عناوين هابطة من السماء

الخميس 12 أيلول 2013

رصد سوسن زايدة

نقرأ يوميا عناوين غير ذات صلة أسقطها المحرر على أخبار وتقارير. أراد منها تدعيم موقفه الشخصي أو توجه مؤسسته في قضية ما، أو لإثارة وجذب جمهور بات من الصعب إثارته وقد اعتاد الإثارة بجرعات كبيرة في الأخبار كما في الأفلام.

من العناوين المخالفة لمتن أخبارها، التي رصدناها خلال اليومين الأخيرين، ما ابتدعه المحرر لدعم موقف وتوجه مؤسسته. ففي صحيفة “الرأي” الحكومية نعثر بين الفينة والأخرى على عنوان أو تقرير يهدف إلى تعزيز صورة سلبية لشبكات التواصل الاجتماعي أو للإعلام الاجتماعي الذي يوفر لمستخدميه منبرا حرا للتعبير عن الآراء المختلفة، بما فيها المعارضة للحكومة.

أحدث هذه العناوين “مواقع التواصل الاجتماعي أفرزت جيلا يعاني الوحدة“. وفي هذه المرة اجتهد المحرر بإضافة مقدمة تدعم مضمون العنوان، لكنها مقدمة غير مقنعة خالية من أي معلومة، سوى من عبارات أو كلاشيهات عامة درجت في وصف المدمنين على الانترنت وليس مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين ينسب التقرير لأحدهم من دون ذكر اسمه، الآراء التي يتبناها المحرر في المقدمة.

وسرعان ما تنكشف محاولة المحرر لتزوير الحقائق في الفقرة الثالثة حيث يبدأ الخبر الحقيقي عن دراسة أجرتها وكالة الإعلانات الأمريكية Leo Burnett Worldwide عن تأثير “الإدمان الرقمي” بكافة استخداماته، على السلوك البشري والعلاقات بين الناس.

وفي صحيفة “السبيل” الإسلامية نقرأ عنوان “معلولا بحماية النصرة” الذي يعكس رؤية الصحيفة لنبأ سيطرة جبهة النصرة على  بلدة “معلولا” المسيحية في سوريا. في حين لم يتضمن الخبر المرافق للعنوان أي إشارة إلى موقف أهالي معلولا من سيطرة جبهة النصرة على بلدتهم: هل كانت “حماية” كما وصفها العنوان أم عدوانا وتهديدا لأمنهم؟

موقع “جراسا” الذي أخذ دور الحكومة في معركتها ضد المعارضة أو ما يسمى بـ”الحراكيين”، ألّف عنوان “النسور: الحراكيون غوغائيون“، ونسب لرئيس الوزراء ما لم يقله في مقابلته مع صحيفة ‘الوطن’ القطرية. ويظهر ذلك في نفس خبر “جراسا” حيث يصنف النسور المتظاهرين ومطالبهم وبأن منها ما هو غوغائي. فيقول: “المتظاهر يحلم ويقول ما يريد في الشارع ولكن بعض المتظاهرين واقعيون فنلبي مطالبهم باحترام وواجب وأما من يتكلم غوغائيا فلا”.

العنوان ليس معلومة وإنما موقف الموقع من قرار أمانة عمان

ويفاجئ موقع “خبرني” قرّاءه بعنوان “سلطات أصحاب المولات تدير أمانة عمان“، ليتبين لاحقاً عند قراءة الخبر أن العنوان ليس معلومة وإنما موقف الموقع من قرار أمانة عمان بإنشاء ثلاث إشارات ضوئية في شارع مكة. كما أن الخبر نفسه لا يعتمد على معلومة موثقة وإنما اتهام منسوب إلى مصدر مجهول من الأمانة، من دون التحقق من مصدر آخر أو حتى عرض دفاع الأمانة عن قرارها أو ردها على الاتهام المنسوب إليها.

من العناوين المفبركة ما عكس هوية مؤلفها، كرجل مثقل بصور نمطية عنصرية ضد النساء أو فئات مجتمعية أخرى.

عنوان صحيفة “الدستور” “عاد الأطفال للمدارس وعادت النساء.. للنميمة!”، لا يسيء للمرأة ويعزز صورة نمطية عنصرية معممة على جميع النساء فحسب، بل ويفتقد للدقة والموضوعية ولا يعكس مضمون التقرير الذي يخلو من أي معلومة أو رأي يدعم الاتهام الوارد في العنوان.

عنوان آخر تمييزي ضد النساء، اشترك أكثر من 16 موقعا إخباريا (سرايا، الوكيل، جراسا، زاد، إلخ) في نشره أعلى خبر موجز عن بيانات وزارة التنمية الاجتماعية عن المعدل السنوي للأطفال الأحداث والمدانين بخرق القانون والبالغ 4000 طفل، 97% منهم ذكور و3% إناث. المفارقة هنا أن محرري المواقع أجمعوا على عنوان موحد “3% من الأحداث الجانحين في الأردن إناث“، مبرزين النسبة الأقل أهمية مقارنة بالعدد الإجمالي الكبير (4000 سنويا) والنسبة الكبيرة جدا للذكور (97%).

ويعمد بعض المحررين إلى اختيار عناوين غير صحيحة لأخبار لا يجدون فيها من الإثارة والتمايز ما يكفي للتنافس مع المواقع الإخبارية الأخرى التي تعيد تدوير نفس الأخبار بعناوين مختلفة.

محرر موقع “عمون” نجح بإثارة دهشتنا للحظات من خلال عنوان “يومية متسولة 483 دينار“، كما نجح في دفع البعض للنقر على رابط العنوان لقراءة المزيد، ورفع بذلك عدد النقرات أو الزوار على موقعه. لكنه خسر مصداقيته وثقة جمهوره بصحة ودقة أخباره. فالخبر الذي لا يتجاوز ثلاثة سطور يفيد بـ”ضبط لجان مكافحة التسول سيدة متسولة بحوزتها مبلغ 483 ديناراً”، لكن ليس فيه ما يشير إلى أن المبلغ هو حصيلة تسولها في يوم واحد كما جاء في العنوان.

عينة ليومين فقط من العناوين المضللة التي نقرأها يوميا في غالبية الصحف والمواقع الالكترونية، الرصينة والصفراء بنسب متفاوتة، اعتدناها إلى درجة أن استغباءها لنا لم يعد يستفزنا.