#أَكْتُبُ_بالعربية

الأحد 21 كانون الأول 2014
Arabic-world-day

كان من الجميل أن يحتفي رواد فيسبوك وتويتر باليوم العالمي للغة العربية، وأن نرى «لغة الضاد» توشّح الشبكة العنكبوتية، كما تمنى الكثير من رومنسيي اللغة. ألا تبدو هذه المقدمة رومانسية بالفعل؟

من الجيد إطلاق مبادرة تشجع على استخدام اللغة العربية التي انحسر استخدامها في مواقع التواصل الاجتماعي. وهو ما قامت به «سامسونج إلكترونيكس المشرق العربي» يوم الخميس بإطلاقها وسم أو «هاش تاغ» #بكتب_بالعربي، في اليوم العالمي للغة العربية. إلا أن الحملة انطلقت بجملة من الأخطاء، إذ أغرم المتفاعلون معها بأنفسهم وطغى عليها طابع الرومانسية والغزل، لتتحول المبادرة بنهاية المطاف إلى مجرد منافسة إلكترونية إما لركوب الموجة أو لإرضاء أصحاب المبادرة.

لم نشهد حملة حقيقية تكرس هويتنا أو تتحدث عن اللغة العربية في سياقها الاجتماعي والأدبي والثقافي وحتى العالمي، بل كانت مجرد حملة تسعى لترويج علامة تجارية، ولم تعمل إلا على ترسيخ حالة الضعف العامة التي تشهدها اللغة. فلم تتحدث الحملة عن تطوير تعليم العربية أو الترجمة منها وإليها، أو عن تراجع استخدامها في المدارس مثلًا. لم تتحدث الحملة إلا عن حب اللغة العربية برومانسية مفرطة لا مبرر لها.

بدأت جملة المفارقات بالوسم نفسه (#بكتب_بالعربي)، إذ تكمن المفارقة في كونه اعتمد العامية بدلًا من العربية الفصحى. بعض المغردين انتبهوا إلى ذلك، وأشاروا إلى ضرورة تغيير الوسم إلى #أَكْتُبُ_بالعربية مثلًا، إلا إذا كانت الحملة احتفالًا باللهجة العامية بالطبع.

لم تتحدث الحملة إلا عن حب اللغة العربية برومانسية مفرطة لا مبرر لها.

لم تتوقف الإشكاليات عند الوسم وحده، بل أن المحتوى بحد ذاته صار في نهاية اليوم ممجوجًا يطبق على القلب: مجموعة من القصائد والمعلقات التي تغنّت بهذه اللغة منذ مئات السنين، أو مجموعة من التغريدات باللغة الإنجليزية تنتهي بالوسم العربي! ما المغزى من أن يكون احتفاؤنا بالعربية لمدة يوم واحد هو عبارة عن مجموعة حروف مصفوفة إلى جانب بعضها دون هدف معين إلا لترويج «الوسم» وعلامته التجارية، ومن ثم نلحقها ببضعة تعبيرات تشير إلى أننا نسبح مع تيار «الموضة» الرائجة؟

هذا أيضًا ليس وحده ما يُعيب الحملة الاحتفالية؛ إذ أننا انشغلنا بتزيين اللغة عن أنسنتها. ففي صبيحة اليوم العالمي للغة العربية، استيقظنا على خبر مقتل 145 شخصًا في مدرسة بيشاور في باكستان، بينهم 132 طفلًا. تويتر وفيسبوك #بالعربي تجاهلا الخبر إلا قليلًا. خلال تصفحي لبعض التعليقات، قرأت تعليقًا بالإنجليزية يقول: «إحدى الأمهات تغيب عن الوعي كل عشر دقائق، وحين تستيقظ كانت تشهق وتبكي: ابني خرج إلى المدرسة دون أن يتناول إفطاره».

ألم تكن لغتنا الأم تتسع لتعليقات على هذا الخبر المؤلم؟ أم أن الاحتفال لم يكن يتناسب مع كل هذا الحزن لمجزرة حصلت في بلد تنفصل إنسانيتنا عنها جغرافيًا، في حين أن اللغات الأخرى كانت أكثر اتساعا لتتحدث عنه؟

من روسيا إلى كوبا إلى العراق إلى الأردن نفسها، أحداث عديدة بعضها تاريخي وبعضها كارثي، وأخرى على تماس مباشر مع حياتنا، كلها بدت تفاصيل صغيرة لا تستدعي أن نكتب عنها #بالعربي.

أيعقل أن تكون عربيتنا بهذه الأنانية والمحدودية؟ أم أننا نحن الذين لم نرى فيها إلا احتفالًا مجردًا من كل شيء نتباهى فيه على شبكات التواصل الاجتماعي؟ الاحتفال باللغة العربية يكون من خلال تطويرها واستخدامها وتوظيفها في التعبير عما يدور حولنا من أحداث، لنكون «بعربيتنا» جزءًا من العالم.

نحن لا ننكر أهمية المبادرات المجتمعية والثقافية التي يتبناها القطاع الخاص، إلا أننا ننكرها حين تتخلى عن دورها الأساسي في حمل فكرتها والوصول إلى هدفها، لتصبح مجرد حملة إعلانية ذات طابع احتفالي.