نبوءة تحقق ذاتها: ترسيخ الأداء السلبي للمدارس ذات الظروف الخاصة

الخميس 27 حزيران 2013

بعد أن تتجاوز الفنادق السياحية ذات النجوم الخمس على شاطئ البحر الميت متجهاً بسيارتك نحو الجنوب، ووتتجاوز الأكشاك والمقاهي الشعبية البسيطة المقامة على الشاطئ بعد الفنادق، تدخل في منطقة الأغوار الجنوبية، حيث يطل عليك مصنعي البوتاس والبرومين، التي تشكل إحدى أهم الثروات الطبيعية للأردن، ويطل عليك غور الصافي، الذي يعد من أشد المناطق فقراً في المملكة بحسب التصنيف الرسمي لجيوب الفقر.

في شوارع غور الصافي، تلتقي أطفالاً وشباباً من المفترض أن يكونوا على مقاعد الدراسة، لكنهم تخلوا عنها.

Many young people in Ghor Al-Safi drop out of school and look for work to support their families

ضعف التحصيل الأكاديمي من أبرز الظواهر التي تعاني منها منطقة غور الصافي، حيث تسجل أدنى نسب نجاح في الثانوية العامة على مستوى المملكة، وكان هناك مدارس في السنوات الماضية في المنطقة لم ينجح منها أحد.

التقينا هناك مع محمد، شاب رسب في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، لكنّه كان يعمل ويعيل أسرته منذ سن الخامسة عشر، فاستمر في ذلك. يعمل في ورشة دهان خلال النهار ومنسّق موسيقي لحفلات أعراس في المساء.

الفيديو التالي يسلط الضوء على واقع الشباب والدراسة في تلك المنطقة.

المشكلة ليست فقط تدني نسبة النجاح في التوجيهي، بحسب نائب المنطقة محمود الهويمل، بل عجز نسبة كبيرة من الطلاب عن الوصول للتوجيهي أساساً. “هناك عدد كبير من الطلاب يصلون إلى صفوف التاسع والعاشر وهم بالكاد يعرفون القراءة والكتابة،” يقول النائب.

تباينت تفسيرات هذا الضعف الأكاديمي من قبل المسؤولين التربويين والمعلمين وأهالي الطلبة، ما بين الظروف الطبيعية للمنطقة من ارتفاع درجة الحرارة واكتظاظ الغرفة الصفية، وسياسة “الترفيع التلقائي” حتى الصف العاشر مما يؤدي إلى وصول بعض الطلبة إلى هذه المرحلة دون أن امتلاك الحد الأدنى اللازم من التأسيس العلمي، والثقافة الأسرية وغياب الحافز، بحسب مديرة إحدى المدارس في المنطقة.

تمييز إيجابي للمدارس ذات الظروف الخاصة

قد لا يكون مستغرباً إذاً أن تكون جميع المدارس الثانوية في المنطقة، وعددها ١٤، مشمولة بالمكرمة الملكية للمدارس ذات الظروف الخاصة، التي يخصص لها عشرة بالمئة من المقاعد في الجامعات الحكومية.

الفلسفة وراء هذه المكرمة الملكية التي انطلقت عام ١٩٩٥ كانت محاولة للتعويض عن غياب العدالة في التنمية والخدمات التعليمية في بعض مناطق المملكة، حيث يؤدي اكتظاظ الغرف الصفية أو ضعف البنية التحتية أو غياب المعلمين المؤهلين إلى جعل اجتياز الثانوية العامة إنجازاً في حدّ في ذاته.

يتنافس على مقاعد هذه المكرمة الطلبة الناجحون في التوجيهي والذين تصنف مدارسهم أنها “ذات ظروف خاصة”. هذا التصنيف يختلف من عام إلى عام، ولا يعتمد على ظروف المدرسة أو مدخلات العملية التعليمية، بل يعتمد على نتائج المدرسة في امتحان الثانوية العامة. المعيار الأساسي هو نسبة النجاح، فإذا قلّت نسبة النجاح في المدرسة عن ٥٠ بالمئة، تعتبر مشمولة بالمكرمة.

أما المعايير الأخرى فهي عدد الطلبة الحاصلين على معدل ٦٥٪ فما فوق، فإذا قل عددهم عن ١٠ اعتبرت المدرسة مشمولة بالمكرمة، وكذلك إذا كان عدد الطلبة المتقدمين لامتحان الثانوية العامة ٢٠ طالباً فأقل.

“مستحيل تتجاوز نسبة النجاح في أي مدرسة هنا الخمسين بالمئة،” يقول المعلّم الذي يعمل في إحدى مدارس غور المزرعة. “وبالتالي هي دائماً مشمولة.”

المشكلة ليست في تأمين مقعد جامعي للطالب الناجح في التوجيهي، المشكلة أن عدد الطلبة الذين يصلون إلى التوجيهي قليل أساساً

لكن النائب الهويمل يرى أن هذه المكرمة لا تحل المشكلة. “المشكلة ليست في تأمين مقعد جامعي للطالب الناجح في التوجيهي، المشكلة أن عدد الطلبة الذين يصلون إلى التوجيهي قليل أساساً، ونسبة النجاح متدنية جداً”.

الرسم التوضيحي التالي يبين توزيع المدارس ذات الظروف الخاصة في المدرسة ونسبتها من المدارس الثانوية في كل مديرية. نجد أن المديرية الوحيدة في المملكة التي لا يوجد فيها مدارس مشمولة بالمكرمة هي مديرية عمّان الأولى، في حين يوجد مدارس مشمولة في بقية مديريات العاصمة مثل أم السماق وخلدا وغيرها، حصل ٢٨٨ من طلبتها على مقاعد جامعية ضمن المكرمة الملكية بحسب بيانات القبول لعام ٢٠١١.

Poverty_Infographic5-01

بالنظر إلى قوائم المدارس “ذات الظروف الخاصة” والتي تصدر بعد الإعلان عن نتائج الثانوية العامة كل عام، نجد أن معظم المدارس تبقى على القائمة عاماً بعد عام، مما يطرح تساؤلاً عن سياسة وزارة التربية والتعليم في تطوير هذه المدارس وعلاج مشكلة تدني أدائها.

وزير التربية والتعليم السابق، الدكتور تيسير النعيمي يقول أن هناك لدى الوزارة ما هو أقرب الى اجراءات وتدخلات من أن تكون سياسة واضحة ومعلنة ومتماسكة تنبثق عنها برامج عمل. وهو يرى بأن هذه الاجراءات “موسمية الطابع وغير مستقرة (يتم تنفيذها سنة و تختفي في سنوات اخرى) وغير مستدامة ولا تنبع من تحليل دقيق لحالة المدرسة وبيئة عملها وإنما هي اجراءات عمومية الطابع تحتاجها المدارس عموماً (تدريب، برامج علاجية، شراكة مجتمع محلي…الخ) مما يفقدها إمكانية التأثير.”

هل دفعت ثنائية ضعف الأداء ومحاولة الإنصاف الى ثقافة الحد الادنى من الجهد لدى الطلبة والمعلمين فيها فكرست ثقافة أنه لا يمكن تغيير واقعها؟

النعيمي يرى أن وضعية هذه المدارس من حيث أدائها ومحاولة إنصافها عبر المكرمة قد تكون تكرست “إلى ما يمكن تسميته بأثر التوصيف أو النبوءة التي تحقق ذاتها.” ويتساءل “هل دفعت ثنائية ضعف الأداء ومحاولة الإنصاف الى ثقافة الحد الادنى من الجهد لدى الطلبة والمعلمين فيها فكرست ثقافة أنه لا يمكن تغيير واقعها وتم الاستسلام لذلك لا سيما وأن التعويض عن التقصير في الجهد عادة مبرراته جاهزة (ظروف خاصة للمدارس) وبدائل تعويضية (مقاعد) متوفرة؟”

سؤال مهم، خاصة عندما نجد أن عدد المدارس المشمولة بهذه المكرمة الخاصة بلغ العام الماضي ٧٦٥ مدرسة، أي ما نسبته ٦١ بالمئة من العدد الكلي للمدارس الحكومية الثانوية في المملكة.

أسئلة كثيرة ما تزال بحاجة للإجابة. كيف يختلف تأثير هذه المقاعد الجامعية في المناطق الأشد فقراً عن غيرها من المناطق التي تحصل على نفس التعويض؟ الرسم التوضيحي التالي يبين جانباً من إحصائيات الفقر في الأردن بحسب تقرير دائرة الإحصاءات العامة لعام ٢٠١٠، حيث يتبين أن التحصيل العلمي مرتفع أكثر في الشريحة الأعلى دخلاً في المملكة، وأن نسبة الإنفاق على التعليم أكبر لدى هذه الشريحة من الشرائح الأقل دخلاً.

poverty_update01

 تحتاج المدارس في المناطق الأشد فقراً إلى تطوير حقيقي، والحل بحسب الدكتور النعيمي ليس بإلغاء المكرمة ولكن بإعادة النظر بأسسها، حيث أن الوضع الحالي ربما قاد إلى التنافس باتجاه سلبي أي التنافس نحو أن تبقى المدرسة في فئة الأداء المتدني.