“السيول” في الإعلام تغرق الجمهور في حيرة

AmmanFLood copy

بقلم سوسن زايدة

ذاب الثلج وجفت السيول ولم يجد بعد جمهور الإعلام جوابا على سؤال “من المسؤول” عن غرق شوارع ومنازل في سيول خلفتها العاصفة الثلجية الأخيرة.

بعض المواقع الالكترونية تداولت خبر شبه موحد عن “تبادل أمانة عمان وشركة “مياهنا” المسؤولية عن الفيضانات في الشوارع والأنفاق بسبب عدم قدرة شبكة الصرف الصحي على استيعاب كميات المياه المتدفقة لها، وتدفق المياه لمنازل بسبب الضغط العكسي على خطوط المجاري.

صحف ومواقع أخرى حملت “الطبيعة” المسؤولية وبررت “الأزمة” بكميات الأمطار وسرعة الرياح وشدة العاصفة الثلجية غير المسبوقة في الأردن منذ عقود. برامج إذاعية وتلفزيونية، على لسان شركة مياهنا، اتهمت المواطنين بفتح المناهل وإساءة استخدامها وحملتهم مسؤولية الأضرار والخسائر الناجمة عن العاصفة الثلجية.

نشرات أخبار الثامنة في التلفزيون الأردني، واصلت حالة “الإنكار” لوجود أي مشكلة في الأردن المثالي وشعبه السعيد دوما. بدت النشرات وكأنها برامج متخصصة عن الأجهزة الأمنية و”إنجازات” الدفاع المدني، الدرك، القوات المسلحة والأمن العام، في “إنقاذ المواطنين”. تخللتها استطلاعات رأي قدمت على أنها تقارير ميدانية. ولم يخف على المشاهد أنها معدة مسبقا، توحدت فيها آراء مواطنين يصفون بياض الثلج واستمتاعهم به، وغابت فيها آراء المواطنين المتضررين من السيول والانهيارات. أحد التقارير انتهى بمشهد معد التقرير يسجد على الأرض ويحمد الله عز وجل على نعمة الأمطار، وتقرير آخر لنفس المعد بدأ بعبارات الحمد والشكر لله على نعمة الأمطار.

اختلفت حلقة “ستون دقيقة” في التلفزيون الأردني باستطلاع رأي بين مواطنين ساخطين على الجهات المسؤولة التي عجزت عن حمايتهم من اعتداء السيول على ممتلكاتهم. وفي الاستوديو حضر طرفا القضية المتهمين بالتقصير: مدير المدينة في أمانة عمان، فوزي مسعد، والرئيس التنفيذي لشركة مياهنا منير عويس.

الدقائق الأولى من حلقة الجمعة بشرت بتغطية متوازنة لأزمة السيول، لكن سرعان ما ظهر انحياز مقدمة البرنامج ضد أمانة عمان، مركز الاتهام، حتى أنها انحرفت عن موضوع الحلقة، “أزمة السيول”، وتحولت إلى محاكمة للأمانة عن “فشل المخطط الشمولي” وعدم استعانة الأمانة بالكفاءات المحلية ممن “تخرجوا من جامعات أوروبية على حساب الدولة”. وخلصت الحلقة إلى نتيجة ضمنية بتحميل أمانة عمان الكبرى المسؤولية.

نتيجة مبسطة لعلاقة معقدة بين أمانة عمان المسؤولة عن البنى التحتية للشوارع وبين شركة “مياهنا” المسؤولة عن شبكة المياه والصرف الصحي. علاقة تعكس سياسة توفيقية بين دعاة الخصخصة ومعارضيها، نجدها في قطاعات خدمية مختلفة مثل الكهرباء، حيث تتقاسم المسؤوليات شركة الكهرباء الوطنية وشركة الكهرباء الأردنيةالمساهمة العامة المحدودة. ثنائيات تتبادل التهم عند كل أزمة وتتنصل من مسؤولياتها تجاه المواطنين.

تحديد المسؤولية عن فيضانات الشوارع ونقل حجم الأضرار الناجمة عنها شكل نسبة قليلة من تغطية الإعلام لأزمة السيول. النصيب الأكبر من التغطية المتعلقة بالموضوع انصبت على تمجيد دور الأجهزة الأمنية: الدفاع المدني، القوات المسلحة والأمن العام، في فتح الشوارع وانقاذ المواطنين المتضررين. وكالمعتاد تنتهي الأزمة، بحسب رواية الإعلام، بـ”الدفاع المدني والأجهزة الأمنية تنقذ المواطنين”. وتصدح أغنيات “المارشات العسكرية” التي يحلو للإذاعات تسميتها بـ”أغاني وطنية”. وتتحول الأخبار والبرامج إلى قصائد مديح للأجهزة الأمنية، لمجرد أنها قامت بعملها.

الأمانة، مركز الاتهام، ردت بقرار رئيس لجنتها إجراء عدة تنقلات بين مدراء دوائر ومناطق الأمانة، أبرزها دمج قسم الاعمال التكميلية للطرق بقسم تأهيل المناهل في دائرة التنفيذ تحت مسمى قسم تصريف مياه الأمطار وتعيين المهندس أمجد أيوب رئيساً للقسم.

شركة مياهنا اختفت عن مشهد الاتهام، ومنشغلة حاليا بالتخطط لإدارة مشروعات مائية بقيمة 45 مليون يورو من خلال اتفاقية قرض ميسر من الحكومة الفرنسية، وقعتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي مع الحكومة الفرنسية قبل أسبوعين.

ولم تتطرق أي من وسائل الإعلام إلى البلبلة التي خلقتها الحكومة خلال أزمة الثلوج، بإعلانها تعطيل القطاع الحكومي من دون ذكر القطاع الخاص، وتخلت بذلك عن مسؤوليتها عن موظفي وعمال القطاع الأكبر عددا. وتركوا بلا حماية من جشع مالكي ومدراء الشركات الذين أجبروا موظفيهم على الذهاب لأعمالهم ضمن ظروف جوية قاسية جدا لم تسمح لمن يمتلكون سيارات خاصة بتحريكها ولم يجدوا مواصلات عامة، أصلا رديئة في أفضل حالات الطقس.