نزع العار عن الجنس

الخميس 27 آذار 2014
ص رسم الفنانة والكاتبة إيتل عدنان.

ترجمة دعاء علي

كتب راجي بطحيش مؤخرًا نقدًا ممتازًا للافتراضات المتعلقة بالمثلية العربية، وإرث الهويات الجنسية الاستشراقية، والذكورية في إعلاء الرجولة كهوية متفوقة. ببلاغة، يرسم بطحيش سياقًا لرفض ثنائية “المثلي/الغيري” في المجتمعات العربية ردًا على طرح جوزيف مسعد، الذي يزعم فيه باختصار أن الهويات الجنسانية الغربية وجميع الحركات والمنظمات التي تنادي بحقوق المثليين تفرض هوية “المثلي” على العديد من الرجال الذين قد لا يعرفون أنفسهم من خلال هذه الهوية. يقول بطحيش:

“لقد تم رفض الهوية المثلية بمفهومها الغربي (المرتكز على ثنائية هومو : هترو) ولفظها بشكل شبه نهائي وخاصة من القطاعات الأعرض من المجتمعات العربية المتمثلة بالطبقات الوسطى-الدنيا والشعبية-العاملة، ولم يحدث ذلك للأسف بسبب مقاومة الهيمنة الثقافية الغربية أو بسبب الاكتفاء بجنة النعيم الجنسي بأشكالها المحلية المختلفة؛ ببساطة ترفض المجتمعات العربية الهوية المثلية أولًا بسبب بنيويتها التعسفية (وأقصد هنا بنيوية الهوية المفترضة) أحياناً، وثانياً وهذا ما يهمني هنا: صدام الهوية المثلية الثقافية مع قداسة الرجولة في مجتمعاتنا”.

وما يفسرّه بطحيش هو سطحيّة وذكورية هذه  الثنائية وكيف أنها تنزع قوة “الآخر” غير الرجولي: الرجال الذين لا يظهرون بـ”هيئة رجولية عربية”، الرجال الذين يعرّفون أنفسهم ضمن طيف من الهويات الجندرية، وجميع النساء

بحسب طرح جوزيف مسعد الذي ينتقده بطحيش 1،فإن إضفاء هوية المثلي/ة على من لا يعرّفون أنفسهم كمثليين/ات تفرض عليهم “مرئية” في المجتمع لم يعتادوها بسبب خصوصية تشكيل المجتمع العربي. لكن بطحيش يبين أننا، رغم عدم تبنّينا لثنائية الجنسانية الغربية “مثلي/غيري”، نتبنى ثنائية هويّاتية أخرى هي “رجولي/غير رجولي”، أو بالأحرى “مولِج (فاعل)/ مولَج فيه/ا (مفعول به)”. وما يفسرّه بطحيش هو سطحيّة وذكورية هذه  الثنائية وكيف أنها تنزع قوة “الآخر” غير الرجولي: الرجال الذين لا يظهرون بـ”هيئة رجولية عربية”، الرجال الذين يعرّفون أنفسهم ضمن طيف من الهويات الجندرية، وجميع النساء.

بمنطق إحصائي بحت، هذه المجموعات تشكل أغلبية كبيرة مهمشة ومحرومة. لذا، بوسع جميع المهووسين بالإمبريالية الممتعضين من هذه التصنيفات المغلوطة بنظرهم أن يقدموا بسرور تصنيفات أخرى ذات خصوصية عربية.  فحقيقة تهميش هذه المجموعات لن تتغير2.

في السنوات القليلة الماضية، برزت محاولات إيجابية لتخصيص هوياتنا وسلوكاتنا الجنسية المتنوعة وحقوقنا في الحكم الذاتي لأجسادنا. مقالة بطحيش مثال عظيم على هذه المحاولات واسعة الإدراك والواعية اجتماعيًا والتي تحترم تعدد السياقات. لكن ما لا تستكشفه المقالة -لا لِعيب فيها، وإنما كنتيجة للخط الذي ترسمه لنفسها- هو الأنثوية في خصوصياتها الجسدية وجنسانياتها المتعددة.  بناءً على أفكار بطحيش، أرى أن من المهم مناقشة أبعاد الإيلاج الجنسي، خاصة في علاقته بالجسد الأنثوي.

كما يقول صاحب مدونة “ohmyhappiness” في مقال ساخر حول الصور النمطية عن المثلية العربية: ليس في بيروت مثليّات.

تفكيك تجريم أجساد النساء

يرجع غياب خطاب مسؤول حول قضايا أجساد النساء وجنسانياتهن إلى نفوذ تصوّرين إشكاليين: تعريف الجنس كفعل إيلاج، وتصوير أجساد النساء كمنطلق “ثقافي” للسيطرة الجنسية والاجتماعية والأخلاقية. هذان التصوّران يلتقيان عند تجسّدهما في غشاء البكارة، صانع “العذرية” المزعوم وصانع قرينها “الشرف” في مجتمعنا.

في الحقيقة، التعريفان العلمّيان “للعذرية” و”غشاء البكارة” لا يتقاطعان ولا يرتبطان بالضرورة، لكنهما للأسف مترادفان في مخيّلتنا الاجتماعية. لنفكّر فيما تدلّ عليه حالات “فحوص العذرية” التي أجرتها السلطات المصرية لوصم الناشطات والمتظاهرات بالعار، أو العمليات الجراحية لرتق غشاء البكارة التي تخضع لها بعض النساء حتى يتزوجن أو يسترددن “شرفهن”. إن التشكيل الاجتماعي للعذرية (لربما عالميًا) لا ينظر للاتصال الجنسي دون إيلاج على أنه ينقض العذرية. هذا التعريف المغلوط يستثني المثليّات وكل المنتمين لأي هوية أو جندر ممن يختارون ألا يمارسوا الإيلاج الجنسي من ممارسة الجنس بعامة.

تبدو أجساد النساء عالقة في ثنائية متناقضة من الحضور والغياب. فهي تصبح مرئية فجأة حين يمارس المجتمع الأبوي سلطته عليها عبر الهيمنة المتصوّرة للإيلاج، وعبر جرائم “الشرف” أو العنف الجنسي. لكن أجساد النساء تغيب في كل خطاب جنسي لا يتعلق بالرجال والإيلاج3. معظم تعريفات المساواة والتشارك في مجتمعنا لا تنطبق على النساء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجنس والميول الجنسية. هذه الفكرة تحديدًا هي ما يوضحه ياسر عبدالله في هذه المقالة التي تناقش تقديس القضيب ولامرئية المثليّات.

نحن لا نقرّ بأن للنساء حاجات جنسية متنوعة، أو بأن النساء قد يمارسن “العادة السرية”، أو بأن معظم لذّات النساء الجنسية -بيولوجيًا- ليست نتيجة للإيلاج. نحن نتجاهل الأدلة العلمية والصحة النفسية لنصف سكّان الأردن. ففي مخيلتنا الاجتماعية الجمعية، أجساد النساء آثمة أو تحرّض على الإثم، أو على الأقل ليست أجسادًا جنسية “فاضلة” تحكم ذاتها.

في الحالات التي ترتكب فيها النساء “خرقًا أخلاقيًا” (الجماع قبل الزواج، أو شكّ العائلة بأي نشاط جنسي قبل الزواج، أو شكّها بأي خلل “أخلاقي” غير جنسي)، يحقّ للعائلة ممارسة سلطتها على جسد المرأة عبر جرائم “الشرف”. للأسف، حتى النشطاء الذين يتطرقون لقضايا العنف ضد النساء يحجمون عن فتح نقاش حول حق النساء كبشر بالتمتع بأجسادهن. حتى حركة جادّة ودؤوبة مثل “لا شرف في الجريمة” التي تنشط بقوة ضد جرائم “الشرف” تحصر عملها في متابعة هذه الجرائم ودعم ضحاياها. وعلى الرغم من الحقيقة المحزنة في أن مجرد عزو “أفعال مريبة” للنساء كافٍ في العديد من الحالات لتبرير قتلهن حتى لو تبين عدم ممارستهن الجنس، إلا أن إبطال تجريم أجساد النساء وجنسانيّاتهن في المخيّلة الجمعيّة يظلّ جزءًا ضروريًا من هذا النقاش.

استعارات الإيلاج

حتى لو تم تجاهله منهجيًّا، فالجنس دون إيلاج ممارَس في جميع المجتمعات، وتغييب النساء وعلاقاتهنّ المثليّة وكل العلاقات الأخرى غير الغيريّة وجعلهن غير مرئيات يقود بالمحصلة إلى تجريدهنّ من إنسانيتهن على نحو خطير. إن كنّا غير قادرين على الاعتراف بوجود ميول جنسية لا تتطلب الإيلاج، فكيف يمكننا كشف العنف العاطفي والجنسي والجسدي المحتمل ممارسته في/على هذه العلاقات غير المرئية؟ كيف يمكننا مساعدة أو حماية من لا نراه؟

كما يشير بطحيش، فكلمة “نيك” لا تستبطن معاني المتعة أو الحب. معظم المفردات المرتبطة بالإيلاج الجنسي في العربية المحكية لا تمنح أي قوة أو سلطة للمولَج فيه/ا، بل هي غالبًا مهينة ودونيّة وتستبطن هيمنة يمارسها طرف فاعل (مولِج) على طرف مفعول به (مولَج فيه/ا). هذا التصوّر مغلوط وخادع بطرق عدة، سأناقش بعضها.

أولًا، هذه “الهيمنة” الضمنية في مخيّلتنا الاجتماعية الجمعية تستخف بحالات العنف الجنسي الفعلية. فالصيغة الممنهجة التي تشير فيها لغتنا إلى الإيلاج (الفاعل والمفعول به) والإحالات المجازية للاغتصاب في حياتنا اليومية تجعل العنف الجنسي يبدو أمرًا عابرًا. حتى الاستعارة السياسية “العاطفية” حول الأرض “المغتصبة” -والتي سمعناها وقرأناها مرارًا في معظم الخطابات حول فلسطين- ليست خطرة فحسب، بل هي استعارة إمبريالية استعمارية غربية أيضًا. لا أعتقد أن سلب الأرض والعنف اليومي الممنهج الذي يعيشه الفلسطينيون يماثل الاغتصاب في شيء4. ولعل ما يعزز هذه الاستعارة أكثر هو تخيّلنا الاجتماعي الجمعي بأن العنف الجنسي “الحقيقي” لا يحدث في الأردن، بل يحدث “بعيدًا”.

هذه التصورات “المهيمنة” حول الإيلاج الجنسي تُسلَّط على الناجين والناجيات من العنف الجنسي بما يعرقل شفاءهم. المعتدون جنسيًا، خاصة “غير المولِجين”، يتعرضون كذلك لهذا الخطاب الاجتماعي حول هيمنة الإيلاج، لكن الفرق هو أن هذا الخطاب يقوّي المعتدين ويطبّع عنفهم، بينما يضعِف الناجين والناجيات ويصمهم بالعار.

ثانيًا، ربط الإيلاج بـ”السلطة الممارَسة على الآخر” يرسّخ فهمنا كمجتمع للعنف. فهو يعني ضمنيًا أن العنف الجنسي يحدث فقط عند الإيلاج، وكثيرون يتبنون هذا التعريف المغلوط للاعتداء الجنسي ببساطة لأنه السائد في مخيّلتنا الاجتماعية. ما يجدر الالتفات له أيضًا هو أن القانون الأردني يحدد الاعتداء الجنسي بـ”الاغتصاب” في حالات الإيلاج المهبلي، وبـ”هتك العرض” في حالات الإيلاج الشرجي، مهملًا بالكامل جميع الأشكال الأخرى للعنف أو الإساءة الجنسية.

فقد بات ملحًا أن نقلّص الفجوة بين “المخيلة الجنسية” للمجتمع وواقعنا الإنساني، وأن نزاوج بين مواقفنا ضد جرائم “الشرف” وما ترمز إليه من جهة ومواقفنا ضد الذكورية والتمييز والرهاب الموجه لكل الهويات التي ليست غيريّة حصرًا من جهة أخرى

وبدوره، يساهم هذا التعريف الناقص(ومعنى العنف الضمني الناقص) في تشكيل نزعات سلبية تجاه ضحايا الاغتصاب والعنف، أبرزها وصم الضحية بالعار، وتحميله/ا جزءًا من المسؤولية تبعًا للباسه/ا أو تعبيره/ا وسلوكه/ا الجندري، وغياب الدعم النفسي أو الطبي له/ا.

أخيرًا، هذا التصور يجرّد البشر من حقّهم في الاستمتاع بالإيلاج كفعل جنسي خلال لقاء صحي. نفسيًا، لا بد أنه من المربك على أقل تقدير أن يكون تصور مخيّلتنا الاجتماعية لفعل ما مختلفًا تمامًا عن حقيقة هذا الفعل. لا يحق لفرق اجتماعية أن تسم ممارسات صحية داخل العلاقات الجنسية الرضائية بأنها ممارسات هيمنة وخضوع، إلا إذا رغب أطراف هذه العلاقات بوسمها بذلك (ووافقوا عليها معًا). نحن كبشر بحاجة لكسر الرابط المشكّل اجتماعيًا بين الإيلاج وفقدان الطرف “المفعول به/ا” الرمزي لشرفه/ا.

النشاط التغييري يحتاج جهدًا ووقتًا، وقد يكون العالم العربي يتجه ببطء الآن نحو انعتاق جنسي يحترم التنوع البشري في أطياف الجندر والجنسانية والميول الجنسية. فقد بات ملحًا أن نقلّص الفجوة بين “المخيلة الجنسية” للمجتمع وواقعنا الإنساني، وأن نزاوج بين مواقفنا ضد جرائم “الشرف” وما ترمز إليه من جهة ومواقفنا ضد الذكورية والتمييز والرهاب الموجه لكل الهويات التي ليست غيريّة حصرًا من جهة أخرى. كل هذه المشاكل تعود في النهاية إلى التفوق المتخيل للرجولة والهيمنة التي تمارسها، وهذا تحديدًا ما ينبغي تفكيكه.

___________

1 حول المزاعم الإشكالية المطلقة التي يقدمها مسعد في مسألة التفريق بين الهوية والسلوك، راجع/ي هذا المقال النقدي لريان الشواف.

2 تنقد لمى أبو عودة فكرة مسعد حول “اللامرئية” بمناقشة الآخر غير الرجولي المهمّش في هذا الرد على مقابلة له. (لنسخة عربية من المقال اضغط/ي هنا).

3 كتاب “أحلام النساء الحريم” لفاطمة المرنيسي مثال جيد على رواية تكشف لامرئية النساء بشكل جماعي (وتعدد أمثلة على مقاومتها).

4 كتبت سحر مندور مؤخرًا تحليلًا جيدًا لعلل هذا الربط وتداعياته.

  • Hassan Tareifi

    {{نحن كبشر بحاجة لكسر الرابط المشكّل اجتماعيًا بين الإيلاج وفقدان الطرف “المفعول به/ا” الرمزي لشرفه/ا.}}

    قوية هاي، مش هيك؟