مفتاح “خزانة الأسف” لا يزال في جيب الرّقيب

الأحد 09 شباط 2014

بقلم فوزي باكير

سبعة مقاطع شعرية قصيرة، اعتبرها الرقيبُ “مساساً بالمعتقدات” و”انتهاكاً للمحظورات”، كانت كافية لكي تُمنع المجموعة الأولى للشاعر زياد العناني (1962) “خزانة الأسف”، وما يزال مفتاحُ “الخزانة” إلى الآن في جيب دائرة المطبوعات والنشر التي دخولها إلى الأردن.

يعمل العناني في مجموعتِه على تفتيت العناصر المكوِّنة للذّات الإنسانيّة، الفيزيائيّ منها والمعنويّ، يعمل على تفكيك العناصر المكوّنة للفكر والموروث المسيطريْن على العقل الجمعيّ، ابتداءً من بيئتِه الصّغيرة، الأسرة، ويتّسع ليتناول بذلك الشّرق كلّه، يقول: “لي ميتٌ من المياهِ/ من المياه/ في الشّرقِ هُنا/ حتّى البحارُ تموت”.

يستدعي صاحبُ “مرضى بطولِ البال” في “خزانتِه” إشكاليّات البدءِ والتّكوين وما انبثق عنها من سلوكٍ إنسانيٍّ شذّ عن الفطرة، وحوّلها إلى سُلطاتٍ دينيّة واجتماعيّةٍ وسياسيّة، مُقدِّماً أسئلة فادحة تعترضُ طريقَ المُسلّمات، بدهاءٍ شعريٍّ والتفاتاتٍ من الواقع اليوميّ الدّقيق: “المئذنة/ فحولةُ الصّوتِ البعيد/ من أنّثها؟”.

أغلبُ قصائد المجموعة هي مقاطع قصيرة مُكثّفة، لكنّها تختزلُ أفكاراً تصوِّبُ سهامَها بدقّةٍ عاليةٍ لتشرِّحَ البُنيةَ الأخلاقيّة الاجتماعيّة الزّائفة، التي فرضت سلطاتٍ عديدة من شأنها أن تمسَّ في بديهيّاتٍ إنسانيّة فطريّة: “لا امرأةٌ في المرآة/ لا امرأةٌ في الشبّاك/ أو الشّارع/ ما أكثر الرّجل!/ المرأةُ في بيتِ الطّاعة”.

ويصرّ العناني، المولود في ناعور، على الاستمرار في تصويب هذه السِّهامِ، ضارباً بها عمقاً اجتماعيّاً آخر، يتعلّق بتاريخ الخوفِ الذي يقدِّمه الموروث عبر رواياته وقصصه التي وصلتنا إما من خلال الأساطير أو ما نُقل عن المفاهيم الدينيّة، فيسألُ: “برمشةٍ/ أستعيدُ طفولتي/ التي كانت مغارةً/ للرّعبِ أو الغولةْ/ أيُّها القصُّ القرويُّ/ لِمَ الغولة؟”.

دائرة المطبوعات والنشر الأردنية التي منعت المجموعة، لم تكُن لتُدركَ المعنى العميق للآلام التي صاغها العنانيّ بطريقةٍ لافتة، لم تكن إلّا لتفهمَ الأمورَ وفقاً لمقارنتِها بما هو مقدَّسٌ فقط، وبحسب تأويلاتٍ سطحيّةٍ لها، دون أن تلتفتَ للجماليّ والإنسانيّ في الشّعر، فمن المقاطع التي تسبّبت في إقفال “خزانة الأسف”: “أمّي/ دوّخَها السُّكَّرُ/ بتروا قدميها/ أمّي.. أمّي.. أمّي../ ماذا عنّي؟/ كيف سأبحثُ عن جنّة ما قالوا/ تحت الأقدام؟”.

هذه المفارقة الكثيفة والمشحونةِ بالعاطفة الفطرية، تحاكي فكرةً من التّراث تقول إنّ “الجنّة تحت أقدام الأمهات”، لم يعِ الرّقيب سرَّ الجمال والاختلاف الذي يؤدّيه الشّعرُ، واكتفى بالاعتراضِ على الفكرةِ لأنّها تقتبسُ نفسَها من حديثٍ نبويٍّ وحسب، رائياً أنّ هذا “مساس بالمعتقدات”.

زياد العناني، الذي أُصيبَ قبل عامين ونصف بجلطةٍ دماغيّة، ما يزال على إثرها إلى الآن في سريره، بالكاد ينطق ويتحرّك، اشتبك مع الرّقابةِ مرّة أخرى في العام 2009، بعد صدور مجموعته الأخيرة “زهو الفاعل”، بالحجّة نفسِها، وانتهى الأمر بأنّه أجرى عليها بعض التّعديلات كي لا تقع في قبضةِ المنع مرّة أخرى.

اقرأ/ي أيضاً:

منع الكتب في الأردن: وصاية على القراء وتجاهل للقانون