التعليم وفساد التعيينات

url

بقلم د. تركي بني خالد

إذا أردنا الخير لبلادنا، وإذا كنا جادين فعلاً في محاربة الفساد ونشر ثقافة الاصلاح، فإن جميع مؤسسات المجتمع المدني والأفراد ووسائل الاعلام مطالبون بفتح اعينهم على مكامن الفساد ومداخله من أجل سد الطريق على اي ممارسات مشبوهة قد تقع في خانة الخطأ سواء كان مقصوداً أو بغير قصد.

إن أحد أخطر أوجه الفساد هو فساد عمليات التعيين، وآثاره على قطاع التعليم كارثية، حيث أن إيصال اشخاص إلى مواقع مهمة هم ليسوا أهلاً لها سيؤدي حتماً إلى نشر ثقافة الفساد والتخريب والعبث بحاضر مؤسسات الوطن ومستقبلها. طبعا سيدعي البعض أن الفساد موجود في كل الدول، وأن الفساد ظاهرة طبيعية، وقد يدعي البعض الاخر أن الوضع لا يمكن إصلاحه لان الجميع صار متهماً وبريئاً في الوقت ذاته، وهنا قد تختلط الامور، وينجو الفاسدون من المساءلة.

لنبدأ من القمة، ونطالب بالشفافية الكاملة في أسس وإجراءات تعيين المسؤول رقم واحد في التعليم العام والتعليم العالي وحاشيتهم ومساعديهم ومستشاريهم، ونضيف إلى ذلك ما اصطلح على تسميته بالبحث العلمي هذا الغائب الحاضر في حياتنا التعليمية. اتمنى لو يعرف أحدنا كيف يتم كولسة انتقاء حملة حقائب التربية والتعليم العالي لكي يصبحوا من فئة أصحاب المعالي. المواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم يتطلع الى تلبية حقه في معرفة ما يجري لكي يطمئن ويجدد ثقته بالمؤسسات التعليمية التي عهد اليها باغلى ما يملك وهم أولاده وبناته، وهم من نسميهم امل المستقبل.

ثم نسأل عن اختيار مجالس مهمة مثل مجلس التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي، ونود أن يعرف الجميع عن أسس انتقاء اعضاء تلك المجالس، وعن وظائفهم وأدوارهم، وأدوات تقييم أدائهم، وحجم امتيازاتهم، ومدى قدرتهم على إدارة دفة التعليم. فهل عضوية هذه المجالس هي من قبيل الهدايا واستمالة المؤلفة قلوبهم ام هي مواقع متقدمة تهدف الى خدمة الوطن وليس اقتناص مكاسب شخصية؟

ثم نفتح ملفات مثل تعيين او اختيار رؤساء الجامعات، ونتساءل عن الأسس والإجراءات ومدى شفافيتها وقابليتها للحصول على ثقة المواطن الذي يتغنى الجميع بالرغبة في خدمته. وربما يسأل المواطن الذي أصبح واعيا ولم يعد راضيا بالتهميش والإقصاء عن دوره المشروع بالمشاركة الفاعلة في انتقاء خيرة الخيرة لخدمة الشعب والامة. ونريد وصفاً وظيفياً محدداً ودقيقاً لتلك المناصب من اجل مساعدة وسائل الرقابة وأدوات السلطة الرابعة في متابعة الممارسات القيادية.

لا ادري من الذي أتى بمقولة أو أسطورة أن وظيفة رؤساء الجامعات وعمداء الكليات هي مناصب سياسية في حين من المفروض أن تكون مناصب أكاديمية تربوية إدارية بالدرجة الاولى، ولا أجد تفسيرا للاصوات التي تنادي بتعيين رؤساء الجامعات على أسس عشائرية أو طائفية أو جهوية أو حزبية أو غير ذلك. فالجامعات تتوزع على جغرافيا الوطن وليس من الحكمة ان توزع مناصبها باعتبارها واجهات عشائرية، فالوطن للجميع، ولا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى.

ثم نسمع الآن عن توزيع مناصب العمداء أو عزلهم أو التجديد لهم دون ان يقنعنا أحد بعدالة هذه الإجراءات أو شفافيتها، فشعار القيادات الاكاديمية أصبح “لا تخبر احداً ولا تسأل احداً”. وهنا يجب ان لا نغفل حقيقة هامة هي ان هؤلاء الاشخاص بشر وعليه فهم بالضرورة عرضه لفيروسات الفساد وجميع الأمراض الاجتماعية ان لم يتم تحصينهم ضدها بالمطاعيم والجرعات المناسبة وغير منتهية الصلاحية.

نعرف أن الديمقراطية في بلادنا زائر جديد نسبياً، لكننا نريد أن تكون مؤسساتنا التعليمية منابر للديمقراطية وميادين لتدريب ابناء المجتمع وبناته على مبادىء التشاركية والعدالة والمساءلة واحترام الآخر والعمل بروح الفريق.  ونعرف أن مؤسسات التعليم ما زالت عصية على التغيير حيث تقبع هناك قوى الشد العكسي التي تعاني من فوبيا التغيير. ونعرف ان الكل يتشدق ويتغنى بالعدالة والديمقراطية لكن لا احد يريد ان تنطبق عليه القوانين الا اذا كانت لصالحه ومن معه من المنتفعين.

لا يمكن فهم ممارسات التعيين الحالية على أنها ديمقراطية وهي خلو من الشفافية، فالجميع يؤتى به بالتعيين ومن هنا تصبح المجالس في الأقسام الجامعية والكليات ومجالس العمداء والامناء والتعليم والتربية عاجزة عن ممارسة دورها الريادي في قيادة التعليم الى آفاق ارحب نتطلع اليها جميعا. ثم من يضمن عدالة التعيينات على مستوى هيئات التدريس وما نسميهم الدكاترة والمحاضرين ومساعدي التدريس والمعلمين في المدارس وحتى رياض الاطفال؟ ومن يضمن مبدأ تكافؤ الفرص في غياب أدوات الشفافية التي يجب ان تعلن على الجميع فيفوز من يفوز ويغضب من يغضب؟

سنبقى نلعن الفساد الى أجيال كثيرة ولسوف تلعننا الاجيال القادمة إذا لم نفتح ملفات التعيينات في مؤسسات الوطن وأهمها مؤسسات التربية والتعليم العالي. لن يصلح الوطن إن لم نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، ونتخير القوي الامين، فإنه خير من نستامن على مستقبل اجيالنا وبغير ذلك فليرحمنا الله كمجتمع وأمة.