وثائق سنودن والمنطقة العربية: مقابلة مع غلين غرينوالد في بيروت  

السبت 03 كانون الثاني 2015
glenn-greenwald

ساعدت وثائق إدوارد سنودن المسربة من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) على كشف التعاون بين سلطنة عمان ومقر الاتصالات الحكومي البريطاني لاستضافة مقر تجسس سري على كيبلات الإنترنت البحرية، وكشف اعتماد وكالة الأمن القومي على المخابرات الأردنية وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لتقديم خدمة تجسس حيوية لأهداف فلسطينية، ومشاركة وكالة الأمن القومي بشكل روتيني للمعلومات الاستخباراتية الخام التي يتم تجميعها مع إسرائيل، وتبادل البيانات الاستخباراتية ضمن برنامج سيجنيت مع وزارة الداخلية السعودية.

أيضًا، في مارس ٢٠١٣ جمعت وكالة الأمن القومي الأمريكية ١٢.٧ مليار تقرير استخباراتي من الأردن و٧.٦ مليار تقرير من مصر.

ليس سرًا أن أجهزة المخابرات تتبادل معلومات عن جرائم ومطلوبين، ضمن اتفاقيات ثنائية معلنة وسرية تم توقيعها للحرب على ما يسمى بالإرهاب. لكن لولا هذه الوثائق التي سربها سنودن، الموظف السابق في الوكالة والمطلوب الآن بتهمة التآمر، إلى الصحفي غلين غرينوالد، لم نكن لنعرف بعض تفاصيل تعاون وكالة الأمن القومي مع أجهزة استخباراتية معينة من المنطقة العربية، وانتهاكات التجسس على الملايين من المستخدمين من هذه المنطقة  وحول العالم، وعلاقة الوكالة الحميمة بشركات الإنترنت.

يقول غرينوالد في كتابه «لا مكان للاستخباء»، عادة ما تقوم وكالة الأمن القومي بالحفاظ على علاقاتها  مع شركائها من الدول بدفع مبلغ مالي لها لتطوير تكنولوجيات معينة والضلوع في المراقبة، والإشراف على تطبيق التجسس. يكشف تقرير السنة المالية لـ ٢٠١٢ «مراجعة الشركاء الأجانب» أن دولًا عديدة استقبلت هذه الدفعات، منها: كندا، وإسرائيل، واليابان، والأردن، والباكستان، وتايوان، وتايلاند. نرى مثلًا أن الأردن حصل في تلك السنة على ١.٢ مليون دولار لهذا الهدف. توسعت هذه القائمة في تقرير عام ٢٠١٣ لتتضمن بالإضافة إلى الأردن، السعودية وتونس والإمارات.

في بيروت، وضمن فعالية تحضيرية لمنتدى حوكمة الإنترنت العربي الثالث، قابل فريق لاسلكي من حبر، عبر سكايب، الصحفي غلين غرينوالد الذي ائتمنه إدوارد سنودن على آلاف الوثائق التي سربها من وكالة الأمن القومي، وحاوره حول معنى هذه الوثائق وتسريباتها للدول في المنطقة العربية.

وكالة الأمن القومي والسعودية، الأردن، دول الخليج

لم يرد غرينوالد أن يفصح عن تفاصيل التقارير القادمة فيما يتعلق بهذه المنطقة حتى تمر بآلية النشر من التحرير والحماية والتحقق. ولكنه ركز على العلاقة الوطيدة بين وكالة الأمن القومي ووزارة الداخلية السعودية. «تزور الولايات المتحدة السعودية لتنظيم كافة أعمال التجسس والمراقبة على نفس مواطنيها، ومشاركة هذه المعلومات مع الولايات المتحدة». وقد تكون هذه الزيارة  في كانون الأول الماضي، من آخر هذه الزيارات.علاقة مشابهة تربط الولايات المتحدة بالأردن، وقد يفسر ذلك وصول عدد التقارير الاستخبارية القادمة من الأردن في شهر ٢٠١٣ إلى ١٢.٧ مليار تقرير. «كما قلت سابقًا، الأردن هي من أهم الدول التي تمكن الولايات المتحدة والإسرائيليين من التجسس على غزة وأهداف من السلطة الفلسطينية وممن يعيشون في الضفة الغربية». يفصح غرينوالد عن تعاون وكالة الأمن القومي الأمريكية مع كل حكومات الخليج ذات الصداقة الواضحة مع الولايات المتحدة، مثل قطر والإمارات العربية والسعودية والبحرين. «ما زلنا نعمل على تفاصيل التقارير الحاصلة بين وكالة الأمن القومي والحكومات الأخرى ومنها لبنان ومصر».

النشر ما بين الشفافية والخصوصية

قليلًا ما نرى أفرادًا يقفون وحدهم أمام قوة الدولة، لكشف انتهاكات السلطة عبر تسريب والإخبار عن وثائق من نفس أجهزتها. وضع إدوارد سنودن وغلين غرينوالد، بدرجة أقل، حياتهما على المحك عندما أخذا قرار كشف ما تحاول أن تخفيه أي قوة استخباراتية عن العمليات التي ترتكبها ضد حقوق المواطنين وحرياتهم. الجرأة وتحدي الدولة في نشر تلك الوثائق أبرزت أيضًا السؤال عن القرارات الأخلاقية التي يتم اتخاذها عند اختيار الوثائق لنشرها إلى باقي العالم. ذكر غرينوالد أن سنودن وضع معايير دقيقة لما يرغب بنشره من هذه الوثائق، تتمحور حول مبدأ «أنشر ما سيغذي الحوار العام حول هذه الممارسات، بما لا يعرض حياة الآخرين للخطر». أراد سنودن أن تمر هذه الوثائق بآلية نشر صحفية: وهي التحقق من نضج هذه الوثائق، مناقشتها مع خبراء، وتحديد آلية التحرير.

هنا، سأل أحدهم: «ولكن ما أخلاقية أن يترك قرار تحرير ما سيتم نشره لمبلغي فساد مثل إدوارد سنودن؟»

واجه إدوارد سنودن خيارين: الأول هو ما يفعله معظم من هم في مكانه: لا شيء. والثاني، التضحية بحريته والمخاطرة بالأربعين سنة القادمة من حياته في سجن أمريكي لعلمه بمخالفته للقانون الذي يمنعه من مشاركة هذه الوثائق. هنا، يسأل غرينوالد: إذا أردت تسريب هذه الوثائق، هل تفعل ذلك بدون الأخذ بعين الاعتبار تأثير ما فيها على الأبرياء من الناس؟

«الآلاف من هذه الوثائق كانت نصوص للبريد الكتروني ومكالمات هاتفية جمعتها وكالة الأمن القومي لأشخاص تم اتهامهم بالاسم بضلوعهم في أعمال إرهابية من غير علمهم. بنشر جميع هذه الوثائق على الإنترنت، كنا سنخترق خصوصية هؤلاء الأشخاص بإتاحة اتصالاتهم وسنساعد الوكالة بنشر اتهاماتهم على أن هذه المنظمات إرهابية.

من هؤلاء، خمس شخصيات أمريكية مسلمة ذات مناصب: محام، محافظ وموظف رسمي في عهد إدارة بوش، الرئيس التنفيذي لمؤسسة كير، أكبر مؤسسة تعنى بالحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين، ونشطاء مهمون منهم باحثون وأكاديميون. حصلنا على قائمة من ٣٠ اسم ممن تم إخضاعهم لرقابة تعسفية ولم نرد أن ننشر أسمائهم دون موافقتهم. معظمهم لم يرغب بنشر اسمه حتى لا تلاحقهم سمعة أنهم كانو مراقبين لشكوك خطر إرهابي، خصوصًا عند تقديمهم لعمل. في النهاية، نشرنا أسماء من وافق على الإفصاح بإسمائهم لغضبهم الشديد لكونهم تحت الرقابة. هناك دائما سؤال أخلاقي عمّا يمكن نشره».

إتاحة الوثائق للمؤسسات الإعلامية: ما الذي تغير؟

لم يخبرنا غرينوالد إن كان استعان بأي من المؤسسات الصحفية المستقلة في هذه البلدان لفهم هذه التقارير ووضعها في سياقها المحلي، ولكنه ذكر مثالًا عن تقارير إيران التي تم الاستعانة بمؤسسات إيرانية لفهم سياقها. في إحدى مقابلاته السابقة، صرح غرينوالد أن هناك مخاطرة قضائية في نشر هذه الوثائق وأن النشر سيجعل منه مجرد مصدر بدلًا من صحفي. ولكن في الآونة الأخيرة، أعلن عن تأسيس مؤسسته الصحفية FirstLook غرفة قراءة للوثائق وجعلها متاحة للصحفيين.

«ما الذي تغير في موقفه من مشاركة الوثائق؟»، سألنا غرينوالد:

«أولًا، تأسيس غرفة من هذا القبيل يحتاج أموالًا كثيرة، وتأمين مرافق لحماية هذه الوثائق من الاستعمالات الخاطئة. ثانيًا، هناك مخاطرة قضائية عالية لأي مؤسسة صحفية تقرر أن تنتقل من الإخبارعن هذه الوثائق إلى مشاركتها مع مؤسسات إعلامية أخرى. عندما شاركت صحيفة الغارديان وثائق مع النيويورك تايمز، قامت فضيحة سياسية في بريطانيا اتُهم فيها رئيس التحرير الأعلى، والناشر في صحيفة الغارديان بالعمالة، وظهرت مطالبات لمحاسبتهم كمجرمين لمشاركتهم هذه الوثائق مع مؤسسات أجنبية. ليس لدى المؤسسات الصحفية اهتمام بإنفاق مبالغ لمشاركة الوثائق التي بحوزتهم مع مؤسسات أخرى. لدى الكثير من المؤسسات الإعلامية  جزء كبير من أرشيف وثائق سنودن، وحتى بعد سنة كاملة لم يشاركوها أبدا مع مؤسسات أخرى، لأنها باهضة التكلفة، وعالية الخطورة، وليس من أهدافهم أن يعطوا مصادرهم القيمة الى الصحفيين حول العالم.

نحن كمؤسسة FirstLook، نؤمن بأن علينا إتاحة هذه الوثائق إلى باقي العالم حتى يكون الإخبار عنها سريعًا وفعالًا. سيكون هناك خبراء من جميع أنحاء العالم يعملون مع هذه الوثائق بدلًا من أن نكون وحدنا، لكننا نحتاج إلى الأمن وإلى إطار قضائي يمكنّنا من فعل ذلك بأقل المخاطر».

نصائح لتأمين المعلومات والاتصالات

كونه من أكثر من يمكن أن يكون عرضة للمراقبة، سئل غرينوالد عن نصائحه للنشطاء والمؤسسات الذين يريدون تأمين معلوماتهم واتصالاتهم. يقول غرينوالد: «من أفضل الأمور التي قدمتها التقارير هو زيادة وعي الناس عن حجم المراقبة الفعلي على الإنترنت. هناك أدوات تجعل مراقبة أي جهة استخباراتية، لا أريد أن أقول مستحيلة، بل في غاية الصعوبة. ما زالت هذه الأدوات صعبة الاستخدام، ولكنها من السهولة بما يكفي لتمكنني من  استخدامها بطريقة متقدمة. كل منا يستطيع أن يتعلم استخدام هذه الأدوات، مثل ما يسمى تشفير «الخصوصية الجيدة جدًا» PGP Encryption أو نظام تشغيل Tails، ومتصفح تور (TOR) الآمن. هناك مؤسسات مثل مؤسسة حرية الصحافة، ومؤسسة الجبهة الإلكترونية، تنشر دليلًا مفصل الخطوات عن كيفية استخدام هذه الأدوات. ما زال عليك الحذر عند استخدام هذه الأدوات، فهي ليست آمنة ١٠٠٪ لأن وكالة الأمن وجدت طرقًا للالتفاف عليها. في النهاية، المسألة هي أن تحدد قيمة هذه الأدوات بالنسبة لك. سوف تصبح الأدوات الأصلية أسهل استخدامًا بحيث يكون التشفير جزءا لا يتجزأ لدرجة أنك لن تلاحظ ذلك. إذا كنت ناشطًا أو تعمل في مؤسسة تقوم بعمل يعتبر تهديد للحكومات، لديك واجب في معرفة كيفية استخدام هذه الأدوات».

كيف تضمن FirstLook تأمين هذه الوثائق؟

«نأخذ على عاتقنا مسؤولية كبيرة لتأمين هذه المعلومات لن أتكلم بتفاصيل عن الأدوات التي نستخدمها حتى تبقى سرية»، يقول غرينوالد. «لكن أحد الأمور الجيدة في قضية الوثائق أن لدينا مصدرًا ذا خبرة عالية في الحماية ومدرّبًا بقوة من قبل وكالة الأمن القومي على كيفية تأمين هذه الوثائق، سبق وأعطى محاضرات لموظفي السي آي إيه ووكالة الأمن القومي على حماية معلوماتهم الرقمية.  نستخدم مثلًا طرق تشفير (تعتيم) ثقيلة مثل البرامج والأدوات التي تم الحديث عنها سابقًا. واحدة من أهم الأمور التي نفعلها هو استخدام جهاز لا يمكن شبكه على الإنترنت، بالتالي لا يمكن قرصنته إلا إذا كان أمامك كجهاز».

خاتمة

أعادت وثائق سنودن ترتيب النقاش العالمي حول من يحكم الإنترنت، لتضع خصوصية اتصالات الدول والأشخاص في أولوياته. فهناك الدول التي غضبت لحجم التنصت التي خضع له دبلوماسيوها من قبل الولايات المتحدة، مثل ألمانيا والبرازيل، ما دفع االبرازيل مثلا، إلى التفكير في تغيير نظام الكوابل البحرية حتى تضمن تأمين اتصالاتها بتجاوز أراض الولايات المتحدة. دول أخرى مثل الأردن ومصر لم يهتز لحكوماتها طرف لمعرفة أنها كانت من أعلى أربع دول مراقبة استخباراتيًا من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية.

في دولنا التي لا يُحترم فيها حق المواطنين والصحفيين في الوصول إلى المعلومة، قد نجد في المتابعة الفعالة لهذه الوثائق المسربة من وكالة الأمن القومي،  والمشاركة في فهم سياقها المحلي، فرصة لدراسة حجم الانتهاكات المرتكبة ضد حقنا الدستوري في سرية اتصالاتنا. قد تدفعنا قصة تسريبات سنودن، وطروحات هذه المقابلة مع غلين غرينوالد إلى التفكير كمؤسسات وأفراد عن الآلية المهنية والأخلاقية لحماية وثائقنا ومصادرنا الحساسة. إلى أن يظهر سنودن الأردن، نحتاج المزيد من الجهود البحثية والتوثيقية لحجم الانتهاكات الحاصلة لكي نستطيع تقييم الخطاب الرسمي الداعي لمقايضة الأمن بحريات التعبير والحق في الخصوصية.