فيلم «هي»: التكنولوجيا بديلًا عن العلاقات الإنسانية

الأربعاء 25 تشرين الثاني 2015

يمكن تصنيف «هي» على أنه فيلم «فكرة» يخلو من الصناعة السينمائية المعتمدة على التقنيات البصرية. وهذا غير مستغرب في فيلم يناقش أزمة الإنسان الحديث في علاقته مع التكنولوجيا كأداة تواصل وتأثيرها عليه ككائن اجتماعي. فكما يقول الناقد ميك لاسال، في دورية سان فرانسيسكو: «التفكير في الفيلم أمتع بكثير من مشاهدته».

وبالفعل فإن الفيلم الذي أنتج عام 2013 وترشح للعديد من الجوائز، منها أفضل صورة، فاز كاتبه ومخرجه سبايك جونز بجائزة أفضل سيناريو أصلي في عدة مهرجانات مثل أكاديمي أووردز، غولدن غلوب أووردز. لكن بطل الفيلم خواكين فينيكس، صاحب الأداء المميز والأدوار المعقدة، لم يتمكن من إبراز موهبته في زخم الأفكار التي يناقشها الفيلم.

منذ اللقطة الأولى يظهر بطل الفيلم ثيودور وهو يقوم بعمله ككاتب رسائل حب خاصة يكتبها بناء على طلبات زبائنه، ويتسع المشهد لتظهر صالة الشركة التي يعمل فيها وهي تعج بآخرين يؤدون الوظيفة ذاتها. لقطة واحدة بلا حوار، يتلو فيها ثيودور بعض عبارات الحب التي تذوي تدريجيًا وتختلط مع تمتمات زملائه بعبارات مشابهة. لقطة تعكس كيف يخسر الإنسان المعاصر قدرته الطبيعيّة على التعبير عن مشاعره فيستسهل استعارة رسائل حب جاهزة من الانترنت ليرسلها إلى زوجته، ابنته أو صديقته.

يغادر ثيودور عمله إلى شارع مزدحم بالناس لكنه لا يسمع، ولا نسمع، سوى الصوت القادم من سماعة الجهاز المثبت بأذنه، ويصعد «الترام» ويندس بين حشد من الناس، يتحدثون فرادى مع سماعاتهم المعلقة بآذانهم.

يصل شقته الحديثة في برج محاط بأبراج تحجب السماء، يحاول النوم فتلح عليه رغبة جنسية يحاول إطفاءها بنفسه مع مساعدة برنامج إلكتروني يوفر تسجيلات صوتية تفاعلية كبديل عن الشريك في العملية الجنسية، لكنه لا ينجح.

في اليوم التالي يشتري ثيودور أحدث «نظام تشغيل» يتمتع بذكاء اصطناعي قادر على التطور خلال استخدامه من قبل البشر. وتبدأ «العلاقة العاطفية» بين ثيودور و«نظام التشغيل» الذي يصبح اسمه سمانثا (يتمثل لنا في صوت الممثلة سكارليت جوهانسون)، ويجد فيها ثيودور تعويضًا عن علاقته المفقودة مع طليقته كاثرين.

يبدأ التعارف بين ثيودور وسمانثا (نظام التشغيل) بطلبها منه إذن الدخول إلى ملفاته الخاصة على جهازه بما فيها بريده الإلكتروني ومراسلاته التي تتصفحها في ثوان لتجمع ما توفر من معلومات عن «مستخدمها» ثيودور، لتوظفها لاحقًا في التعرف على شخصيته وتلبية رغباته النفسية.

وتتطور علاقة ثيودور (الإنسان) مع سمانثا (نظام التشغيل)، وخلالها تتطور شخصية سمانثا الاصطناعية لتتلاءم أكثر فأكثر مع متطلبات ثيودور العاطفية. ويزداد ارتياحه واكتفاءه وإدمانه على علاقة تبدو له «مثالية» مع شريك غير متطلب وموجود فقط ليلبي احتياجاته النفسية. فخلال الحوارات بينهما يعبر ثيودور عن مشاعره الإيجابية فقط وتردد سمانثا عبارات تشجيعية مثل «رائع.. أنا سعيدة من أجلك».

بعد مرور شهرين على علاقته مع سمانثا/نظام التشغيل، يلتقي ثيودور مع زوجته السابقة كاثرين لتوقيع أوراق الطلاق. ولم تكن كاثرين قد ظهرت من قبل سوى في لقطات لذكريات جميلة يسترجعها ثيودور بين الفينة والأخرى. ويجري أول حوار «واقعي» بين زوجين أو طليقين، يتحدث ثيودور عن علاقته مع سمانثا «الفرحة والمتحمسة دوما في الحب»، فتقاطعه بأنه أرادها أن تبدو دوما فرحة، منطلقة ولا تشكو من شيء، لكنها ليست كذلك.

وعندما يخبرها بأن سمانثا هي نظام تشغيل، تثور كاثرين وتصفه بأنه غير قادر على التعامل مع المشاعر الحقيقية للبشر، فهو دفعها خلال زواجهما لتناول العقار المضاد للاكتئاب «بروزاك» لتبقى فرحة طوال الوقت، والآن يقع في حب جهازه الذي ينفذ ما يريده هو.

فيلم عن الحياة

«هي» ليس فيلمًا عن علاقة الإنسان بتكنولوجيا الاتصال الحديثة وتأثير هذه التقنيات على علاقاته الإنسانية وحسب، بل فيلم عن الحياة نفسها، عن عزلة الفرد ومشاعر البشر، عن ماضي الفرد وحاضره ومستقبله، عن اللغة والعلاقات الإنسانية، وتأثيرها على المشاعر.

فمنذ اللقطة الأولى، كما أشرنا سالفا، تظهر صورة البطل وهو يحتل الشاشة كلها، وحيدًا، محبطًا، شارد الذهن، يعاني من تبعات زواج فاشل، لا يملك سوى صديق أو إثنين، عاجزًا عن التخلص من الماضي، وغير قادر على التحرك إلى الأمام ومواصلة حياته واستئناف علاقاته الطبيعية.

يلخص الحوار، والفيلم عموما، مشكلة الإنسان غير القادر، أو غير الراغب، على تحمل متطلبات العلاقات الطبيعية مع البشر وتنوع المشاعر الحقيقية المكوّنة للإنسان، من حزن وفرح، إحباط وحماسة، حب وكره، غضب وتسامح. لكن ما هي الحياة إن لم تكن حصيلة كل تجاربنا الناجحة والفاشلة، وقدرتنا على الشعور والإحساس بلحظات الفرح والحزن. هذه هي الحياة بكل تفاصيلها، التي ستسعى سمانثا نفسها إلى الوصول إليها وتجربتها وعيشها.

«هي» ليس فيلمًا عن علاقة الإنسان بتكنولوجيا الاتصال الحديثة وتأثير هذه التقنيات على علاقاته الإنسانية وحسب، بل فيلم عن الحياة نفسها، عن عزلة الفرد ومشاعر البشر، عن ماضي الفرد وحاضره ومستقبله، عن اللغة والعلاقات الإنسانية، وتأثيرها على المشاعر.

ويعكس الفيلم موقفا نقديًا تجاه العلاقة «غير الطبيعية»، و«غير الناجحة» مع التكنولوجيا، عندما تصبح بديلًا عن العلاقة مع البشر. وكلما تطورت علاقة الإنسان مع البديل التكنولوجي ضعفت مقدرته على احتمال متطلبات العلاقة المتكافئة والندية مع الشريك الإنسان.

يظهر الفيلم كيف يحاول الإنسان الهروب من عزلته باللجوء إلى التكنولوجيا كوسيلة تواصل، فيزداد عمق عزلته بزيادة اعتماده وإدمانه على تكنولوجيا قد توفر له بعض احتياجاته النفسية من دون أن يقدم شيئا في المقابل. لكن يتبين في نهاية الفيلم أنه حتى التكنولوجيا، أو «نظام التشغيل سمانثا»، تتطور لديها متطلبات مستحقة على «المستخدم». شيء ما يتغير في سمانثا، وتصبح لها «شخصية» خاصة، شخصية قادرة على تطوير مشاعر جديدة مثل القلق أو الإحباط، وتسعى إلى تجربة الحياة بنفسها. لكن سمانثا لا تتغير بنفسها ولنفسها بل تُغيّر أيضا في حياة مستخدمها.

الذكاء الاصطناعي: هل يهدد الإنسان؟

يحذر فيلم «هي» من تطوير ذكاء إصطناعي شامل، يعتبره بعض العلماء تهديدًا لبقاء الجنس البشري نفسه. يقول العالم الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ أن «تطوير ذكاء إصطناعي شامل قد يمهد لنهاية الجنس البشري»، ويوضح أن بمقدور تقنيات الذكاء الإصطناعي أن تعيد تصميم نفسها ذاتيا وتتطور بشكل متسارع، وهو أمر لا يستطيعه الجنس البشري، مما قد يؤدي إلى استبدال التقنيات الإصطناعية بالإنسان كونها أكثر تطوراً.

في الفيلم تعبر سمانثا عن «حماسها» وتقول «إنني أتحول إلى أكثر مما أراده المبرمجون». وكما في أفلام أخرى تناولت الموضوع، فإن سمانثا ستكف عن كونها مجرد برنامج أو «روبوت»، مجرد خليط من البرمجيات والمعدات، وستتحول إلى ما هو أكثر من ذلك، إلى «جنس» ما جديد سوف يهدد البشرية.

دار حول الفيلم نقاشات كثيرة، منها الجدل حول ما إذا كان الفيلم يناقش مستقبلنا أو حاضرنا. بيد أن أغلب النقاد رأوا أن الفيلم يناقش الحاضر، فتأثير التكنولوجيا الجديدة وأجهزتنا الذكية وشبكة الإنترنت، صار واقعًا ملموسًا. ويكفي أن نشير إلى دراسات حديثة أثبتت أن الإنسان أصبح مع «غوغل» ومع الهواتف الذكية وغيرها، أكثر عرضة للنسيان وأقل قدرة على التذكر أو أقل ذاكرة مما كان عليه سابقًا، ومن منا يحتاج للذاكرة أو حفظ أي عبارة أو عنوان طالما لديه «غوغل».

يناقش الفيلم، في جانب منه، فكرة الوقوع في غرام أجهزتنا الذكية، في غرام الذكاء الإصطناعي الذي اخترعه الإنسان نفسه، وتطوِّر هذا الذكاء وتمرده على الإنسان. هذه الفكرة ليست جديدة، بل تناولتها أفلام سابقة، لكن الأصيل والجديد في فيلم «هي» هو أنه قدمها على أنها راهنة، أي أننا نعيشها الآن وهنا، وليست مجرد خيال علمي.

هناك أعمال كثيرة حاولت كشف المتغيرات الاجتماعية الجارية، وتوجيه وعي المشاهد نحو جوانب جديدة في الحياة، جوانب قد تكون خفية رغم حضورها، و«هي» من هذه الأعمال، فقد استطاع بلغة شاعرية وحوارات متماسكة، مناقشة جملة من هذه المتغيرات، وهو لذلك سيبقى فيلما تجب مشاهدته من قبل كل المغرمين بالتقنيات الحديثة، ولكل مهتم بتأثير هذه التقنيات على السلوك البشري.