الجامعة الأردنية بين الرايات الخضراء والعصبيات العشائرية

الخميس 27 آذار 2014

بقلم سارة أباظة، طالبة في الجامعة الأردنية

قد لا يرى البعض في انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية أمراً شائكا بعد أن اعتاد على رؤية نفس النمط يتكرر سنوياً عن طريق ترشح طرفين: مرشح إسلامي ومرشح يمثل العشائرية والمناطقية. ولكن يكفي أن نذكره بالمشهد الانتخابي للطلبة كل عام حيث ينغمسون في فوضى الشجارات المتكررة بسبب العصبيات المناطقية والعشائرية من جهة، وما ينتج عن توظيف الدين السياسي من تشويش من جهة أخرى، ليدرك أن الموضوع شائك بالفعل وليس يسيرا في جامعة تعتبر نسخة مصغرة أو “مُركّزة” من المجتمع الأردني.

القضية الشائكة الأكبر هي في سلبيات الحمية العشائرية المفرطة على الجو الطلابي، وعلى الرغم من أن النفس الإقليمي تراجع إلى حد كبير في الوسط الطلابي في الآونة الأخيرة، إلا أننا نجد أن الشعارات والممارسات الانتخابات لا زالت تزج بالعنصرية والإقليمية التي وصلت إلى حد الشجارات الجامعية لتتحول إلى آلة لإنتاج العنف ليس يوم الانتخابات فحسب، بل على مدار السنة الدراسية.

وإلى جانب المرشحين الذين يحاولون اختطاف تمثيل هذه العشيرة أو تلك وهذه المنطقة أو تلك، يقوم البعض الآخر بترشيح نفسه على أساس إقليمي يطرح نفسه كبديل لأولئك أو بالأحرى كخصم لهم. وهذا يغذي الإقليمية والانتماءات الفرعية ويخلق جوا من التنافس غير الشريف وبالتأكيد يلعب الدور الأكبر في اندلاع المشاجرات بين الطلبة، مشاجرات أو “طوش” لا نفهم مغزاها إلا في سياق تكريس صراعات وثنائيات داخل المجلس تحرم الطلبة من حقهم في اتحاد يحتوي تعددية فكرية تليق بمجتمع جامعي– فهل نحن نبحث عن مجلس متعدد الأصول أو متعدد الأعراق وإثبات وجود هذه المنقطة مقابل تلك، وهذه اللهجة مقابل تلك، أم نريد مجلسا متعدد الأفكار والتوجهات؟

يا ريتنا نتذكر أن أول رئيس وزراء أردني (رشيد طليع) كان لبنانياً درزياً! فالأردن نشأ على ثقافة تستوعب التنوع وتعطي الأولوية للكفاءة لا للعرق أو المذهب، وهو أمر غائب عن أجواء الانتخابات في الجامعة اليوم، فنلاحظ تركيز بعض القوائم على عناوين بعض القضايا النبيلة التي لا خلاف عليها بهدف اختطافها لصالحهم والإيحاء بأنهم هم ممثلوها الشرعيون،  ونرى تركيز قوائم أخرى على محاولة دغدغة الغرائز العشائرية، واستمالة الطلاب عن طريق الفزعة.  وكلها أمور ونزعات لا تمت للهدف الأساسي لاتحاد الطلبة بصلة، فاتحاد الطلبة هو لتمثيل أصوات الطلبة في سبيل الارتقاء بالجامعة والاستجابة لحاجات الطلاب ومشاكلهم.

ووسط تلك الأجواء القبلية والعصبية والإقليمية، يبرز الاتجاه الإسلامي الذي تمدد ليحصد أكثر من نصف مقاعد الاتحاد، وهو يطرح نفسه كبديل هو وحده القادر على التصدي لخطابات العشائرية والإقليمية الخائبة. ولكن حين ننظر إلى واقع هذا الاتجاه وممارساته وأهدافه، نجد أن ما يطرح نفسه على أنه المنجى من دعوات العصبيات الجاهلية، هو في حد ذاته دعوة لفرض صيغة اجتماعية واحدة في الجامعة عن طريق اختطاف تمثيل أقدس شيء لدى الكثيرين، ألا وهو الدين.

كلا الطرفين مستفيدان من الترويج لثنائية “العشائرية والإقليمية –  أو الاتجاه الإسلامي”، فخطاب الاتجاه الإسلامي يحاول الإيحاء بأنه هو الملاذ والمنجى من العصبيات، وهو وحده الذي يمتلك برنامج يعتمد على الأفكار لا على الأشخاص ولا الأصول، بينما يروج العشائريون والإقليميون إلى أن الاتجاه الإسلامي يضعف مشاعر الانتماء للعشيرة وحتى الوطن، وهذه الثنائية لا ينبغي أن تنطلي على طلاب جامعة يمكن وصف شريحة كبيرة منهم بالمثقفين.

قد يسأل البعض عن سبب القلق من الاتجاه الإسلامي وهو الذي يقدم خدمات طلابية متنوعة ويمتاز بالنظام والتخطيط الجيّد. نعم، أنا لا أنكر أن الإتجاه الإسلامي يبدو منضبطاً ومتماسكاً للطلبة، ولكنه أولا ليس بالوضوح والشفافية التي يدعيها، حيث يصر عدد من مرشحيه في كل سنة على الادعاء بأنهم مستقلون، ليبتين بشكل فوري بعد فوزهم بأنهم مدعومون من الاتجاه، ويتلقون التهاني برفع راياتهم الخضراء. ولا مشكلة هنا في كونهم مدعومين مادياً ومعنوياً من جهة سياسية محلية، حتى وإن كانت قانون الجامعة لا يسمح بالعمل السياسي داخل الجامعات، فنحن لسنا أساسا مع هذا القانون، فهو الذي أتاح تغلغل العشائرية والإقليمية، بل وأعطى شرعية نسبية لخطاب الاتجاه الإسلامي، ولكن المشكلة هي في المراوغة وأساليب السياسيين التي أصبح الاتجاه يتبعها لكسب أصوات الطلبة الذين يتفادون التصويت للاتجاه الإسلامي – عن طريق ادعاء الاستقلالية؛ بل أن أحد الطلبة المرشحين صرّح ذات مرة على صفحته على الفيسبوك بأنه مستقل إلا أن الاتجاه رأى فيه شخصاً جديراً بالثفة فقرر الوقوف إلى جانبه – وهذا لا يبدو مستساغا إذا ما جئنا لمفهوم الديمقراطية نفسها، فالديموقراطية لا ينبغي أن تكون ديكتاتورية الأغلبية.

نمط آخر نراه تأصل عبر السنين، وهو مناهضة الاتجاه لبعض الأنشطة على أسس دينية، كمعاداة بعض أنشطة الكليات الثقافية، حيث صرح ذات مرة أحد المتسبين للاتجاه في الجامعة أنها محاولة لقمع بعض الأنشطة “الفاسقة” بعين التيار الإسلامي!

شهدت الجامعة الأردنية مناوشات أخرى في هذا السياق، مثل اللغط الذي لحق تحطّم منحوتة من إبداع قسم الفنون في الجامعة بعد عاصفة أليكسا، ومنها رفض الاتجاه لبعض الأنشطة الثقافية في قسم اللغة الإنجليزية لأنها تبشر – على حد قولهم –  بأديان أخرى، وتعرض بعض الطلبة الذين لا ينتمون إلى الاتجاه أو لا يُظهرون تدينا واضح من لحى وجلابيب إلى المضايقات، كما حدث لطالب كان يساعد في تسجيل “السنافر” أو الطلبة الجدد في العام الماضي، حيث منعه رئيس الاتحاد وقتها من مساعدة الإناث لأن الاختلاط حرام في رأيه.

نحن للأسف لم نصل إلى مستوى النضوج الفكري في سن الجامعة على غرار بعض الثقافات الأخرى، فيقول عدد من علماء النفس أن الطفل في سنواته الأولى يكون كالصفحة البيضاء، تكتب عليها بيئته ما تشاء – وهذا هو حال الطلبة في السنة الجامعية الأولى، فهم يخرجون من المدرسة وليست على صفحتهم البيضاء سوى بعض الخربشات، ومساحات واسعة متاحة للكتابة. لذا يبدو أن الهم الاكبر للاتجاه الاسلامي ليس تزويد الطلبة بالخدمات والاحتياجات بقدر ما هو رفع راية إسلامية يحاولون من خلالها فرض رؤيتهم وفهمهم للدين والمجتمع مستغلين المخزون الثقافي المتواضع لدى الطلبة في سن الثامنة عشر، وهذا يفسر ما نراه من الاهتمام الكبير لدى الكثير من مرشحي الاتجاه الإسلامي بهذه الشريحة من الطلبة الجدد ”اللي مش فاهمين الطبخة“.

وحتى نكون منصفين، لا بد أن نعترف أن الإتجاه الإسلامي منظم إلى حد كبير وهو شيء تفتقر إليه الكثير من الجهات الأخرى في الجامعة، بالإضافة إلى دعمهم للكثير من القضايا الإنسانية والمطروحة على الساحة – منها قضية حق العودة ومؤازة السجناء، ولكن البعض قد يرى هذا استغلالا واضحا للقضايا الإنسانية الحساسة (غير المختلف عليها أساسا) للحصول على دعم وتقبل الطلبة. فمثلاً، نجد أن هناك توجه من قبلهم إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إنسانية وطنية إلى قضية دينية بحتة، إلى جانب تنظيم عدد كبير من الأنشطة التي تنادي بحقوق المسلمين فقط حول العالم وكأن موت طفل هندوسي في الهند أو موت مناضل ملحد في اليابان مثلاً ليس مهماً بقدر موت مسلم في بورما، وهذا وعي زائف ينتقص من حق الجميع في الحياة على هذه الأرض بمساواة. وكأن الدين وفلسطين هما ”بسطات انتخابية“ لبيع وشراء الأصوات.

وفي احتفال أقامه الاتجاه الإسلامي في الجامعة الأردنية في دبكة شعبية، نجدهم يهتفون للقدس وكأنهم حرروا فلسطين ”بتحرير الجامعة“ وهم ينادون بالحرية الفكرية التي عملوا على منعها بطرقهم الخاصة في السنوات الأخيرة!

بيانات الاتجاه الإسلامي تشعرنا كأن الوطن إسلامي نقي ولا تنوع فكري فيه، فهم ينددون بالحرية الدينية والفكرية عندما تُسلب منهم فقط، ولا يريدونها لغيرهم. ويستمر هذا الأسلوب عن طريق مناهضة  التنوع الفكري والثقافي للأنشطة، فأصبح عدد كبير من أنشطة الجامعة الأردنية حول الطهارة والزواج وحق الزوج على الزوجة وأهمية الحجاب، بل لم يتوقف الأمر عند الإكثار من الأنشطة الدينية اللامنهجية فحسب، بل نراه مصحوباً بدعاية تكاد تغطي على جميع الأنشطة الأخرى، فبوسترات الأنشطة الدينية هي دائماً البوسترات الأكبر والأكثر ألوانا، بالإضافة إلى إقامة عدد من النشاطات الفكرية الممزوجة بالدين، حتى أن هناك نشاطاً أقامته الجامعة قبل سنوات عن أضرار التدخين انشغل المُحاضر فيه بأهمية قوة الإيمان في الإقلاع وأشار بشكل صريح إلى أن الأساليب الأخرى (التي تساعد الناس عن الإقلاع عن التدخين والتي ينصح بها الأطباء) باطلة وغير ناجحة، والطريقة الوحيدة للإقلاع هي التديّن والتوكل على الله.

وفي النهاية، وفي ظل غياب توجهات سياسية وفكرية كثيرة عن ساحة الجامعة، يجد الطلاب أنفسهم يوم الانتخابات أمام خيارين: إما انتخاب مرشح الإتجاه الإسلامي أو انتخاب ابن عشيرة أو ابن فلسطين على أُسس غير فكرية، بل باسم العائلة والمنطقة فقط، محاطين بالمشاجرات المستمرة والوضع المتأزم يوم الانتخابات. وهنا وئدت الديمقراطية، عندما تلاشت فكرة وجود خيارات أخرى في الأفق.