اثنتا عشر ساعة انتخابات

girls

مراسل حبر لشؤون الأعراس والمناسبات الوطنية

قبل أن نبدأ الإجابة عن سؤال “كيف قضيت يوم العرس التاريخي؟” بالتفصيل ساعة بساعة، ثلاث نقاط أساسية سريعة كانت محصلة استنتاجات اليوم:

-لم تكن مشكلة الانتخابات الأردنية في السنوات الخمس الماضية فنية.
ولذلك لم تكن انتخابات ٢٠١٣ مختلفة بهذا الصدد. فالإجرات الفنية من تنظيم صناديق ومراكز الإقتراع، وتنظيم الدخول، ووسائل منع تكرار التصويت كانت على نفس مستوى انتخابات ٢٠٠٧ وانتخابات ٢٠١٠، وأجمع المراقبون المحليون والعرب والدوليون أن التجاوزات والخروقات كانت محدودة ولم تكن ممنهجة.

وجود الهيئة المستقلة للانتخابات من عدمه أيضاً لم يكن ليحدث الفرق. فبحسب وزير سابق الهيئة المستقلة جاءت نتيجة لمطالب دولية، وكوادرها هم من وزارة الداخلية، بل أن أحد رؤساء لجان الاقتراع المخضرمين وجد أن ترتيبات الداخلية في بعض المجالات كانت أفضل في الدورات الانتخابية السابقة من ترتيبات الهيئة لهذا العام.

بديهياً، بقيت المشكلة في قانون الانتخاب ونوعية المرشحين والفائزين التي تترتب عليه، وعملية الإفساد الممنهج للحياة السياسية التي لم تترك داعي أساساً للتزوير الفني.

-الهوس بنسبة المقترعين باعتبارها المعيار الوحيد للنجاح الوهمي للعرس.
إذا كان القانون لم يتغير والمرشحون لم يتغيروا من الدورات السابقة، يبقى المعيار الوحيد “للتغيير” هو ارتفاع نسبة التصويت عن الدورات الماضية، وبالتالي “الانتصار” على الأصوات التي عارضت القانون ورفضت المشاركة، ففشلت بحشد التأييد لبرنامجها المقاطع. إن الاهتمام المبالغ فيه من وسائل الإعلام وأجهزة الدولة بنسبة المشاركة أظهر “المعركة الانتخابية” كأنها تجري بين من أصر على إجراء الانتخابات وبين من رفض المشاركة بها (من شتى التيارات) لعدم اقتناعه بجدية الاصلاح، بدلاً من أن تكون بين المرشحين أنفسهم. فالمرشحون ليسوا سوى نسخ مكررة من بعضهم البعض بأسماء مختلفة، فبقيت الأرقام هي الحكم بين البرنامجين: برنامج النظام المشارك وبرنامج معارضته المقاطع، فكان لا بد للنسبة العامة للمشاركة (من المسجلين) أن تتخطى النصف.

-جهاز الأمن العام يعترف بالتدخل للتأثير (أو منع التأثير) على إرادة الناخبين.
في مؤتمر صحافي عقده مدير الأمن العام أشار إلى أن الأجهزة تعاملات مع خمس حالات على الأقل مما وصفه “بواقعة أمنية” تضمنت “دعوة للمقاطعة”، ومصادرة ما وصفه ب-”مناشير” تدعو لمقاطعة الانتخابات. بأخذ النقطة السابقة بعين الاعتبار، فإن الدعوة للمقاطعة هي موقف سياسي مستحق، وأن ما وصفه مدير الأمن بمناشير، لا يختلف عن أي بيان أو نشرة انتخابية يصدرها حزب أو مرشح أو قائمة. أظهر مدير الأمن العام الجانب الحازم من شخصيته عند سؤاله عن الاجراءات بحق الداعين للمقاطعة، فتغيرت ملامحه وأعلن بأن جهاز الأمن لن يسمح بتعكير السلم الاجتماعي وأن “أي شيء يضر بالوطن والمواطن لن نسمح به”، وغادر القاعة.

٥:٤٥ صباحاً
تظهر أضواء النيون البيضاء من عدة نوافذ واسعة في وسط الظلام الدامس في احدى شوارع الشميساني الفرعية، فتقودك مباشرة إلى أبواب المدرسة الابتدائية. وجود عدة سيارات على أبواب المدرسة ودراجة شرطي سير تؤكد أن هذا لا شك مركز الإقتراع المنشود.
داخل المدرسة بدأ إعداد الصف الخامس “أ” لتحويله إلى مركز إقتراع حيث يظهر شخص واثق تماماً مما يفعل يفتح عدة صناديق ويخرج محتوياتها (أوراق، أقلام، بوسترات، بطاريات، أختام وغيرها).

٦:٠٠ صباحاً
تعج ممرات المدرسة بالحركة بوصول رئيسا القاعتين الأخرتين، واستيقاظ رجال الأمن العام ممن كانوا قد قضوا ليلتهم داخل المدرسة.

٦:١٥
وصول مندوب الهيئة المستقلة للإنتخاب متبوعاً بمندوبين للمرشحين، ومراقب من شبكة راصد يرتدي “فيست” برعاية المعهد الديمقراطي والسفارة الكندية وسفارة أوروبية أخرى.

٦:٣٥
القاعة الأولى تقريباً جاهزة، بينما يستمر العمل في القاعتين للتأكد من أن طاولات الإقتراع توفر “خلوة” كاملة وبعيدة عن نوافذ القاعة، وبعض التفصيلات الأخرى. سير العمل سريع ويسمح بإقامة صلاة الفجر جماعة.

٦:٤٥
يدخل مندوب الهيئة إلى إحدى القاعات مؤكداً على ضرورة تعليق اللوحة التي تشير إلى منع الهواتف والكاميرات والتدخين داخل القاعة، أثناء تدخين سيجارة.

٦:٥٥
مندوب الهيئة يجري اتصالاته للتبليغ عن عدم وصول إثنين من أعضاء لجان الإقتراع. احدهما يصل في السابعة، بينما يصل بديل للآخر الذي تخلف عن الحضور في الساعة السابعة والربع. (رئيس قاعة العضو المتخلف: أنا من أول إجتماع كنت عارف إنه بنفعش. هدول همة إلي بسيئوا للأردن).

٧:١٠
وصول أول المقترعين! رجلان سبعينيان يقفان على باب المدرسة بينما تضع اللجان اللمسات الأخيرة لاستقبالهما. “الانتخاب واجب وطني حبيت أعمله عالبدري واتفضى لأشغالي باقي اليوم” يقول أحد الرجلين. “أنا جاره” يقول الثاني.

٧:٥٥bored
لم يصل الناخب الثاني (فعلياً الثالث) بعد. “لو أبوي نازل عالانتخابات ما باجي انتخبه عالثمنية الصبح. بنتخبه ماشي، بس لما أصحى!” يقول أحد أفراد الأمن المجتمعين حول صوبة عند بوابة المدرسة. أجواء الملل تسيطر على الجميع. حان الوقت للإطلاع على سير العرس خارج القاعات. (بصراحة، حان موعد التمرين. لا تعارض بين الممارسة الديمقراطية وممارسة الرياضة).

٩:٠٠ – ١٢:٠٠
تنصب معظم الأحاديث حول الانتخابات، لكن بدون حماس، حيث يتفق الجميع أن الإنتخابات لا تختلف بشيء عن سابقتها. في النادي الرياضي ثلاث فئات: فئة مقاطعة تماماً لأنها لا ترى جدوى، فئة ستنتخب “بالخاوة” استجابة لضغوط العائلة لدعم مرشح العشيرة، وفئة تعيش في كوكب آخر (معظمهم من رجال الأعمال من أصحاب البورش كيان) تتحدث بجدية عن المرشحين وتناقش من الأفضل: البقاعي أم البشير. “أصلاً طلع براءة وكل الموضوع كم شاحنة مش مستاهل” بحسب أحد اصدقاء البشير الذي سينتخبه. ما يجمع هؤلاء هو أن معظمهم سمع عن القائمة الوطنية من يومين، ولم يقرر لأي قائمة منهم سيصوت، ولا يعرف عدد المقاعد المخصصة لها أو كيفية احتساب الفائز منها. الموضوع ذاته ينطبق على شباب المخبز (احدهما سينتخب قريبه، والآخر سينتخب المرشح إلي ساعدهم بالتوسط لدى شركة المية لتغيير الساعة)، والشاب في الدكان (قريبه)، وشوفير التاكسي (قريبه)، والشاب في السوبرماركت (الذي لن ينتخب مرشح مسيحي من دينه “لأنه المسيحي ناجح هيك، بنتخب واحد مسلم معتدل ما يخرب البلد”، ومن ثم اقترح إلغاء نظام الكوتات كاملاً).

١:٠٠ ظهراً
عودة إلى المدرسة ذاتها في الشميساني. لا شيء يحدث بمعدل ناخب كل بضعة دقائق. عدم السعادة (وربما التعب) يظهر على مندوب الهيئة. خارج أسوار المدرسة العشرات من المراهقين يوزعون كروت تحمل صور المرشحين. “الوضع نايم من الصبح” يقول أحدهم. الشباب الأكبر سناً يقومون بالتجول في دوائر حول المدرسة والمدارس المجاورة بسيارات تغطيها صور المرشحين بأبشع الطرق الممكنة.

٢:٣٠ ظهراً
المركز الثقافي الملكي: العرس يحصل هنا، أو على الأقل “الدانس فلور” للعرس هي المركز الإعلامي. استديوهات كاملة في زاوية المركز، مراسلون يتحدثون بحماس على الهاتف، كاميرات بعدد النجوم، كمبيوترات تصطف على جانبي صالة مليئة بالكراسي، أجهزة سمعية من أحدث طراز توفر ترجمة فورية. بوسترات الهيئة المستقلة تملأ المكان. في الخلفية فيديو توضيحي عن كيفية احتساب مقاعد الفائزين في القوائم، لا يكترث به أحد، لكن حالة من الطوارئ تدب في المركز عندما تعود الشاشات لعرض نسب الإقتراع حتى الساعة. نسبة الإقتراع من أعداد المسجلين حتى الساعة ٣٠ بالمئة على مستوى  المملكة. ٢٢ بالمئة في عمان، ٢٥ بالمئة في الزرقاء و-٣٠ بالمئة في اربد.

٢:٥٥ ظهراً
يعلن المذيع الداخلي في المركز الإعلامي عن وجود باص جاهز للتحرك نحو جرش يقل الإعلاميين الراغبين بزيارة مراكز الإقتراع هناك. على رصيف المركز الثقافي الملكي تزامن وقوع نظري على يافطة “السلط تناديكم” مع مرور باص صويلح، فكان الخيار السلط على حساب جرش.

٣:١٥ ظهراً
في باص صويلح-السلط يحاول أحد الركاب أن يستخدم الانتخابات كحجة لإقناع السائق بالانطلاق بعد أن قضى حوالي ربع ساعة بانتظار آخر راكب، فدار الحوار التالي:
-”مطولين معلم؟ بدنا نلحق ننتخب”
-”معك للسبعة تنتخب. إذا ما مددوا كمان”
-”بقولوا للأربعة وبسكروا”
-”للسبعة. سبحان الله. الباص حمل بخمس دقايق، وقفت على راكب”.
-”طب والله ما أنا منتخب”.

٣:٣٠
حركة نشطة في وسط مدينة السلط التي تغرق باليافطات. كان من السهل الوصول إلى مركز إنتخابي من خلال تتبع سيل السيارات المغطاة بصور المرشحين. خارج أبواب مركز الاقتراع هناك ازدحام شديد وبكبات تعزف موسيقى عالية تتنوع بين “الأغاني الوطنية” والمواويل العراقية، وأعداد هائلة من الشاب يوزعون صور وبطاقات مرشحين تحولت إلى سيل من النفايات الورقية على جوانب الشوارع. يرفض أحد رجال الأمن على باب المدرسة إدخال شاب يحمل بطاقة مندوب مرشح قائلاً: “صار في لزلمتكم ثلاثين واحد جوا. روح على مركز ثاني” فغادر بهدوء.

٣:٤٥
في الطريق المؤدي إلى مدخل المدرسة تبدو الحركة أهدأ بكثير. (كانت نسبة التصويت في السلط حوالي ٣٣ بالمئة عند الساعة الثالثة). عند الوصول إلى المدخل تبين أن مركز الإقتراع هو مدرسة السلط الثانوية – أشهر مدارس الأردن بلا منازع، فلا بد من التقاط صورة لواجهتها.

٣:٤٦
مواجهة مع الظاهرة التاريخية المعروفة: قدرة الكاميرا مهما كان حجمها على جذب رقيب السير العصبي. “ورجيني الصور. أشطب هذي. اشطب هذيك. هات تصريحك” واختفى. لم تفلح محاولة اقناعه وزميليه بأن كل القوانين الخاصة بمنع التصوير داخل المركز سيتم مراعاتها، فعاد بعد ربع ساعة وطلب مرافقته إلى خارج المدرسة.

٤:٣٠
في باص السلط-عمان تدور معظم الحوارات حول الانتخابات، حيث تستغرب احدى المواطنات من أن محدثتها على الهاتف لم تتوجه إلى محافظتها للانتخاب “ولا حتى قرابتكوا؟ ما هي بطاقتك عند أهلك”، بينما تعلن مواطنة أخرى لمحدثتها عبر الهاتف (وللباص كاملاً) بأنها تتوجه إلى عمان لحضور مهرجان انتخابي لمرشح لهم هناك، إذا نجح.

٥:٠٠ مساءً
مقرات المرشحين في منطقة السرو تقريباً فارغة لكنها محاطة بأعداد كبيرة من الباصات التي يبدو أنها توفر/وفرت دعم لوجستي لنقل الناخبين.

٥:١٠
اختناق مروري كبير عند دوار صويلح لوجود مراكز اقتراع للدائرة الخامسة. المشهد ذاته يتكرر: أعداد كبيرة من المناصرين خارج المركز، وأعداد ضئيلة من المقترعين داخله.

٥:٢٥
في المركز الثقافي الملكي مؤتمر صحافي للمفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان يعلن فيه عن بعض الانتهاكات الفنية التي يرى أنها لم تؤثر بشكل كبير على الإقتراع، أبرزها التصويت العلني، والتصويت الجماعي في لواء ذيبان وفي دائرة بدو الجنوب، وفتح صندوق في محافظة، واشتباكات بين أنصار مرشحين، وعنف في إحدى دوائر عمان دفعتهم إلى إخلاء المراقبين حفاظاً على حياتهم.

٥:٤٥
وصول مدير الأمن العام إلى المركز الإعلامي مع فريق من الصاعقة كحرس الشخصي. يتوجه نحو القاعة الرئيسية ولكن ليس قبل أن يقف أمام الشاشة التي تعرض نسب التصويت التي تظهر نسبة اقتراع ٤٧ بالمئة على مستوى المملكة: “أنا بقول هذي أول ما تصير خمسين بالمية إطفوها” يقول الباشا ضاحكاً. يشير إلى نسبة الإقتراع في عمان (٣٣ بالمئة) قائلاً بفخر: “النسبة عمرها ما وصلت هذا الرقم في عمان. ما أظن”، فلا يأتي أي رد من الرتل الذي يتبعه من اعلاميين وضباط ممن بدا عليهم الاندهاش.

٦:٠٠
مؤتمر صحافي لمدير الأمن العام يستهله بتهنئة قائد البلاد والأردنيين بهذا الإنجاز. ومن ثم يبدأ بتعداد ٤٦ واقعة أمنية منها تفريق الدرك لمجموعة حاولت التوجه إلى مركز اقتراع في إحدى محافظة الجنوب باستخدام أربع قنابل مسيلة للدموع. من ضمن الحالات الأمنية عدد مدير الأمن خمس حالات تضمنت “دعوة للمقاطعة”!

٦:١٠
محاولات مستميتة لتوجيه سؤال خلال المؤتمر الصحافي: “لماذا اعتبرتم الدعوة للمقاطعة واقعة أمنية؟ وما هي الإجراءات بحق الداعين للمقاطعة وتحت أي مخالفة قانونية؟” باءت بالفشل.

٦:٢٠
مدير الأمن العام يجيب عن سؤال مشابه حول الإجراءات ضد دعوة المقاطعة بحزم شديد ومبالغ به مستعملاً كلمات “شرف وشعار وأمن البلد وتعكير السلم الإجتماعي ومصلحة الوطن والمواطن”، وينهي بها مؤتمره الصحفي.

٦:٣٠
جولة سريعة على بعض المقرات الانتخابية. معظمها ما زال فارغاً بإستثناء بعض المناصرين والسيارات الفخمة التي تحمل صور المرشح خارجها.

٦:٣٧
عودة إلى المدرسة في الشميساني لمتابعة اجراءات إغلاق الصناديق ومباشرة الفرز.

٦:٤٣
لقاء مع من قد يكون الناخب الأخير: لماذا الآن؟ “مديري رئيس قائمة، وكنت قاعد مع شباب في خيمته، فسألني إذا صوتت. حكيت آه، بس ما كنت عارف إنه في حبر بالموضوع، فشاف اصبعي، انحرجت، فقلتله قصدي رايح أصوت. وجيت كتبت لا أحد.”

٦:٤٥
جاء القرار الذي خافه الجميع: تمديد لمدة ساعة. خيبة أمل على وجوه الجميع: رجال الأمن، لجان الإقتراع، حزينين. حتى المراقبين الدوليين غادروا. خارج أسوار المدرسة يقول أحد المراهقين لزميله: “شو خمسين دينار على ١٤ ساعة واقف. يا زلمة ولا حتى لو إنهم ٣٠٠ دينار. إمي جاي تروحني. قرفت”.