في دائرة الأحوال المدنية

الأربعاء 27 شباط 2013

بقلم طارق ملحم

لن تكون هذه المرة الأولى التي تسمع أو تقرأ فيها قصة عن تجربة مماثلة، ولا أهدف من السطور القادمة الإنضمام إلى نادي منتقدي أداء الدولة، الذي أصبحت عضويته الصيحة الأكثر رواجاً هذه الأيام، حتى لدى من كانوا يحسبون عليها من “عظام الرقبة”. كما أنني، والعياذ بالله، لا أوجه أصابع الاتهام أو أحمل المسؤولية إلى أي طرفٍ كان، فكل ما أسعى إليه هو مشاركة تجربة مررت بها وأجزم أن الآلاف يمرون بها يومياً. كل الموضوع باختصار معاملة في دائرة الأحوال المدنية.

بدأت تجربتي عندما رافقت أحد أصدقائي المغتربين (وواسطتنا الله وحده) لإجراء بعض المعاملات في دائرة الأحوال المدنية. في الطريق نحو مبنى الدائرة الواقع في شارع الاردن كان تفكيري منصباً على نقطتين: الوصول مبكراً قبل ازدحام المراجعين، والأمل بأن يمر اليوم على خير ودون منغصات، وللأسف لم يتحقق أي منهما. عند الدخول إلى المبنى المهيب تشعر بدفء الاستقبال، وهو دفء حقيقي يصل إلى الشعور بالحر نتيجة تشغيل المئات من المدافيء دون انقطاع بالرغم من قرارات الترشيد الحكومي، حتى أنه يتبادر إلى ذهنك أن عدداً من الموجودين في الدائرة أمّوها للتنعم بدفء المكان المجاني لا لسببٍ آخر. أول ما تلاحظه هو تكدّس ممرات وصالات الانتظار الواسعة بمواطنين من كافة الأعمار والفئات، والتعبير على وجه كل واحد منهم كفيل بأن يحكي حكايته ويصف معاناته.

تظهر أمامك كل الصور النمطية التي تم استهلاكها في خمسين مسلسل بلحمها وشحمها كواقع يتجلى أمامك، كأن تجد أمامك رجلاً مسناً يحمل عباءته على كتفيه ويحمل خطواته متثاقلاً من مكتب إلى مكتب محتسباً متمتماً شاكياً إلى الله، ليكتشف طبعاً في نهاية الرحلة بين المكاتب والطوابق والبنايات بأن أول موظف قابله كان قادراًعلى حل مشكلته. يتكدس المراجعون على المقاعد وأعينهم تراقب الموظف الذي استلم الأوراق كأسدٍ يترصد فريسته، مستعداً للانقضاض على الشباك بمجرد أي حركة أو إيحاء من سعادته تشير أن دورهم قد حان بعد طول انتظار. بجواري سيدة نام أحد أبنائها على حجرها مللاً، بينما أمسك ابنها الثاني بهاتفها الخلوي في محاولة بائسة لقتل الوقت. على المقعد المقابل، رجل يروي قصة معاملته التي طالت فلم يبدي المستمع أي استغراب لمروره بنفس التجربة. في زاوية اخرى امرأة مسنة تغالب النعاس وتكبو، بينما تتجاهل ابنتها الجالسة بجوارها محاولة شاب تبادل أرقام الهواتف. على المقاعد يجلس الغاضب والصابر واليائس ومن قتله الضجر. يتبادل المراجعون عباراتٍ توحي بأن من كانوا أغراباً قبل ساعات قد اصبحوا زملاء كفاح: بشّر؟ شو صار معك؟ شو قالك الموظف؟ نقول مبروك؟

الشيء المثير للحيرة فعلاً، هو السبب وراء كل ذلك؛ فالمبنى كبير ومنظم ونظيف نسبياً، تخدمه عدة مصاعد كهربائية وأدراج وأماكن الجلوس والانتظار متوفرة. جميع الموظفين أمامهم أجهزة كمبيوتر مرتبطة ضمن شبكة داخلية مرتبطة بدورها بمزود رئيسي للمعلومات يحتوي على ملف تفصيلي عن كل مواطن داخل المملكة. الإجراءات واضحة ومنظمة! فما سبب حالة االتعقيد والانتظار الطويل الذي يعاني منه العديد من المراجعين؟

من وجهة نظري المبنية على التجربة الشخصية، المسؤولية تقع على أكثر من طرف: أوّلهم موظفي الدائرة، وللإنصاف ليس كل الموظفين، لكن عدد كبير منهم. فمنهم من يتعامل مع الناس بلا أدنى احترام، فيخاطبهم بحدة وبعصبية مؤذية ناسياً أن وظيفته مساعدتهم. ومنهم من لا يحترم وقت الناس أو ظروفهم، فيطلب منهم مراجعته في يوم آخر بحجة أنه مشغول في ذات اللحظة التي يقف فيها ذات الموظف يدخن سيجارة ويسولف مع زميل ترك بدوره مكتبه مليئاً بالمراجعين. أقسم أني وقفت مع آخرين في طابور انتظر موظف بينما كان يتذوق زيتون (شغل السنة) من يد زميلته التي وقفت بجانبه تحدثه متفاخرة عن إعجاب الجميع بقدرتها العجيبة على (كبس) الزيتون، وقد طال هذا الحوار لدقائق، تجاهلا خلالها وجود المراجعين بالكامل في مشهد سريالي! أما موظف الأرشيف فكان أكثر لطفاً، حتى لو لم يكن أكثر مهنية، عندما طلب من العشرات الذين انتظروا على بابه لساعتين بعد بدء ساعات الدوام الرسمية قبل أن يفتحه بأن “يصبروا عليه” حتى يشرب كاسة الشاي مع السيجارة، بغض النظر عن لافتات “ممنوع التدخين” التي تملأ جدران غرفة الأرشيف الطافحة بمئات الآلاف من وثائق وملفات المواطنين الورقية. لا تستبعد بأن تقوم موظفة وبكل بساطة برمي المعاملة بوجه المراجع وأن تأمره بصوت جهوري مسموع: “خذها لفلانة من الموظفات ماهي قاعدة من غير شغل من الصبح”. أما في حال وقررت التقدم بشكوى لمدراء الأقسام فلن تستطيع أن تجد موطئ قدم في مكاتبهم التي يملؤها “ناس واصلة” يجلسون معززين مكرمين بينما يقوم أحد الموظفين بإجراء المعاملة عنهم بأمر من المدير، الذي يشعرك بأنه ليس لديه وقت  لسماع شكواك وينصحك بالصبر والتحمل كباقي الموجودين خارج إطار مكتبه ومعارفه. (ولكن على الجانب الآخر لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، ففي حال تعقّدت معاملتك واضطررت للمراجعة في الطوابق العلوية حيث الأقسام الهامة كالدائرة القانونية أو الجنسيات، فستجد أناس في قمة التعاون والتواضع والمهنية، فلولا هؤلاء، لكنا ما زلنا نتابع اجراءات معاملتنا حتى هذه اللحظة.)

أما الطرف الثاني المسؤول هم المراجعون أنفسهم؛ فآفة عدم احترام النظام التي نجدها في كل طابور أو ازدحام، سواء عند الإشارات الضوئية أو البنوك أو عند ختم الجوازات في المطار وحتى عند شباك تذاكر السينما، قد وصلت إلى مرحلة الوباء. احترام النظام بات بنداً ساقطاً من منظومتنا الأخلاقية، فمن اللحظة الاولى هناك من يبحث عن أي ثغرة لكسر النظام توفيراً لوقته واستهتاراً بقيمة وقت الاخرين، فلا يختلف بذلك عن موظف الأرشيف الذي أخاله مازال يرتشف من كاسة الشاي بهدوء بينما ينتظره المراجعون. ولا ننسى هنا صفاقة المراجعين الواصلين أصحاب الواسطات الذين تفتح لهم الأبواب الخلفية، فيعتدون على دورك وقتك، ثم يرمقونك بنظرة واثقة وابتسامة إشفاقٍ مصطنعٍ صفراء.

المشكلة بالتالي ليست مشكلة نظام، وخشية من أن يفهم مصطلح نظام هنا بصورة خطأ نوضح بالمعنى الحرفي أن المشكلة ليست بالسستم (system). المشكلة هي عدم احترامه وعدم تطبيقه من القائمين عليه أو من الذين يفترض بهم أن يستفيدوا منه. أما احترام الوقت واحترام حقوق وظروف الاخرين والانتماء وتحمل المسؤولية والتفاني فهي قيم نتعامل معها على المستوى النظري والتنظيري فقط ولا نطبقها ولو بالحد الأدنى.

شو صار معنا بالآخر؟ فقد تمت بحمد الله المعاملة بعد أربعة أيام، ضاع ثلاث منها بحثاً عن ملف صديقي الذي ضاع في الأرشيف. أما موظف الأرشيف المسؤول فهو بلا شك حامل الرقم القياسي العالمي في شرب الشاي، حيث أمضى ساعات انتظارنا الطويلة في شرب العشرات من الفناجين والكاسات. فتحية شكر لكبار الموظفين في الأدوار العليا على قيامهم بواجبهم ومساعدتهم لنا على إكمال المهمة، أما باقي الرفاق المراجعين الذين مازالوا يتنقلون من مكتبٍ إلى مكتب ومن موظف إلى موظف، فأتمنى لهم التوفيق في الوصول إلى مبتغاهم، أطعمهم الله وأياكم مما أطعمنا.