النظام لا يعمل

الأربعاء 30 تشرين الأول 2013

 حان الوقت لكتابة دستور جديد بالكامل يأخذ بعين الاعتبار واقع المشهد السياسي الأردني، بدلاً من إنتظار تغيير جذري على البنية السياسية قد لا يأتي أبداً

بقلم موسى الشقيري 

بدايةً وقبل كل شيء لابد من الاعتراف أمام صانع القرار وأمام أنفسنا بأننا كجمهور الناخبين قد فشلنا (وبغض النظر عن الأسباب) على مدى ربع قرن بانتخاب مجالس نواب قادرة على أداء دورها كأساس النظام النيابي الملكي الذي ينص عليه الدستور الأردني الحالي. ولكن السؤال هو على أي أساس تم افتراض أن هذا الشكل من الأنظمة (النيابي الملكي) هو الخيار الأفضل أو الخيار الوحيد لإدارة الدولة الأردنية بكل ما تحمله من خصوصيات، منها على سبيل المثال الغياب التام للأحزاب السياسية وعدم رغبة جمهور الناخبين بالانخراط بالعمل السياسي، والشخصية الاعتبارية والأدبية الهائلة التي يتمتع بها موقع جلالة الملك في قمة هرم الدولة التي تجعل سلطته أكثر حضوراً وطغياناً على أي سلطة تمثلها أي أحزاب أو برلمانات أو حكومات قد تشكلها هذه الأحزاب وممثليها يوماً ما؟

إن تعليق عملية الإصلاح وفق رؤية جلالة الملك التي عبر عنها في مختلف المنابر بهذا التسلسل (بناء الأحزاب القوية (يفضل بثلاثة اتجاهات)، متزامناً مع رفع مستوى الوعي السياسي لجمهور الناخبين لاختيار ممثلين من هذه الأحزاب، ومن ثم عمل هذه الأحزاب معاً بتناغم لتشكل ائتلافات وتفاهمات تفرز حكومات برلمانية كاملة الولاية تسمح لجلالة الملك بأن ينسحب خطوة ويمنحها صلاحيات كاملة)، هو مشروع طويل الأمد، بعيد المنال، غير مضمون النتائج على أفضل تقدير، لا بل من منظور عملي هو مشروع غير واقعي وغامض قد يكون هدفه تمرير الوقت لا أكثر. اقتصار المشروع الاصلاحي على هذه الرؤية بدون توفير خطط مرادفة أقل طموحاً ولكن أكثر قابلية للتطبيق، تشبه رب أسرة عاطل عن العمل ومفلس يعد أولاده بأنه وبمجرد توفير رأس مال متواضع سيقوم بفتح مشروع صغير يتطور إلى سلسلة محلات كبرى واستثمارات عالمية ستجلب الثراء والرخاء على الأسرة خلال السنوات القليلة القادمة، وكل هذا بدون أن يكلف نفسه حتى بالنهوض من سريره كخطوة أولى.

ربما كان النظام النيابي الملكي هو الاقتراح الأنسب عند الاتفاق على الدستور عام ١٩٥٢، وقد أثبت هذا النظام نجاحه فعلاً عندما تم تشكيل حكومة برلمانية وطنية من حزب الأغلبية النيابية عام ١٩٥٦، حكومة ذات ولاية عامة (تخيل مثلاً أن رئيس الحكومة سليمان النابلسي وافق على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي بدون حتى إخطار الملك)، حكومة عكست إرادة الناخبين ومثلت مصالحهم. إلا أن جلالة الملك حسين اختار أن يسلك طريقاً آخر وأن يعتمد نظام حكم وجد فيه خياراً أنسب لإدارة البلاد (الأحكام العرفية)، قبل أن يجد نفسه مضطراً للجوء لنظام حكم آخر أقل تعسفاً، يضمن من خلاله الخروج من مأزق الأزمة الاقتصادية التي جعلت بقاءه كحاكم للبلاد مهدداً، فعاد إلى النظام السابق باعتباره تنازلاً كبيراً.

لكن هذا لا يعني أن الأردن عام ١٩٨٩ وعام ١٩٩٣ بتركيبته السياسية-الاجتماعية هو الأردن عام ١٩٥٢، والنظام الذي بدا فعالاً في بدايات الدولة، قبل عقود من حظر مزاولة العمل السياسي وفي فترة لم تكن فيها شخصية الملك المعنوية قد تضخمت بهذا الحجم (وغيرها من التغييرات الجذرية)، عاد “مخصياً” منزوع الأدوات تحمله برلمانات مهزوزة مخترقة على أحسن حال، ومزورة بالكامل في أحيانٍ أخرى عدة، فتحول البرلمان اليوم بعد عقدين من قوانين الانتخاب المشوّهة والتزوير المعلن وإفساد الحياة السياسية إلى نكتة. (وبالمناسبة حتى توزيع البرلمان بين نواب منتخبين وأعيان معينين يجعل البرلمان ككل يأتمر بأمر جلالة الملك. فلو افترضنا أن أغلبية الثلثين من البرلمان أقرت قانون يقلص أو يقونن صلاحيات معينة لجلالة الملك، ورفعته إلى مجلس الأعيان، فرفضه بنسبة ٨٥ بالمئة، بافتراض وجود ١٠-١٢ عين ممن اختاروا التضحية بمنصبهم، فإن هذا القانون سيرد في الجلسة المشتركة بالأغلبية).

وبالتالي وصولاً إلى الخلاصة: يتمتع جلالة الملك بشعبية جارفة وثقة الشعب المطلقة، ويمكن الجزم بأن أي استفتاء لقياس شعبيته أو إنتخابه كرئيس للنظام سيكون إيجابياً بنسبة ٧٥ بالمئة على الأقل بدون تزوير أو ترهيب. وجلالة الملك هو رأس السلطات جميعها، وهو لا يزهد بممارسة السلطة ولا حتى يكتفي بإعطاء التوجيهات العامة أو رسم الخطوط العريضة والاستراتيجيات، بل هو في وسط تفاصيل التفاصيل، فيوعز بصرف الدعم النقدي، ويتفقد أحاول المواطنين، ويتابع المشاريع عن كثب، لا بل أنه يضع الجداول الزمنية لتنفيذ توجيهاته (راجع ملخص نشاطات جلالة الملك على قناة الديوان الملكي على يوتيوب). أما الأدوات التنفيذية التي يعتمد عليها جلالة الملك في ممارسة السلطة فلم يعد خافياً على أحد أن جلالة الملك اكتشف أن العمل العام الأردني في تراجع، فوجد نفسه مضطراً للاعتماد على دوائر الديوان الملكي المختلفة والمتوسعة باستمرار ومستشاريها كبديل للحكومات والإدارات المختلفة لتنفيذ رؤيته بفاعلية. فالخارجية للديوان (تاريخياً) والدفاع للديوان والأجهزة الأمنية للديوان والتنمية للديوان وإدارة المنح للديوان ومتابعة المشاريع الكبرى للديوان، وكلها دوائر تعمل في الهواء خارج إطار أي تشريع دستوري أو قانوني.

إذاً، من المنطقي العمل على تطوير دستور جديد للأردن يأخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار ويعدّل الاختلالات (التي لا يوجد أي إشارات حتى لو بعيدة بأن هناك من يعمل على تصويبها، بل على العكس) بحيث يتلاءم الدستور مع واقع السياسة في الأردن، بدلاً من الانتظار العقيم لأن تعدل الحياة السياسية الأردنية نفسها لتتناسب مع دستور قديم لا يوجد أي ظروف موضوعية أو إرادة سياسية تسمح له بأن يكون فعال. فمثلاً يصبح نظام الحكم ملكيا رئاسياً (أو ملكياً رئاسياً أمنياً على سبيل المزاح) وتكون كل السلطة التنفيذية (وكل السلطات) منوطة بجلالة الملك يمارسها من خلال الديوان الملكي وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، ويتولى الوزراء أدوارا فنية تنفيذية بدون دور في رسم سياسات البلاد العامة (تماماً مثل دورهم اليوم، لكن ضمن إطار دستوري)، ويصبح رئيس الوزراء مجرد سكرتير تنفيذي، كما هو الآن، لكن بشكل دستوري أيضاً. أما من يتولى مراقبة السلطة التنفيذية وآليات محاسبتها لضمان عدم تغولها على حقوق المواطنين فهذا موضوع منفصل تماماً يحتاج لبحث، خاصةً أنه من البديهي أن الدستور الجديد لن يحتوي على مادة تعفي صانع القرار من كل تبعة ومسؤولية، فممارسة السلطة والمسؤولية متلازمتان، وبخلاف التسليم بهذا الأساس سنبقى ندور في ذات الحلقة المفرغة المملة، التي تحمل معها نتائج كارثية.

ربما يجد البعض حرجاً من قبول نظام حكم يحمل صفة الملكية “التنفيذية” باعتبارها وصمة من العصور الوسطى يفترض أن تكون البشرية قد تعدتها، لكن في حالة خاصة مثل الأردن التي يتمتع فيها الملك بهذه المكانة والسلطة التي لا ينافسه عليها أحد (قد يكون جلالة الملك رأس الدولة الوحيد في العالم القادر على إقالة رئيس الوزراء وقائد الجيش، ورئيس الديوان، ومدير المخابرات في يوم واحد دون أن يرف له جفن)، قد يكون الحل الواقعي لنظام مختل هو وضع دستور جديد يأخذ ذلك بعين الاعتبار، ويتعامل معه وفق أفضل تسوية ممكنة. أما أن يبقى دستورنا يحمل مواد مثل (تناط السلطة التنفيذية بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه) مع (أوامر الملك الشفوية أو الخطية لا تخلي الوزراء من مسؤوليتهم) في ذات الوقت، فهذا ليس نظام حكم. هذا عبث.

  • ammar okour

    شكرا على السرحان يا كبير, اجيبلك فحم؟

  • Jordanian

    Yeah, you know? This argument would have some credit if it didn’t completely ignore the country’s most recent history and the palace’s most recent decisions vis-a-vis precisely what you’re talking about; i.e. the constitution.

    Have you considered asking yourself how come a king who for the first 10+ years of his rule made his proxy governments pass HUNDREDS of temporary laws, decided to simply not do anything when it came to the most important law of all (the Election Law), and at the most opportune moment in recent time (the Arab Spring)? If he was so serious about reform, how come when the country’s momentum was all in the right direction (more reform), he didn’t push his government to pass a modern and representative elections law, and instead pushed for a constitutional change that *locked* the country in the hands of the incumbent unrepresentative parliament and senate?

    Is there anything else that screams “self service” louder than that?

  • ابن بلد

    انا لا ادري ان كنت تمزح ام ترمي بقاذورات نفسيتك المريضة , ابقى داخل الفقاعة التي انت بها و استمتع …