بيئتنا المبنية: أمين عاصمة جديد، تحديات قديمة

الأحد 29 أيلول 2013

بقلم محمد شجاع الأسد

أصبح عقل بلتاجي أمين عمّان الجديد. إن منصبه من أهم المناصب العامة في الأردن إذ أنه مسؤول عن إدارة مدينة العاصمة التي يسكن فيها أكثر من 40% من سكان الأردن والتي تحتوي على أكثر من 70% من نشاطه الاقتصادي. ولكنه منصب لا يُحْسَد عليه، فقد ارتفع عدد سكان المدينة كثيراً خلال العقود القليلة الماضية، وقابل ذلك تراجع في مستوى الخدمات التي تقدمها أمانة العاصمة وتراجع عام في مستوى الحياة الحضرية في المدينة. ويتضح ذلك في أمور عديدة تتضمن النظافة العامة والتنقل في المدينة وتوفر المساحات العامة وتنظيم استعمالات الأراضي.

كنت قد اقترحت في مقال سابق في هذه السلسلة من المقالات أن الحل الأفضل للتحديات التي تواجهها عمّان ربما يكون تفكيك أمانة عمّان الكبرى والعودة إلى التقسيمات البلدية التي وجدت قبل تأسيس أمانة عمان الكبرى عام 1987 حين تكوّنت أمانة عمّان من منطقة وسط البلد والجبال المحيطة بها، وأحاط بعمّان مجموعة من البلديات المستقلة مثل وادي السير وصويلح والجبيهة والقويسمة. وقد يكون من الأفضل لعمّان العودة إلى تقسيم يتكون من مجموعة من البلديات المستقلة لكل منها رئيس بلدية ومجلس بلدي منتخبين. ويجب على هذه البلديات طبعاً أن تقوم بالتنسيق فيما بينها بخصوص الخدمات التي تتخطى حدود البلدية الواحدة – مثل النقل – من خلال مؤسسة أو أكثر تعمل على مستوى عمّان الكبرى. ولكن لا يبدو أن هذا الحل سينفّذ في المستقبل القريب، ولذلك فإن إدارة عمّان الكبرى ستبقى في الوقت الحالي تحت سيطرة مؤسسة مركزية يديرها أمين يتم تعيينه ويتمتع بدرجة عالية من السلطة.

Screen Shot 2013-09-29 at 2.05.45 PMوحتى ينجح السيد بلتاجي في منصبه الجديد عليه أن يعالج عدداً من المشاكل ويحقق عدداً من التغييرات ذات الأثر الإيجابي والواضح على الحياة اليومية لسكان المدينة. التحدي الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي هو موضوع النظافة العامة الذي يعاني من تراجع مقلق خلال العقد الماضي. فقد أصبحت شوارع عمان مليئة بالنفايات ليس فقط بسبب ما يلقى فيها ولكن أيضاً بسبب الحاويات العامة التي تملأ الشواع والتي أصبحت مكاره صحية ومرئية تستعملها الأمانة لتكون نقاط تجميع النفايات. فبينما تزداد كميات النفايات في مع استمرار نمو السكان، قدرة الأمانة على إدارتها لم تواكب هذه الزيادة.

وبالرغم من أن أمانة عمّان تعترف بهذه المشكلة إلا أن موظفيها عادة يضعون اللوم على النقص في عمال النظافة والآليات. ولكن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إن التحدّي في معالجة مشكلة النفايات لا يكمن في توفر الموارد وإنما في إدارتها.

وحتى يتم التعامل مع مشكلة النفايات في عمّان بنجاح، يجب أن يقوم الطاقم الحالي بعمله بدرجة أعلى من الكفاءة. ويجب وضع برنامج لإعادة التدوير، إذ أنه من المستغرب أن تفتقر عمّان لمثل هذا البرنامج الذي سيحد من كمية النفايات التي يجب معالجتها وسينتج عنه دخل للأمانة.كما يجب على الأمانة أن تعود لنظام أخذ النفايات من كل بناء وليس من الحاويات العامة التي هي بمثابة مكبات للنفايات تمتلئ بها المدينة. ويجب طبعاً وضع أنظمة رادعة لمعالجة مشكلة إلقاء النفايات في الشوارع والأماكن العامة.

وقد تكون مشكلة النفايات هي المشكلة ذات الأولوية التي يواجهها الأمين، إلا أن هناك العديد من المشاكل الأخرى التي تحتاج إلى حلول ولكن ستتطلب وقتاً أكثر لمعالجتها. وأول هذه المشاكل هي مشكلة التنقل في المدينة. إن عمّان مدينة تسيطر فيها السيارات الخاصة على التنقل وقد اصبحت القيادة والإصطفاف في غاية الصعوبة. وهذا غير مستغرب إذ أن نسبة الزيادة السنوية للمركبات في عمّان تبلغ 10%، مما يعني أن عدد السيارات يتضاعف كل سبع سنوات، ولا يمكن لشوارع أي مدينة أن تستوعب هذه الزيادة في المركبات، وبالإضافة إلى ذلك هناك مشكلة عدم التطبيق الجاد لقوانين السير والإصطفاف. فقد أصبحت عمّان مدينة يمكن للشخص أن يقود سيارته فيها كما يشاء وأن يصطف في أي مكان يريد.

نسبة الزيادة السنوية للمركبات في عمّان تبلغ 10%، مما يعني أن عدد السيارات يتضاعف كل سبع سنوات

عمّان تتصف بكثافة سكانية عالية نسبياً، ما يعني أن العديد من المؤسسات والخدمات التجارية والتعليمية كثيراً ما تكون قريبة من أماكن السكن وبذلك يمكن المشي إليها بدلاً من الإعتماد على السيارة أو وسائل النقل الأخرى. ولكن المشي في عمان في غاية الصعوبة، فالأرصفة لا يمكن إستخدامها، وبالإضافة إلى ذلك فعمّان تفتقر إلى معابر لقطع الطرق بأمان في الشوارع الرئيسية المزدحمة. وإذا أردت المشي في عمّان فإنك تضع حياتك تحت رحمة حركة السير. وإن كانت هناك نية لتحسين وضع التنقل في عمان فيجب تطبيق قوانين السير بفعالية، ويجب توفير الظروف التي تسمح لسكان المدينة بأن يمشوا في جميع أجزائها بأمان وراحة. أضف الى ذلك أن نظام النقل العام في عمّان يفتقد للكفاءة ومن الصعب الاعتماد عليه فبات يستعمله من لا يملك سيارة بدلاً من الذي لا يريد أن يستعمل سيارته. لذلك يجب تخفيف الاعتماد على السيارة الخاصة من خلال توفير وسائل نقل كفؤة (ابتداءً بتنفيذ مشروع خط الباص السريع)، وكذلك يجب النظر في وسائل النقل البديلة مثل الدراجات الهوائية.

المشاكل المرتبطة بالنظافة العامة والنقل العام هي فقط جزء من التحديات الكثيرة التي تواجه عمّان. فالمدينة أيضاً بحاجة إلى ساحات وحدائق عامة للراحة وللترفيه. إن توفّر هذه المساحات والأماكن العامة أمر في غاية الأهمية في الوقت الحالي إذ أن غالبية سكان المدينة يقطنون في شقق سكنية تفتقر إلى الحدائق. كذلك يجب وضع أنظمة واضحة وشفافة تتحكم بتنظيم استخدامات الأراضي بحيث لا يحتاج سكان المدينة لأن يقلقوا بخصوص إمكانية ظهور مجمع للتسوق يجذب آلاف الزوار يومياً، أو قاعة إحتفالات تنطلق منها الحفلات الصاخبة حتى آخر الليل بقرب منازلهم.

توفّر هذه المساحات والأماكن العامة أمر في غاية الأهمية في الوقت الحالي إذ أن غالبية سكان المدينة يقطنون في شقق سكنية تفتقر إلى الحدائق

كذلك فإن عمان أصبحت مدينة تفتقر إلى التفاعل الحضاري بين سكانها. إن هذا الوضع ليس غريباً في المناطق التي تتصف بالكثافات العالية، فكلما زاد عدد سكان منطقة محددة كلما قلت قدرتهم على تحمل الغير وازدادت حالات التوتر الإجتماعي بينهم. ومثل هذه الأوضاع تتطلب تحديد أسس للتفاعل الحضاري بين السكان. وهذا يعني أنه عليهم الالتزام بقوانين السير وعدم إلقاء النفايات حيثما يحلو لهم وعدم رفع الموسيقى لمستويات صاخبة كلما أرادوا الاحتفال بخطبة أو زواج أو نجاح في إمتحان. والمؤسسات البلدية يجب أن تكون هي الجهة الرئيسية المسؤولة عن وضع هذه الأسس وتطبيقها، وقد كان على أمانة العاصمة أن تبدأ بذلك قبل فترة طويلة..

ولا يمكن طبعاً تحقيق أي مما سبق دون إصلاح مؤسسة الأمانة نفسها، فالأمانة مؤسسة  توظف ما يزيد على 23000 موظف، وهذا العدد أكبر بكثير من حاجتها وطاقتها. وبالإضافة إلى مشاكل الحمولة الزائدة من الموظفين، لا تخلو وسائل الإعلام من أخبار عن تجاوزات مالية فيها. للأسف أصبحت الأمانة عبر السنوات مكاناً للتوظيف أكثر منها مؤسسة لخدمة سكان عمّان، وعلى الأمين الجديد أن يواجه هذا الوضع الصعب. لذلك يجب تخفيض عدد موظفي الأمانة من خلال برامج للتقاعد المبكر وعدم تجديد العقود بالرغم من أن المقاومة لأي تخفيض في عدد الموظفين ستكون شديدة جداً، ولكن لا يوجد خيار آخر. كما يجب إعادة تدريب وتأهيل من يبقى من الموظفين ووضع برامج تحفيزية لهم، ويجب إدارة الأمانة بدرجة عالية من الشفافية مما يتطلب تقوية العلاقات مع سكان المدينة من خلال عقد لقاءات مستمرة معهم لتداول الآراء وأخذها بعين الاعتباركما من المهم تشجيع تأسيس مجالس من سكان الأحياء لكي تساعد على تقوية التواصل بين السكان والبلديات.

ونأمل أن ينتج عن كل ذلك بناء ثقة السكان في الأمانة، إذ أن هذه الثقة منخفضة في الوقت الحالي. ويمكن ملاحظة ذلك ليس فقط من أحاديث الناس، ولكن أيضاً من خلال الإحصائيات المتوفرة بهذ الخصوص مثل النسبة المنخفضة للمشاركة في الإنتخابات البلدية الأخيرة (10.29% فقط من الذين يحق لهم التصويت)، كما أن مركز دراسات البيئة المبنية الذي أرتبط به نظم إستبياناً عاماً عن موضوع إدارة المدينة و فيه أبدى 71.1% من المشاركين عدم رضاهم عن مستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات البلدية في الأردن.

إن التعامل مع التحديات الحضرية الكثيرة التي تواجه عمّان أمر صعب، وأعلم أنه يَسْهُل على مراقب للوضع مثلي أن يقترح حلولاً، بينما يصعب على المسؤول العام وضع حلول حيز التنفيذ. ولكننا لا نستطيع الاستمرار في تحاشي مواجهة التحديات الحضرية التي تعاني منها عمان. وبما أنه لم تسنح لي الفرصة للتعامل مع السيد بلتاجي، ولن أستطيع أن أتكهن عن كيفية إدارته للمدينة، ولكن من المؤكد أن سكان عمّان سيراقبون أداءه باهتمام شديد إذ أنهم يعانون من إحباط بخصوص وضع المدينة الحالي. ولذلك لن يستطيع إلا أن يفكر بالإرث الذي سيتركه من خلال خدمته لعمان. إنني أتمنى له كل التوفيق، فعمّان لن تستطيع تحمّل المزيد من التراجع الحضري. وإذا لم ينجح، أعتقد أن عمّان ستقترب أكثر من  مدن العالم الثالث الكثيرة الفاشلة. ونرجو أن لا تصل الأمور إلى ذلك لأن عمان مدينة كانت ولا تزال تستطيع أن تكون مركزاً حضرياً متميزاً.