حين يخذل الفنان والإعلام بعضهما

الأحد 06 كانون الأول 2015

لماذا لا توجد لدينا صناعة نجوم في الساحة الفنية الأردنية؟

حتمًا هناك عوامل عدة تجيب على هذا السؤال، ومعظمها موجودة حقًا ولا يخترعها الفنان الأردني، ولكن بين حين وآخر يخرج عددٌ من الفنانين الأردنيين في مقابلات مختلفة ليجيبوا على هذا التساؤل قائلين أن الإعلام الأردني «لا يدعم الفنان».

عملتُ في مجال الصحافة الفنية والثقافية ما يُقارب الخمسة عشر عامًا بين متدربة وصحفية ومحرّرة أخبار فنية وثقافية، وتابعت المشهد الفني الأردني عن كثب، وكنت قريبة من المشهد الفنّي العربي، وفي كثيرٍ من المقابلات التي كنتُ أجريها مع فنانين أردنيين كنت أستمع للشكوى الدائمة: «الإعلام الأردني لا يدعم الفنان».

 المؤسسة الرسمية التي طالما عززت الدور البيروقراطي في الفن الأردني، وشجعت الفن ذا الطابع الوطني أو الأغاني التي تتملق لأجهزة الدولة دون غيرها، ساهمت في تردي حالة الإعلام والفن معًا.

المنظومة الإعلامية الأردنية؛ المقروءة والمسموعة والمرئية ليست الأفضل بكل تأكيد، وهي مقصّرة في بعض الأحيان بحق الفنان الأردني، لكن ذلك ينطبق أيضًا على الفنان المقصّر بحق ذاته. فكما أن بعض الإعلاميين مقصرون أحيانًا في متابعة أخبار الفن والفنانين، فهناك أيضًا فنانون مقصرون بحق فنهم وأنفسهم؛ فنانون يتجاهلون الإعلام ويبتعدون عنه، ويتعاملون مع الإعلام وكأنه أداة مُسخّرةٌ بين أيديهم، يلجأون لها متى احتاجوها، ويتجاهلونها متى انتفت الحاجة.

المشهد الفني الأردني ليس أفضل حالًا من مثيله الإعلامي، ذلك أنه أيضًا مشهدٌ منطوٍ على نفسه، لم يستطع حتى اليوم أن يمشي خطوات حقيقيّة إلى الأمام، ولا استطاع الخروج من قمقمه، هو أيضًا مشهد أعضاءه لا ينافسون إلا ذواتهم، وضعفه هذا يزيد من صعوبة انتشاره عربيًا، ويعزز ضعف المنافسة محليًا، ويفاقم في تباطؤ التطور في المشهد ككل.

وعلى مدار عقود، ظل التراشق بين الإعلاميين والفنانين في الأردن يدور في حلقة مفرغة، كل طرف يلقي اللوم على الطرف الآخر، لكن ما أراه هو أن تشوه المشهد جزء من تشوه المنظومة الثقافية كاملة، بما فيها الفنان والإعلام على حدٍ سواء، ومما يزيد الحال سوءًا أن هذا التراشق لم يتوقف ليتحول إلى حالة منتجة، يعمل فيها الطرفان على رأب الصدع الموجود، لكنه على العكس من ذلك تحوّل إلى ما يشبه القطيعة، ليعمل كل طرف على حدة، دون الالتفات إلى الآخر، أو الاعتراف بحاجة كل طرفٍ للآخر.

كيف يخذل الفنان الإعلام، والعكس صحيح؟

على الرغم من تباطؤ المشهد الإعلامي الأردني إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن هناك محاولات جادة لمتابعة المشهد الفني الأردني والاهتمام بالفنان، ومع ذلك نجد أن هناك بعض الفنانين يتعاملون هذه المحاولات إما باستعلاء أو لا مبالاة.

فعلى سبيل المثال، يضطر الصحفي أحيانًا إلى الاتصال بالفنان مرارًا وتكرارًا، وملاحقته في كل مكان من أجل إجراء مقابلة صحفية أو الحصول على تصريح صحفي عن عمل أصدره أو حتى عن حفلٍ هو بصدد إحياءه، لكن دون جدوى، فإما أن يتهرب الفنان أو يؤجله ليومٍ آخر أو حتى يوافق على إجراء المقابلة لكنه يختفي ما أن يبعث له الصحفي الأسئلة.

الحال ليس أفضل عند الفنان المجتهد، فذلك المسكين مضطر لزيارة الصحفيين كلٌ في مكاتبهم، ودعوتهم إلى فعاليته أو إرسال نسخٍ من أعماله، وأحيانًا يقوم حتى بكتابة الخبر الصحفي نفسه ليضمن انتشاره، لكن الصحافة الأردنية لسبب أو لآخر تتقاعس عن تغطية فعاليته وتكتفي بنشر خبر بسيط عنه.

ماذا ينتج لدينا هنا؟

ينتج لدينا بعد كل هذا زيادة في الفجوة، وتشوهٌ أكبر في المشهد الذي لم نستطع بناءه حتى اليوم، فنجد أن الإعلامي الذي كان يعمل بشكل فردي، ويسعى إلى إحداث فرق ما قد أُصيب بإحباط، وبات يُلقي باللوم على الفنان بتهالك المشهد، الذي هو في الأساس مشهد وهميٌ، فيصبح الأمر لديه سيّان، وينضم إلى  باقي الجسد الإعلامي المتقاعس عن أداء دوره.

أما الفنان الفاعل، فهو أيضًا سيصاب بالإحباط، وسيصبح ناقمًا على الإعلام الذي كان جزءًا من المنظومة التي لم تُسهم في نجاحه أو انتشاره أو صناعة نجوميته. سيصبح أكثر انطوائية على نفسه، مبتعدًا أكثر عن الإعلام وحتى عن المنظومة كلها، سينافس نفسه بدلًا من الدخول في منافسة مع مَن هم في المشهد معه، وبدلًا من أن يتطور ويتقدم إلى الأمام سيبقى في مكانه، معتقدًا أن ما يقدمه هو الأفضل وأنه فوق أي نقد.

أخيرًا

ما أزال مُصرةً على أنني حتى اليوم لا أرى تغيّرا جوهريًّا على المشهد كله، ما أراه هو مجرد محاولات فردية تحاول السير في شارع مُحطم، وما تلبث أن تتعثر، وذلك لا يعني أنه لا أمل في تغيير ما يحدث، لكن هذا التغيير بحاجة إلى قرارٍ مؤسسي ترعاه الدولة وتسعى إلى ترسيخه، فما نراه اليوم هو أزمة في منظومة صناعة المشهد الفني الأردني بمؤسساته كلها، بما فيها الفنان والإعلامي الفاقدين الثقة ببعضهما وبالمؤسسة الرسمية أيضًا، واليائسين من هذا المشهد.

فالمؤسسة الرسمية التي طالما عززت الدور البيروقراطي في الفن الأردني، وشجعت الفن ذا الطابع الوطني أو الأغاني التي تتملق لأجهزة الدولة دون غيرها، على اعتبار أن باقي أنواع الغناء لا قيمة ولا جمهور لها، ساهمت في تردي حالة الإعلام والفن معًا.

وما تبقى هو دائرة صغيرة من إعلاميين وفنانين يحاولون رسم صورة جديدة خارج هذا المشهد، إلا أن ترسبات عقودٍ من الفعل البيروقراطي الرسمي وتغييب الهوية الحقيقية للفن الأردني وحصره بالبداوة دون الريف، ظلّت تلاحق هذه الصورة لتمنعها من الوقوف حقًا على قدميها.