ليست مقاطعة واحدة بل مقاطعات

الإثنين 07 تشرين الأول 2013

بقلم يزن الخليلي

لم أصدق أبي حين قال لي أنه كانت هناك مقاطعة لكل الفلسطينين الذي بقوا في فلسطين بعد النكبة من قبل العرب والفلسطينين الذين خرجوا، وذلك لأنهم قبلوا بأن يُحكموا من قبل الإسرائيليين، ولأنهم قبلوا بأن يحملوا الجنسية الأسرائيلية ويصبحوا بالضرورة إسرائيليين. لكنها الحقيقة، قال لي أنهم كانوا يلتقون بالسر حتى بداية السبعينات، وكان كتاب غسان كنفاني “أدب المقاومة في الأرض المحتلة” اختراقا لهذه المقاطعة وتعريفا مهما بضرورة التواصل مع من بقي.

فالمقاطعة إذا من الممكن أن تكون عملا اعتباطيا، فعلا دفاعيا في لحظة ضعف وعدم قدرة على تشكيل قراءة سياسية ناضجة للوضع، وهذا أمر طبيعي في حال حصول الكارثة. ولكن ومع ابتعادها عن هذا الحدث وردة الفعل الدفاعية منه، تتحول إلى وسيلة فاعلة ونضالية أساسية للتخلص من الارتباط بالحدث الكارثي والتحرر منه ومن الآليات والأنظمة التي تحافظ عليه وترعاه.

المقاطعة وسيلة للوصول إلى الغاية المنشودة: هي وسيلة نقل وليست الطريق ولا المنزل في النهاية، هي أشبه بالسيارة، ولكن السيارة لا تنفع أحيانا، فنستخدم الدراجة الهوائية، وأحيانا نستخدم الحافلة، وأحيانا الطائرة، وأحيانا نمشي، وإلخ. بمعنى أن تكتيكات الوصول إلى الغاية تتغير حسب الطريق وحسب حالة الطقس والضرورة وما هو متوفر. لا توجد هناك وسيلة مثلى كاملة يجب على الجميع اتباعها بحذافيرها.. ففي الحظة التي يصبح هناك نصوص ومرجعيات وقرارات تدعي امتلاكها القدرة على تحديد من يتبعها ومن لا يتبعها، من هو داخل المجموعة ومن هو خارجها، عندها تخلق المرجعية الربانية والقدرة على التكفير ونبذ المختلف أومن هو خارج عن النص.

مرعبة السياسة حين تصبح آلية، حين تنتج نصا وقوانينا على الكل اتباعها، حين لايعود هناك قدرة على إعادة تفسير النص والاختلاف معه دون أن يعني ذلك الخروج عن مبادئه وغاياته. هل كلنا متفقون على ضرورة المقاطعة؟ أكاد أجزم بنعم… هل كلنا متفقون على ما هي وسيلة المقاطعة؟ أتمنى أن لا نكون متفقين وأن لا يكون هناك ضرورة لهذا الاتفاق، فالقدرة على الاختلاف وإنتاج آراء مختلفة هي ما يسمح للحركة السياسية بأن تكون متحررة ومنتجة ومناضلة وبالتالي تجذب إليها وحولها قاعدة جماهيرية حقيقية وفاعلة و تستمر.

ليست هناك وسيلة مثلى كاملة مكملة. لكل وسيلة سلبياتها وإيجابياتها ولكل وسيلة مكامن للضعف ومكامن للقوة، في كل وسيلة فائدة ما لقضيتنا وضرر ما أيضا، وعلينا دائما أن نجرب وأن نحاول، وأن نسمح للجميع بأن يمارسوا هذا الحق، ففرض سياسة ما على الجميع أحياناً يصبح فاشية مقنّعة تدّعي قدرتها على خلق إجماع حولها.

المقاطعة وسيلة صعبة بطيئة وطويلة المدى إن كان لنا أن نستخدمها لسلوك طريق التحرر، وهي تمتد تاريخيا وتتجذر في نضالنا المستمر مع الصهيونية، ولها أيضا جذورها في نضالات الشعوب لأجل نيل حريتها، فهي قد استخدمت بقوة في نضال جنوب أفريقيا. بين الدعم الدولي والعالمي لإنهاء نظام الفصل العنصري (الأبرتايد)، نظم المناضلون الأفارقة عملية مقاطعة منتجات المستعمرين البيض، فكانوا يشترونها في أيام العطل والأعياد، وذلك كي لاتتحول المقاطعة إلى عبء على القاعدة الشعبية الأساسية لمثل هكذا حراك شعبي، فيتعبون ويبتعدون مع الوقت عن المقاطعة والنضال. فالمقاطعة وسيلة توعوية تثقيفية جدلية تهدف إلى فتح ثغرات في  قدرات الاحتلال الهائلة، فهي لاتهدف فقط إلى إنهاك الإحتلال ماديا وعزله ثقافيا وفنيا، بل  هي أيضا حركة تحررية تهدف إلى تحرير المضطهَد من تبعيته للمضطهِد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، فيتصرف كما يشاء على الرغم من سياسات الاضطهاد، فيجب على المضطهَد على الأقل أن يسمح لذاته بممارسة فضيلة الاختلاف، فإذا كان المحتَل يهدف دائما إلى وضعنا ضمن هوية جمعية واحدة ووحيدة يحكمنا ويتحكم بنا من خلالها، يصبح التحرر هو في رفضنا ومقاومتنا أن نصبح شكلا واحدا. فلنصرعلى بقاء اختلافاتنا (لا خلافنا) وتنوعنا دون أن يعني هذا تفككنا وتشرذمنا إلى جماعات متناحرة.

كل قرار لمقاطعة حدث أو أمر ما يجب أن يدرس على حدى، يجب أن يفتح حوله مساحة للنقاش والتداول والتفكير ومحاولة لرؤيته من أكثر من زاوية، فالمسألة ليست بالمقاطعة كحدث، بل مرتبطة بوسائل المقاطعة، بكيف ننتج مقاطعة أفقية حيث الكل متساوٍ في طرح أفكاره والدفاع عنها لا بل في ممارستها. المسألة ليست بأن نشكل مقاطعة عامودية تحدد فيها مجموعة ما كيف يجب أن تكون وكيف يجب أن تمارس ومتى وأين. المقاطعة العامودية هي مقاطعة سلبية، قد تكسب موقفا ما ولكنها ستخسر قاعدة جماهيرية أساسية وضرورية لاستمرارها.

المقاطعة فعل سهل أيضا إن لم تأخذ على عاتقها أن تحرر ذاتها أولا من نصوصها. فأسهل فعل قد تأخذه المقاطعة هو المقاطعة بمعناها اللغوي للرفض فهو الأسهل والأسلم والأقل مواجهة مع الذات، أن تقاطع أو تدعو للمقاطعة وأن ترفض وتختبئ خلف نصوص ومرجعيات هو في بعض الأحيان كأن تمشي الحيط الحيط وتقول يا ربي الستر. على المقاطعة أن تقاطع أحيانا بأن لا تقاطع (أي بأن لا ترفض): بأن تسمح بمساحات للتجربة، بأن لا تكون حركة رفض فقط بل أن تكون حركة جدلية قادرة على مراجعة ذاتها ونقد واعادة تفسير قراراتها، على المقاطعة أن تكون حركة شعبية منبثقة من قدرتها على قبول وجود آراء مختلفة داخلها، فالاختلاف جزء من سيرورتها، والإجماع على وسيلة واحدة للمقاطعة قد يكون في الحقيقة أمر يجب مساءلته والتخوف منه.

على المقاطعة أن لا تصبح بعبعاً ولا هيئة للأمر والنهي عن التطبيع

أعيد هنا أنني أكاد أجزم أننا متفقون على ضرورة المقاطعة. ولكن يجب الحذر من الحكم الأخلاقي على الناس، المقاطعة ليست حركة أخلاقية، لايمكنها أن تصدر أحكاما على أي أحد كان، هي ليست حركة دينية تتبع نصا أو حكما شرعيا أو حدا… هي حركة سياسية شعبية وعليها أن تقرأ جيدا المعطيات لكل حالة وكل قرار تأخذه، يجب أن لا يكون حراكها مبنيا على الابتزاز العاطفي والهجوم من باب التعاطف العام أو الكره العام، على المقاطعة أن لا تصبح بعبعاً ولا هيئة للأمر والنهي عن التطبيع.

ليست أوتوستراد بالفرقة العظيمة، لا لحنا ولا مضمونا، هي فرقة بوب ظريفة، ممتعة، مسلية. يمكن أن يسمعها الفرد بين الحين والآخر. هي ليست فرقة وطنية بمفهومها التقليدي، أي الفرقة التي تتغنى بالوطن والثورة والأرض، ولكن هل للوطنية شكل ومحددات معينة؟ هل من سلبيات لزيارة فرقة أوتوستراد لحيفا والناصرة والجولان ومن ثم إلى رام الله فالقدس وبيت لحم؟ طبعا هناك سلبيات. هل هناك إيجابيات للزيارة؟ طبعا هناك إيجابيات. وهنا يجب أن يبدأ النقاش والعمل، كيف لنا نحن الذين ننشط في فعل المقاطعة أن نرفع من الإيجابيات مقابل السلبيات؟ كيف لنا أن نستغل إيجابيات الحدث بدل من أن ندعو إلى مقاطعته خوفاً من سلبياته؟ كيف لنا أن نساعد الفرقة في ما هي تدّعي العمل لأجله رغم صعوبته وربما سذاجته،  وهو اختراق اسرائيل من الداخل! كيف يكون للجميع كرامة الرأي والفعل السياسي بدون أن تتحكم جهة ما بما يجب عمله؟ وكيف؟ ألسنا جميعا نسعى لنفس الهدف والغاية؟! لماذا لايمكن أن تكون زيارة أتوستراد في صلب المقاطعة؟ من حدد أن عدم وجود ختم إسرائيلي على جواز السفر أهم من تواصل الجماهير في الداخل المحتل مع امتدادهم العربي؟ ألا يمكن المفاضلة أحيانا والتجربة والمجازفة؟ هل الأمور حادة إلى هذا الحد؟ إما مع أو ضد؟ وهل من ضرورة لأن تقتبس الحركة الشعبية الأردنية لمقاطعة الكيان الصهيوني في نهاية بيانها ما يقوله دافيد ياتوم كدليل على ضرورة المقاطعة؟ ألا يمكننا نحن أن نناقش الأمر بدون أن نحشر الإسرائيلين بالموضوع؟ فيصبح ما كتبه أحد شبيبة حزب العمل مرآة لفعلنا ورأينا السياسي، ويصبح هو مقياسا لأخلاقنا الوطنية! وهل تكمن المقاطعة في الفرق بين التصريح والفيزا؟ هل المقاطعة بالدلالات؟ بما قد يعنيه فعل ما وما قد لايعنيه؟ أم أن المقاطعة تكمن بالمرونة، وبالقدرة على التشكل كالماء والعبورعبر الشقوق في هذا الجدار الإسمنتي الأصم؟

وللجميع دوره في هذه الوسيلة المضنية الناتج من خصوصية موقعه وعلاقته بالصراع الفلسطيني (بكل تفاصيله): العربي، الأجنبي، الأكاديمي، الفنان، الموسيقي، المثقف، التاجر، المنتمي، المتعاطف، الغير مسيّس… إلخ. ولايجب أن يفرض شخص على آخر شكل علاقته بالصراع، ولا أن يستخدم ضرورات موقعه كسبب للحكم والتحكم بتكتيكات الأدوار الأخرى. فلا الرأي العام العالمي أهم من التواصل العربي، ولا بناء الوعي الداخلي أهم من ثني الموسيقيين العالميين عن القدوم للعزف للإسرائيلين، ولا المقاطعة الأكاديمية أهم من المقاطعة التجارية. التوازي في استخدام الوسائل عند خوض الصراعات مهم للانتصار فيها، كلها تؤازر بعضها، وهذا ضروري.

فها هي ثورتنا الفلسطينية قد أنتجت سلطة متواطئة مع الإحتلال تحت مسمى تحرير الأرض

يجب أن لا تجعل إمكانية استفادة الصهاينة من بعض سلبيات قراراتنا هاجسا يتربص بنا عندما نريد أن نفعل أي شيء.  صراعنا طويل مع الاحتلال والفاشية الصهيونية، وعلينا نأخذ الكثير من التفاصيل بعين الإعتبار، وأن نتعلم من تجارب كثيرين قد سبقونا في حركات التحرر الوطنية العالمية التي أنتجت في كثير من الحالات الفاشية الوطنية لأنها كانت تسعى إلى إزاحة المستعمر بدون أن تركز على تحرير الإنسان المستعمَر، فعلى التحرر أن يكون موازيا لعملية التحرير. ولماذا نذهب بعيدا؟ فها هي ثورتنا الفلسطينية قد أنتجت سلطة متواطئة مع الإحتلال تحت مسمى تحرير الأرض، وهذا دون أن نتطرّق الى حماس وما تفعله في غزة.

أنا لا أعرف، ولا أدعي المعرفة…أنا أحاول فقط أن أطرح إمكانيات ما لرؤية فعل المقاطعة من زوايا مختلفة مؤمنا أنه من خلال النقد والنقد الذاتي يمكننا أن نتحرر من سلطة وقوة النص لا من خلال خلق سلطات تستمد قوتها من نصوص لا يمكن إعادة تفسيرها ومَشكَلتُها. أنا مع المقاطعة قلبا وقالبا، ولكنني مع المقاطعة كفكر وجدل وفعل، وليس كمؤسسة ومرجعيات ثابتة ونصوص، ومن هنا يأتي كل ما أتى.