة الأمريكية بعدها من حرية وجرأة في مراقبة أداء الحكومات من قبل الإعلام، ولكن الأردن الرسمي لم يكن جاهزاً، بل وحتى الرأي العام نفسه اعتاد على الكبت، على حد قول شرف، التي استغربت آنذاك من رد فعل بعض المواطنين أنفسهم الذين كانوا يتذمرون من محاولات الصحافة لكسر تلك القيود وكانوا يعاتبونها بالقول “يا ست ليلى عم يزودوها الصحافة”!

أجهزة وقوى مختلفة لم يرق لها أن يكف الإعلام عن “التبشير” بإنجازات الدولة والمسؤولين، فبدأوا بمحاربة التغيير من خلال نشر الأخبار الكاذبة التي يراد منها “زعزعة وتأليب الرأي العام”، وذلك من قبيل نشر أنباء غير صحيحة عن إقالات وتعديلات حكومية، بل وحتى تصريحات غير صحيحة على لسان شرف، التي تقول بأن هذه المحاولات كانت تهدف إلى “تخويف المسؤولين من الحرية والقول بأن الحرية تؤدي إلى الفوضى”، الأمر الذي تستغربه شرف فـ”الصحافي الأمريكي أو الأوروبي أو غيره الذي يؤمن بالحرية لا ينشر أخبارا كاذبة تنال من مصداقيته لأنه حر وهذا ليس معنى الحرية الصحفية الذي جئت من أجله”.

على الرغم من هذه المحاولات التي كانت تتم في كثير من الأحيان على يد عملاء هذه الأجهزة من الصحفيين الموجودين في الصحف، فإن شرف كانت تتجنب الصدام معهم، وتكتفي بمعاتبتهم لأنها كانت تعول على “ضميرهم الذي يجب أن يستيقظ ويعي بأنني أعمل من أجلهم ومن أجل أن يتخلصوا من عبوديتهم ومن اضطرارهم إلى الكتابة لإرضاء مرؤوسيهم”.

ذات يوم، وبينما كانت شرف تتحدث إلى رئيس الديوان الملكي آنذاك مروان القاسم حول قضية لا علاقة لها بالإعلام، أخبرها الأخير بأنها ستستلم رسالة من الملك الحسين وأنها ستفرح بها كثيرا وتقوم بنشرها في الصباح والمساء من شدة فرحها بها.
تقول شرف أن الرسالة كانت موجهة إلى رئيس الوزراء أحمد عبيدات، والذي لا تخفي أن علاقتها به كانت تمر بفترة عصيبة لأنه هو أيضا ارتبك – وإن كان إلى حد أقل من غيره- من السياسة الإعلامية التي اتبعتها، ولكنه لم يكن “خصمها” وكانت علاقتها به جيدة، فيما كان رئيس الديوان يشير إلى بعض وقائع “التوتر العابر”. وجاء في الرسالة طلب من الملك الراحل موجه إلى رئيس الوزراء يفيد بـ”تقييد الإعلام”، الأمر الذي أثار استياء شرف وغضبها الشديد وجعلها تحسم أمرها فورا بتقديم استقالتها، وخرجت من الوزارة بسيارتها الخاصة بدلا من سيارة الوزارة لأنها لم ترغب في التعامل مع الأجهزة الرسمية بتاتاً في تلك اللحظة.

فعل “الاستقالة الذاتية” كان “ممنوعاً” وفق الأعراف السائدة في زمن الأحكام العرفية، لذلك أصرت شرف على كتابة الأسباب التي دفعتها للاستقالة وألا ترحل بصمت، حتى لا يظن الناس أنها فشلت في مهمتها “فروّحوها”، خصوصا وأنه “ما حدا بيستقيل بالأردن” على حد قولها. كما لا يمكن لها أن تقبل بالفشل، وهي تحمل مسؤولية كبيرة بصفتها ثاني امرأة تتولى منصبا وزارياً من بعد إنعام المفتي التي كانت وزيرة للتنمية الاجتماعية، ومن ثم فإن فشلها يعني أن يخرج فريق من الناس ويزعمون بأن المرأة غير قادرة على المشاركة السياسية على أعلى المستويات.

في يوم 27 كانون الثاني من العام 1985، كتبت شرف رسالة وجهتها إلى رئيس الوزراء أحمد عبيدات جاء فيها:
“لقد قبلت المشاركة في الحكومة لأنني آمنت بمبادئ اقتبستها من مدرسة عبد الحميد شرف في احترام الانسان الأردني والعربي وعقله، في تقديره لحرية التعبير وحرية الرأي الصحفي.. وآمنت أن كرامة الانسان الأردني خاصة والعربي عامة وانتماءه واعتزازه بوطنه الصغير والكبير، وتطوره الفكري والحضاري لا يمكن ان تتحقق إلا ضمن سياسة بعيدة عن التدخل اليومي المحبط والمقيد لتطور الفكر والتعبير عنه وبعيدة عن جعل الاعلام تعمية للمواطن بدل اطلاعه ومشاركته في المعرفة وفي أسباب القرارات وظروفها.
ولقد أوضحت هذه المفاهيم قبل قبولي تسلم وزارة الإعلام وظننت بكل مثالياتي وسذاجتي في آن واحد أنني قد حصلت على مباركة لها. ولكن التوجهات الرسمية – على أكثر من صعيد – التي بدأت أولا بالتجاوب مع هذه السياسة الاعلامية الجديدة، أخذت في المدة الأخيرة تتسم بالتشنج تجاه هذه الحرية في التعبير عن الرأي حتى في أبسط المعلومات، واحسست بضيق الأردن الرسمي تجاه المواطن ومسارب معرفته واعلامه الوطني بشكل بدأ معه هذا المواطن يلجأ إلى أجهزة اعلام معادية.. إن ايماني بمبادئ احترام المواطن الأردني وعقله وحريته المسؤولة التي يضمنها له الدستور يجعلني أرتجف عندما أفكر بأن عبد الحميد شرف يراقبني وانا شريكة في هذه السياسة. ثم انني لا أرغب في أن تكون وزارة الاعلام حجر الرحى في صراع القوى في هذا البلد الحبيب في وقت حرج في مثل هذا الوقت”.

تقول شرف بأنها وزعت نسخاً من نص الاستقالة وأرسلتها إلى الصحف اليومية، وانتظرت أن يتم الاعلان عن قبول استقالتها على التلفزيون الأردني في نشرة الثامنة مساء”، ولكنهم “كانوا أذكياء أيضا فلم يذيعوا الخبر في تلك النشرة واكتفوا بإذاعته في النشرة الإخبارية باللغة الانجليزية التي يتابعها عدد أقل من الناس”، ولم تنشر الصحف نص الاستقالة واكتفت بخبر مقتضب يفيد بقبولها فقط، إلا أن وقع الاستقالة الشعبي كان مدوياً، ووزع من النص الأصلي ما يزيد عن 50,000 نسخة، وأُرسل منها نسخ إلى خارج الأردن وفقاً لما أخبر شرف عدد من العاملين في المجال الإعلامي.

قوبل هذا الموقف بترحيب شعبي كبير ليس في الأردن فقط، وانما في الدول العربية وخاصة في مصر وتونس، حيث “تتألم كل هذه الدول من غياب الحريات الاعلامية ولم يصدقوا أن هناك من هو مستعد للوقوف إلى جانب هذه القضية”، مما جعلها تقبل دعوات إلى حفلات تكريم كثيرة، وجعلها محاطة بالصحفيين العرب الذين انتظروها في ردهات الفنادق في زياراتها للدول العربية ليشكروها علىى موقفها.

على الرغم من أنها تعتبر “الجسم الصحفي مخترق إلى حد هذا اليوم”، إلا أن شرف تعتقد بأن الصحافة خطت خطوات جيدة باتجاه الحرية، وان كانت تستثني من هذه الصحف “صحيفة الرأي” كونها لم تقرأها منذ عام 2005، لأن الأخيرة برأيها لم تتخلص من “العقلية العرفية”، وبقي الصحافيون فيها “وكأنهم مقيدون نفسياً مع اعتذاري لهم وتمنياتي لهم بالانعتاق”.

مع ذلك، تقول شرف بأن الحرية الاعلامية مرت بفترة أفضل من تلك التي نعيشها اليوم، وذلك ربما في النصف الثاني من عقد التسعينيات، الأمر الذي قد يعزى برأيها إلى “غياب الضغوطات على الدولة وعدم الحاجة إلى البروباغندا آنذاك”، فالمسؤول الضعيف الذي يشعر بالقلق ويخاف من النقد هو الذي “يخشى الصحافة الحرة”!