180 كيلومترًا بين عالمين: النشاط الثقافي ما بين دمشق وعمّان

الثلاثاء 01 أيلول 2015
دمشق كتب
بائع كتب في البلدة القديمة في دمشق. مظفر سلمان، الأسوشييتد برس.

لم يكن لي أن أتخيل أن مسافة 180 كيلو مترًا قطعتها من دمشق إلى عمّان ستكون كافية لنقلي إلى عوالم ثقافية مختلفة تمامًا، سواء على الصعيد الأدبي والنقدي، أو النشاطات الموسيقية والمسرحية والسينمائية.

النقد والقراءات الجماعية

من الطبيعي في دمشق أن تجد في كل يوم أمسية شعرية وقصصية في أحد مراكز وزارة الثقافة المنتشرة في دمشق والتي لا تبعد عن بعضها الكثير، أو في مقر اتحاد الكتاب العرب أو اتحاد الكتاب الفلسطينيين، حيث تنشر وزارة الثقافة كل شهر برامج أمسياتها الأدبية. ومع أن جمهور هذه الأمسيات كان يعد على الأصابع، إلا أنها كانت تجمع معظم الكتاب على اختلاف تجاربهم وأعمارهم.

تلي تلك الأمسيات جلسات نقدية يرأسها أحد النقاد الأكاديميين والشباب المبدعين، ما منح العديد من الكتاب الشباب اطلاعًا على المنهجية النقدية، وأكسبهم مهارات في الكتابة القصصية وأساليبها، إضافةً إلى اطلاعهم على رؤى واسعة ومختلفة حول الأشكال الشعرية الحديثة، وهذا ما لم أجده في عمّان.

في عمّان، اختصّت الفعاليات الثقافية بجلسات قراءات الكتب ومناقشتها، سواء على كان هذا الأمر شبه رسمي من خلال رابطة الكتاب أو من تنظيم شباب ومثقفين لمجموعة من نوادي القراءة المنتشرة في عمّان. أذكر أن أول جلسة قرائية شهدتها في عمان كانت تتناول مجموعة قصصية لغسان كنفاني، وعندما بدأت الحديث عن الأسلوب القصصي في المجموعة شعرت بشرخ كبير في الجلسة، حيث أن هذه الجلسات كانت تتركز على النقاش حول فكرة النص وتناول شخصياته، بعيدًا عن الخوض في لغة النص والأسلوب ومحاكمته أو تحليله على هذا الأساس، مما يضعف القدرة على تطوير القدرة الإبداعية لدى الكتاب الشباب.

وعلى ذلك، فقد لاحظت غيابًا حقيقيًا للقصة القصيرة في الأردن بالنسبة لما هو عليه الوضع في سوريا وذلك يتضمن الكتب النقدية والقراءات الأسلوبية، إضافة إلى مسابقات القصة القصيرة المهمة في دمشق والغائبة في عمّان. كذلك الأمر بالنسبة لقصيدة النثر، حيث يكون التركيز الأكبر في مناقشات الكتب هذه على الروايات وبعض الكتب الفكرية والدينية.

إنّ ما يميّز عمّان هو قدرتها على جذب فئة الشباب وانتشار مجموعات القراءة بشكل كبير مما يردم الهوّة ما بين المثقف وعموم القراء، إضافةً إلى النقاشات الهامة لكتب فكرية وفلسفية، وهذا ما كان محرمًا في دمشق إلا في جلسات سريّة، حتى أنني أذكر في بداية دخولي للجامعة، ولغياب الكثير من الفعاليات الثقافية والإبداعية بين الشباب لدواعي أمنية، كنت أدون اقتباسات من الكتب التي اقرأها على السبّورة قبل دخول الدكتور المحاضِر. ورغم امتعاض بعض  الطلاب، إلا أن الفكرة انتشرت بعد مدّة في الجامعة وأصبحنا نتناول عبرها حتى معلومات مختلفة، لكن الموضوع ما لبث أن يتطور ليتم استدعائي لعميد الكلية وتوبيخي على القيام بهذه الأعمال دون تصريح أمني!

المسرح لدمشق والموسيقى الحديثة لعمّان

بوسع أي مطلّع أن يرى غياب النشاط المسرحي في عمان، مقارنة بما هو عليه الحال في دمشق. فالمسرح الأردني لا يزال يبحث عن أرضية حقيقية رغم وجود العديد من المسرحيين المبدعين وكتاب المسرح، فاز أحدهم مؤخرًا بجائزة عربية عريقة للنص المسرحي.

غير أنّ دمشق لا تزال تتفوق في العروض المسرحية سواء بنصوص سورية أو مترجمة، وبقدرات عالية، مدعومة من مديرية المسرح في دمشق، إضافةً إلى عراقة المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق وضعف تدريس المسرح في الأردن.

في المقابل، استطاع الشباب الأردني أن يحقق بصمة حقيقية في عالم الموسيقى، حيث انتشرت العديد من الفرق الشابة الغنائية وحققت جماهيرية واسعة وإقبالًا نوعيًا، إضافةً إلى الحفلات الموسيقية والغنائية النوعية التي باتت تعقد في الأردن بتواتر غير منقطع.

دمشق تجاوزت ذلك قبل بداية الحرب، حيث بدأت الفرق الموسيقية والموسيقيين السوريين بالنشاط فيما كان يسمى «موسيقى بالشارع»، حيث كانت تمتلئ في كل جمعة ساحات دمشق بالموسيقيين السوريين والغربيين إن كانوا متواجدين في البلاد، وشكلت هذه الظاهرة حالة من الجذب لجميع المتذوقين بحيث تتنوع الفرق في كل ساحة من الجاز إلى الروك إلى الموسيقى الشرقية أو حتى الكلاسيكية. إلا أن عامة الجماهير لم تنجذب لأغلب تلك الفرق لعمق الشرخ بين الحالة الجماهيرية وتلك الأنواع من الموسيقى. أذكر أن فرقة كانت تعزف لشوبان أمام الجامع الأموي ذات يوم ولم يكن الكثير ينتبهون إليهم، إلا أنهم عزفوا موسيقى«النمر الوردي» فاجتمع الناس حولهم وبدأوا يرقصون، لتعود الفرقة بعدها لتعزف شوبان بطريقة أخرى محاولة إبقاء المستمعين. كل ذلك دلّ على ضعف العلاقة بين المثقف بموسيقاه النوعية والجماهير في دمشق، ورغم أن البعض قد يسحب ذلك على عمّان أيضًا، إلا أن هذه العلاقة أكثر متانة فيها إلى حدٍ ما.

بسطات الكتب والمعارض الشعبية

يُعرف عن المثقف السوري أنه مثقف «جسر الرئيس»، حيث تنتشر بسطات الكتب المستعملة والمهمة بأسعار زهيدة. وعدا عن ذلك، فإن دور النشر الموجودة في سوريا تعج بما هو قيّم سواء في المنشورات الحديثة أو القديمة، كمنشورات المركز الثقافي الروسي لدار رادوغا الشهيرة. كما أن معرضًا واحدًا دوليًا يعقد في دمشق، وتقدم فيه خصومات جيدة على الكتب.

في عمّان لن تحتمل أن تشتري الكتب من معرضها الدولي، وعند سؤالك لدور النشر عن سبب ارتفاع هذه الأسعار سيخبروك عن المبالغ الضخمة التي عليهم أن يدفعوها للمشاركة ودفع إيجار مكانهم في المعرض!

وبعيدًا عن المعرض الدولي في عمّان ستجد الكثير من المعارض التي تنشط على مدار العام في بيع الكتب بأسعار معقولة، وبعضها بأسعار زهيدة، خاصة في المعارض التي تُعنى بإعادة تدوير الكتب المستعملة بين الناس. لكن في ما عدا عن ذلك، وفي المكتبات بالتحديد، فإن أسعار الكتب مرتفعة جدًا مقارنة بما عليه الحال في دمشق.

لجأ إلى عمّان العديد من المثقفين الفنانيين والموسيقيين والمسرحيين والتشكيليين السورييين، واستطاعوا أن يضيفوا لونًا جديدًا إلى الثقافة في الأردن وأن يتمازجوا مع أسماء أخرى، فانتشرت مجموعات شعرية وقصصية وفكرية، وأقيمت العديد من الأمسيات الأدبية لسوريين، والمعارض الفنية، إضافةً إلى عدة مسرحيات قام بها السوريين في عمّان.

قد تتفاجئ إن علمت أن الأمسيات الأدبية لا تزال تعقد بشكل دوري في دمشق رغم الحالة الأمنية السيئة التي تمر فيها، وأن العديد من المسابقات لا تزال تتابع دوراتها، إضافةً إلى استمرار عملية طباعة الكتب وإن كان بوتيرة أخف بعد إغلاق العديد من دور النشر، حتى أن هناك مسرحيات لا تزال تعرض. الكثير من هذه الفعاليات الثقافية يتم استغلالها سياسيًا، وهو أمر غير جديد بالطبع، إلا أن الإصرار على الاستمرار يعطي القليل من الأمل بما هو آت.