Jafra

ترخيص المواقع: غربلة والبقاء للأضعف

بقلم سوسن زايدة

الآن وبعد مرور أكثر من ١٥ سنة على تعليق الصحف الأسبوعية التي رفعت سقف حرية الإعلام المحلي في حينها، تأتي حكومات مختلفة لتطبق نفس السياسة بحجب المواقع المستقلة الرافضة للترخيص. وهي ترفض الترخيص ليس بالضرورة لأنها تفتقد للشروط المنصوص عليها في قانون المطبوعات والنشر، وإنما لأنها تدرك وترفض المصير الذي تعده الحكومة لها: خفض سقفها أو زوالها.

ترخيص المواقع ليس الهدف وإنما تكتيك أو مصيدة لتجيز الحكومة لنفسها، قانونياً، السيطرة على الإعلام. فالحكومة التي تدعي الحرص على تنفيذ القانون بحجب المواقع غير المرخصة، هي نفسها لا تطبق القانون. وتقوم حالياً بترخيص كل موقع الكتروني يطلب الترخيص، سواء استوفى الشروط القانونية أم لم يستوفها.

ففي حين حرصت دائرة المطبوعات والنشر على تنفيذ الفقرة (ز) من المادة (49) في قانون المطبوعات، وحجب المواقع غير المرخصة، غضت النظر عن تطبيق الفقرة (أ) من المادة (23) التي ينص بندها الأول على شرط مضي أربع سنوات على عضوية رئيس تحرير الموقع في نقابة الصحفيين. ورخصت مواقع لم يتم رئيس تحريرها 4 سنوات، مثل موقع وكالة ديرتنا الإخبارية الذي لم يمض على عضوية رئيسة تحريره، سوسن مبيضين، سوى سنتين ونصف السنة.

saraya-sawsanM

وامتنعت الدائرة عن تطبيق نفس المادة من القانون والتي تنص أيضاً على أن يكون رئيس التحرير “متفرغاً لمهام عمله وأن لا يعمل في أي مطبوعة أخرى”. وسمحت بترخيص موقعي زاد الأردن وزرقاء اليمامة برئيس تحرير واحد، زياد البطاينة. ورخصت كذلك موقع جفرا نيوز الذي يرأس تحريره أمجد معلا الذي يرأس تحرير ويدير وسائل إعلام حزب الاتحاد الوطني الأردني: قناته الفضائية “A1Jordan”، موقع “هنا عمان” وصحيفة الاتحاد الوطني نصف الشهرية، بالإضافة إلى عمله كمدير المركز الإعلامي في الأردنية للطيران. كما رخصت عدد من المواقع، مثل المبادرة، جراسا ووكالة عجلون، التي استعارت أسماء صحفيين عاملين في صحف يومية.

Ammon - amjad muala

أكبر التسهيلات قدمتها الدائرة لعشرات المواقع التي رخصت كـ”متخصصة” من دون التقيد بالفقرة (ب) من المادة (25) والتي تنص على أن يكون لكل مطبوعة متخصصة مدير مسؤول “حاصل على مؤهل علمي ذي علاقة مباشرة بموضوع تخصص المطبوعة او لديه خبرة معتمدة في ذلك الموضوع لا تقل عن خمس سنوات يقبلها الوزير بناءً على توصية المدير”، وكذلك الفقرة (أ) من المادة (26) التي “تحظر على المطبوعة المتخصصة الكتابة في  غير المجال المرخص به او تغيير موضوع تخصصها دون الحصول على موافقة مسبقة من الوزير بناء على توصية من المدير”.

ويعرف القانون “المطبوعة المتخصصة” في الفقرة (ب) من المادة (2) بأنها “المطبوعة التي تختص في مجال محدد وتكون معدة للتوزيع على المعنيين بها او على الجمهور وذلك حسبما تنص عليه رخصة اصدارها”. لكن مدير دائرة المطبوعات، فايز الشوابكة، يعرف، في تصريحات صحفية، المطبوعة المتخصصة بأنها متخصصة في كافة الموضوعات، وفي كل الموضوعات في آن، باستثناء السياسة التي يعتبرها موضوعا شاملا وليس متخصصا. ولا يشترط القانون وجود رئيس تحرير للمطبوعة.

ولم يبق سوى أن تعلن دائرة المطبوعات والنشر عن جوائز تشجيعية للمواقع التي ترخيص.

لم يبق سوى أن تعلن دائرة المطبوعات والنشر عن جوائز تشجيعية للمواقع التي ترخيص.

تطبيق الحكومة للقانون بشكل انتقائي شجع المواقع الاخبارية على التحايل على القانون بمباركة الحكومة. وفي حين كان الهدف المعلن لترخيص المواقع هو تنظيم عملها في سجلات دائرة المطبوعات، لجأت المواقع بعد الترخيص إلى عدم نشر أسماء رؤساء تحريرها أو أي معلومات أخرى تعرف القراء بناشري المواقع وهوياتهم وتخصصاتهم.

ترخيص المواقع: تاريخ الصحف الأسبوعية يعيد نفسه

يجدر بالمواقع الالكترونية الإخبارية المتهافتة على الترخيص في دائرة المطبوعات والنشر، استشراف مصيرها في تاريخ الصحف الأسبوعية قبل قرابة العقدين.

ولتسهيل المهمة على من لم يعاصروا تلك الحقبة، يمكن الإطلاع على تقرير الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان حول حرية الصحافة في الأردن للأعوام 1997-2001، الذي أعدته الصحفية والباحثة سائدة الكيلاني، واستبدال كلمتي “الصحف الأسبوعية” أينما وردت، بكلمتي “المواقع الالكترونية، وإحلال عام 2012/2013 محل عام 1997/1998، الذي وصف في حينها بـ”سنة سوداء لحرية الإعلام الأردني”.

يعود التقرير إلى أﻳﺎر عام 1997، وفي نفس اليوم الذي ظهرت فيه “العرب اليوم” كأول صحيفة يومية خاصة، حيث فرضت حكومة ﻋﺒﺪ اﻟﺴﻼم اﻟﻤﺠﺎﻟﻲ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﻤﻄﺒﻮﻋﺎت اﻟﻤﺆﻗﺖ اﻟﺬي فرض شروط ترخيص صارمة أدت إﻟﻰ ﺕﻌﻠﻴﻖ 13 ﺹﺤﻴﻔﺔ أسبوعية. رفعت 8 منها ﻗﻀﻴتين ﺿﺪ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻋﺪم دﺳﺘﻮرﻳﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺆﻗﺖ وضد ﻗﺮارها ﺏﺘﻌﻠﻴﻖ اﻟﺼﺤﻒ. وﻣﻊ أن ﻣﺤﻜﻤﺔ اﻟﻌﺪل اﻟﻌﻠﻴﺎ ﻧﻘﻀﺖ اﻟﻘﺎﻧﻮن وأﻗﺮت ﺏﻌﺪم دﺳﺘﻮرﻳﺘﻪ، أﻋﺎدت اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺕﻘﺪﻳﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻰ اﻟﺒﺮﻟﻤﺎن، وﺹﺪرت اﻹرادة اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﺏﺎﻟﻤﺼﺎدﻗﺔ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ 1 أﻳﻠﻮل عﺎم 1998.

ولتمرير القانون، استخدمت الحكومة في حينها نفس أسلوب الحكومة الحالية لتمرير تعديل 2012: ﺕﺸﻮﻳﻪ ﺳﻤﻌﺔ اﻹﻋﻼم واﻟﺼﺤﺎﻓﺔ. وكﺎن كﺎﻓﻴﺎً آنذاك ذكر ﻣﻘﺎل اﻟﺒﻼد ﺏﻌﻨﻮان “أزواج ﻳﻀﺎجعون زوجاتهن ﻣﻦ اﻟﺨﻠﻒ”، وﻣﺎ ﻳﺸﺎبهه، لتبرر ﻓﺮض اﻟﻘﺎﻧﻮن وتعليق 13 ﺹﺤﻴﻔﺔ أكثر من نصفها صحافة جادة وﻣﻌﻈﻤﻬﺎ ﻳﻌﺎﻟﺞ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ اﻷهمية ﻟﻬﺎ ﻋﻼﻗﺔ بال وﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻔﻘﺮ واﻟﺒﻄﺎﻟﺔ واﻟﻔﺴﺎد.

تشويه ظهرت نتائجه في استطلاع ﻣﺮكز اﻟﺪراﺳﺎت اﻻﺳﺘﺮاتيجية ﻓﻲ عام 1999 الذي كشف عن تراجع عدد ﻗﺮاء اﻷﺳﺒﻮﻋﻴﺎت ﻣﻦ 38.5% ﻓﻲ اﻟﻌﺎم 1996 إﻟﻰ 17% ﻓﻲ اﻟﻌﺎم 1999 – اﻟﺴﻨﻮات اﻟﺘﻲ شهدت إﻗﺮار أربعة ﻗﻮاﻧﻴﻦ ﻣﻄﺒﻮﻋﺎت ﻣﻘﻴﺪة واﻧﻬﻴﺎر اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ الخاصة. لكن تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية هذا العام (2013) لم يأت ليقيس تأثير قرار حجب المواقع على عدد قرائها، وإنما جاء ليقيس موقف المشاركين في الاستطلاع من قرار الحجب نفسه. فجاءت النتائج، كما في موضوعات الاستطلاع عموما، منسجمة مع توجهات الحكومة. فكان 67% من العينة الوطنية تؤيد إغلاق المواقع غير المرخصة، و77% يعتقدون أن على الأحزاب والحراكات السياسية العمل مع مجلس النواب المنتخب، مقابل 19% يؤيدون الاستمرار بالتظاهر والاحتجاج في الشارع لتحقيق مطالبهم.

ولن تسلم المواقع الالكترونية المرخصة من قيود دائرة المطبوعات والنشر، كما حدث مع الصحف الأسبوعية التي رخصت في عام 1998. ﻓﻔﻲ ﺕﺸﺮﻳﻦ أول عام 1998، ﻣﻨﻌﺖ اﻟﺪاﺋﺮة اﻟﺼﺤﻒ ﻣﻦ ﻧﺸﺮ أﺧﺒﺎر ﺕﺘﻌﻠﻖ ﺏﻤﺪﻳﺮ ﺹﻨﺪوق اﻟﻤﻌﻮﻧﺔ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ اﻟﺬي اﻋﺘﻘﻞ ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻔﻴﺔ ﺕﻬﻢ ﺏﺎﻟﻔﺴﺎد. وﺕﻀﻤﻦ ﺕﺤﺬﻳﺮ اﻟﺪاﺋﺮة ﺕﺤﺬﻳﺮا ﺁﺧﺮ ﻳﺬكﺮ اﻟﺼﺤﻴﻔﺔ ﺏﻤﻨﻊ ﻧﺸﺮ اﻟﺘﺤﺬﻳﺮ ﻧﻔﺴﻪ.

ثم بدأت الدائرة التضييق على الصحف الجديدة الساعية للترخيص، حتى ولو استوفت الشروط القانونية. ففي عام 2005 وثق برنامج عين على الإعلام عراقيل واجهتها طلبات ترخيص عدد من الصحف والمجلات. فاضطر مالك مجلة “أهالينا” إلى تغيير رئيس تحريرها للحصول على الرخصة بعد مماطلات انتهت بإبلاغ القائمين عليها، بشكل غير رسمي، أن الدائرة متحفظة على اسم رئيس تحريرها، إبراهيم جابر، لأسباب أمنية. ولم ترخص مجلة “المسلمة”، المتخصصة في الشؤون الاجتماعية النسائية والمستوفية لشروط الترخيص القانونية، كما لم يصدر كتاب رسمي من الدائرة برفض الترخيص وبيان أسبابه. لكن رئيس تحريرها طارق الديلواني قال أنه علم عن وجود تحفظات من الجهات الأمنية على اسمه بسبب “توجهاته السياسية القريبة من الاتجاه الإسلامي سابقا”، كما نقل له “وسطاء”. وماطلت الدائرة في ترخيص مجلة “المستور” لولا تهديدات رئيس تحريرها، أحمد أبو خليل، باللجوء إلى القضاء لعدم قانونية مماطلة أو رفض الترخيص.

سياسات واجراءات مشابهة ستتخذها الحكومة بحق المواقع الاخبارية آجلا أم عاجلا. والقانون مصمم لذلك. فما أن تنتهي الحكومة من مهمة ترخيص أكبر عدد ممكن من المواقع، يبدأ تنفيذ المواد االأخرى من القانون المقيدة لعمل ومضمون المواقع. وإذا لم يسمح عمر الحكومة الحالية بإكمال المهمة تُرحّل لحكومات لاحقة.

leave a comment | اترك/ي تعليقا