تحريض في مساهمات الجمهور: الغد نموذجاً

الأحد 31 آذار 2013

بقلم سوسن زايدة

تظهر مقالات قسم “أفكار ومواقف” في صحيفة الغد على الصفحة الرئيسية لموقعها لمدة 24 ساعة، بغض النظر عن أهمية الموضوع أو شهرة كاتبه، ليحل محله مقال جديد ويختفي مقال اليوم السابق في الصفحات الأرشيفية لكتاب الصحيفة المحترفين الذين يتقاضون أجر على مقالاتهم. أما الأخبار والتقارير للمراسلين الصحفيين فقد تتجدد خلال أقل من 24 ساعة حسب تسارع الأحداث.

في حين أن مقالات قسم “دين ودنيا” الخاص بيوم الجمعة، المخصصة لمساهمات الكتاب الهواة من غير كادر الصحيفة، تبقى على الصفحة الرئيسية لموقع الصحيفة لمدة أسبوع كامل، كما تحتل صفحة كاملة من عدد يوم الجمعة. ويبقى المقال الواحد متوفراً على الصفحة الرئيسية لأسبوعين آخرين، خلالهما بإمكانك استرجاع المقال بمجرد الضغط على السهم الجانبي.

إعطاء ذلك الحيز لمساهمات الجمهور أو الكتاب غير المحترفين يدلل على تفاعلية عالية بين الصحيفة وجمهورها. وكذلك الحال مع المساحة المتاحة لتعليقات القراء على أخبار ومقالات الصحيفة.

alghad1

لكن إشراك الجمهور وتوفير مساحة حرة للتعبير عن آرائهم، مؤطرة تحت عبارة “ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد”، لا يعفي الصحيفة من مسؤوليتها عن الضرر الذي قد تسبب به أي مادة منشورة لأي فئة من المجتمع.

تتميز صحيفة الغد، إلى جانب عدد قليل من المواقع الإخبارية الأخرى، بنشر تحذير واضح في أحد “شروط استخدام موقع “الغد”، يقول “إنك سوف تمتنع عن إرسال أو بث أي مادة من خلال هذا الموقع يكون من شأنها أن تخل أو تتعدى على حقوق الآخرين… أو تنطوي على تهديد أو إساءة أو قدح أو ذم أو قذف، أو تعدي على خصوصية الآخرين، أو حقوق النشر الخاصة بالغير، أو على ألفاظ فاحشة، أو تسيء إلى الأديان والمقدسات أو تنتهك حرمتها، أو تكون لأي سبب آخر غير مقبولة، أو يكون من شأنها أن تشجع على ارتكاب جريمة…”.

لكن الصحيفة والمساهمين من الجمهور في قسم “دين ودنيا” لشهر آذار، كلاهما لم يلتزما بتطبيق شرط استخدام الموقع. فالصحيفة سمحت لأربعة أسابيع متتالية بنشر مقالات تزامنت مع قضية طلاب جامعة آل البيت المتهمين في قضية عرفت بـ”عبدة الشيطان”، وتضمنت تحريضاً غير مباشر وتضخيماً لقضية، كان لمواقع إلكترونية عرفت بأخبار الإثارة دوراً سلبياً فيها.

أحد المساهمين المتكررين في قسم “دين ودنيا”، أسامة شحادة، كتب مقالا يوم الجمعة (22/3) تحت عنوان “عبدة الشيطان نتيجة فساد في منظومة التربية والتعليم والإعلام والثقافة“، يربط فيها بين “موضات” لباس وموسيقى يحلو لبعض المراهقين الاختلاف بها عن أقرانهم، وهو سلوك طبيعي في عمر المراهقة، وبين “الإدمان والإباحية والفواحش، وبعضهم يواصل الطريق ليهوي في انحرافات أكبر كعبادة الشيطان!”، بحسب الكاتب.

ويصف الكاتب انتشار الهواتف الخلوية بين طالبات المدارس “للحديث مع الشباب الطائش حول المدرسة”، بأنه “فساد وانحلال” يعزوه إلى عوامل مختلفة كالاحتلال ومحاربة الإرهاب، و”الترويج للعولمة بقيمها الحداثية الإباحية والإلحادية ومصالحها الاقتصادية التي لا تتماشى مع التعاليم الدينية ولا التقاليد المحافظة؛ وبسبب التطور التكنولوجي في قطاع الإعلام والاتصال”.

كما يحمل المسؤولية أيضا لـ”من يرفعون شعار تعليم المرأة رغم الاختلاط والرؤية العلمانية المهيمنة على المناهج، لتكون مؤهلة لتربية الأبناء… وأيديولوجيا “الجندر” التي ترفض اختصاص المرأة برعاية الأبناء وتربيتهم…”. ويختم بأن كل ما سبق أدى إلى أن “يعبد بعض الشباب الشيطان”، “يصبح “اقتصادنا ضعيفاً”، و”ينخر الفساد في مؤسساتنا”.

لم يخل أي من أعداد صحيفة الغد أيام الجمعة في شهر آذار من مقالات شحادة، ولم تخل مقالة له من هجاء “الحداثة” التي يحملها مسؤولية كل الشرور، من بينها “عبدة الشيطان” الذين يصورهم كظاهرة منتشرة في الأردن. ففي مقالة بعنوان “فتياتنا والحداثة!”  يقول شحادة: “أليس عبر محاضن الحداثة من مقاهي الإنترنت وما يشبهها، عرفت فتياتنا وفتياننا المذاهب الهدامة كعبدة الشياطين والإيمو، والتي أصبحت تغزو مدارس المناطق الشرقية في عمان والمحافظات، بعد أن كانت حكراً على الطبقة المخملية في عمان الغربية؟”.

مساهمة أخرى للكاتب المتكرر أيضا في قسم “دين ودنيا” في كل جمعة، الدكتور الجامعي محمد المجالي، مقالة بعنوان “ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان“، يروي فيها قصة طالب ماليزي كان يعبد الفأر والبقر لأنه في الأصل هندوسي من الهند ورحل جده إلى ماليزيا، وأسلم الطالب وعمره عشر سنين. ويعلق الكاتب على القصة بأن “كثيرين يتحولون إلى الإسلام يومياً… وأوروبا، كما يقول الواقع، ستتحول إلى قارة إسلامية، وعشرات الآلاف في أميركا يسلمون سنويا، وكذا في معظم بلدان العالم… وفي المقابل، نجد من المسلمين من يحب المغامرة والتجربة والتقليد الأعمى، فيقع في مصيدة بعض أعداء الفطرة، فيعبد إلها آخر من دون الله، وهذه المرة هو الشيطان”.

هذه المقالات بما فيها من تحريض ومبالغة في تصوير “عبدة الشيطان” كظاهرة واسعة الانتشار في الأردن، من دون تقديم أي حقائق تدعم هذه المزاعم، وبما ورد فيها من أفكار عنصرية ضد فئات مجتمعية وأديان أخرى، عبر عنها علناً أشخاص راشدون، تزامنت مع توجيه مدعي عام محكمة أمن الدولة في الأردن تهمة “إثارة النعرات الطائفية والمذهبية” لطلاب مراهقين تبعوا إحدى موضات اللباس والموسيقى.

دور الإعلام عموما في هذه القضية تراوح بين التقصير في البحث وتوفير المعلومات لتوضيح وإكمال الصورة، وبين دور مؤذي للمعنيين بالقضية من الطلاب وأهاليهم، بالإضافة إلى ضرر غير مباشر على حرية تعبير الشباب عن أنفسهم من خلال المظهر الخارجي والذائقة الموسيقية.

واختيار الغد نموذجا دليل على أنها مشكلة واسعة الانتشار، طالت واحدة من أكثر وسائل الإعلام مهنية في الأردن. فـ”الغد” صحيفة يومية ينتجها نخبة من الصحفيين الأردنيين ويديرهم إعلاميون محترفون تتوفر لديهم إمكانات مادية معقولة، مقارنة بالمواقع الإخبارية، وتمثل إعلاماً خاصاً مستقلاً، مقارنة بالإعلام الحكومي أو التجاري.

alghad