حبر تراجع البوكر

رواية مصائر: كونشيرتو الهجرة والعودة

الثلاثاء 26 نيسان 2016
مصائر ربعي المدهون

(تنشر حبر تباعًا مراجعات للروايات الست التي وصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، والتي سيعلن عن الفائز بها في ٢٦ نيسان).

كتب ربعي المدهون روايته الثالثة (والثانية في مشروعه المستمر) «مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015) وفي ذهنه ثلاثة أشياء رئيسية متداخلة: التجريب الأدبي، ومعنى العودة في سياقها الفلسطيني، وتجربته الشخصية. قرأنا هذه المحاور الثلاثة أيضًا في عمله السابق «السيدة من تل أبيب»، والتي وصلت كذلك إلى القائمة القصيرة للجائزة سابقًا، لكننا نقرأها هنا في «مصائر» بشكل أوضح.

في محور التجريب، هناك محاولة مستمرة عند المدهون للهرب من المعالجات التقليدية للرواية الفلسطينية، بناء وسردًا ومحتوى، متأثرًا -باعترافه- بأساليب أعمدة الأدب الفلسطيني الحديث كإميل حبيبي وغيره، متجهًا هنا إلى منحى ما بعد-حداثي في نصه الأدبيّ، في تأكيده على شرعية أسئلة الهوية الفلسطينية المعاصرة والمتداخلة. هيكليًا، يبني المدهون أحداث روايته وتحركات الشخصيات داخلها في مقاربة لشكل «الكونشيرتو» في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، لكن في أربع حركات بدلًا من ثلاث كما هو معتاد في التأليف الموسيقي، وإن كان هناك كونشيرتو من أربع حركات، تقوم على شخصيتين رئيسيتين في كل حركة، تقدم سرده الروائي من زوايا مختلفة ومتداخلة.

نحن بحاجة لإعطاء ربعي المدهون حقه كمجدد فعليّ في الرواية الفلسطينية، والوقت والنقد سيثبتان أهميته، إن لم تفعل الجوائز.

في الرواية ابتعاد واضح عن البكائيات السردية الفلسطينية التقليدية لصالح سرد يستعيد التاريخ، ولا يخلو من تساؤلات مبطنة بسخرية سوداء، قد تُحضر إلى الذهن مقاربة سينمائية مع المخرج الفلسطيني إيليا سليمان وأسلوبه في التعليق الصامت على عمله بظهوره في الفيلم، وهو ما يفعله المدهون في الحركة الثالثة من الرواية، كنوع من استخدام بسيط وسريع لأداة «إدراج النفس» الأدبية، خدمة لقصٍ ما-ورائي على لسان شخصية الراوي الأساسي من جهة، الذي يعي في الحركة الثالثة أنه شخصية في روايات المدهون، ومن جهة أخرى متمثلة في رواية «فلسطيني تيس» التي تظهر في الحركة الثانية، التي تكتبها شخصية «جنين دهمان» عن «محمود دهمان»، والدها وشخصيتها المتخيلة الفلسطيني التيس «باقي هناك»، في الآن ذاته.

من ناحية أخرى، هناك اعتناء بالخيال دون أن يكون على حساب التاريخ نفسه، طارحًا أسئلة مشروعة عن الواقع المعاصر في محور المدهون الثاني، العودة ومعناها، متفاعلًا أيضًا مع المحور الشخصي، أي مع عودة الروائي (ربعي المدهون) بشخصية الراوي (وليد دهمان) مرة أخرى بعد «السيدة من تل أبيب»: الروائي الفلسطيني المهجر الذي استقر في بريطانيا لاحقًا وحمل جنسيتها. في حين عاد وليد دهمان إلى غزة في الرواية الأولى، يعود هذه المرة إلى فلسطين بصحبة زوجته «جولي» البريطانية اليهودية، لتحقيق وصية «إيفانا» (والدة جولي)، الأرمنية الفلسطينية التي ولدت في عكا قبل أن تهاجر إلى بريطانيا بعد زواجها من الضابط البريطاني «جون ليتل هاوس» إبان النكبة، والمتمثلة في أخذ بقايا رماد جثتها لتعود إلى عكا، بعد أن نثر نصف رمادها في هواء لندن فوق نهر التايمز. وأيضًا اقتراح جولي لوليد الانتقال إلى عكا والاستقرار فيها.

هناك أيضًا جنين دهمان الروائية الفلسطينية/الإسرائيلية وقريبة وليد، وزوجها باسم اللذيْن عادا من أمريكا ليستقرّا في يافا. ومحمود دهمان (الفلسطيني التيس/باقي هناك) بطل رواية جنين الذي هجر إلى غزة من المجدل عسقلان ثم عاد إلى الدولة الجديدة كفلسطيني شيوعي يحلم بالعيش المشترك.

كل الشخصيات (وحتى الثانوية منها) تتواجه مع مفهوم الهوية والعودة على طريقتها، وتتواجه أيضًا ثنائيات مختلفة داخل حركات الرواية الأربع: الهجرة والعودة، فلسطيني الـ48 وفلسطيني الضفة الغربية، الفلسطيني/الإسرائيلي والإسرائيلي، العربي واليهودي، الضحية والضحية. يمزج المدهون في «مصائر» الواقع الفلسطيني المتمثل بحيوات شخصياته المختلفة بأسلوب تجريبيّ يسرد التاريخ ويقدم الواقع دون تكرار لمعالجات أدبية مملة. هي رواية هجرة داخلية وخارجية، وتهجير وتوطين إجباري، وكل يحاول العودة.

نحن بحاجة لإعطاء ربعي المدهون حقه كمجدد فعليّ في الرواية الفلسطينية، والوقت والنقد سيثبتان أهميته، إن لم تفعل الجوائز.