هاشتاغ أم وسم: حوار حول أزمة ترجمة المصطلحات التقنية

الأحد 22 تشرين الثاني 2015

«بصمة» أو«وسم» أو«علامة المربع» أو«الهاشتاغ»؟  يستمر النقاش في المكتب لما يقارب ساعة حول الترجمة العربية الأكثر مناسبة لكلمة «Hashtag».

التبني المتأخر في العربية لمفردات جديدة تعبرعن سياقات ثقافية تقنية وتطلعات نصية وفكرية، صعّبت من كتابة أو ترجمة أي مقال تقني وجعلت حتى من ترجمة كلمة «Geek» محط جدل، لكنها بنفس الوقت، خلقت نقاشات جديدة حول القواعد الضمنية للغويات التقنية العربية. مضى أكثر من شهر على نشر حبر مقال المدون الإيراني حسين درخشان ، بالعربية بترجمة عمر فارس وبعض التعديلات من فريق التحرير.  في الوقت الذي لاقى المقال رواجًا كبيرًا من القراء في المنطقة، كانت فلسفة الترجمة الأصح للمصطلحات والمفاهيم التقنية الرائجة بالإنجليزية إلى العربية محط جدل كبير اتُهم فيها بعض المحررين بأنهم «قوى اللغة الرجعية» لإصرارهم على إيجاد كلمات مرادفة بالعربية لمصطلحات تقنية بدلًا من الاستعارة الصوتية للمرادفات الأجنبية.

ننقل إليكم هذه النقاشات هنا:

سفيان الأحمد: مصطلح تيار هو مصطلح مستخدم في السياسة والفكر والفيزياء (تيار كهربائي) إلّا أنه غير موجود في علم الحاسوب، فلِمَ تم اخياره وعلى أي أساس؟ المصطلح ببساطة خاطئ ويتعدى كونه ترجمة لستريم، واختيار مصطلح خاطئ يدل بوضوح على أن محرري المقال غير مختصين أو مجرد هواة. فكلمة تيار يقابلها باللغة الإنجليزية current وليس stream وكون ستريم ليست موجودة في مختار الصحاح لا ينفي أنها أصح، فقد استخدمتم مصطلح تلفاز في المقالة ذاتها فلم لم تستخدموا مصطلح ناقل بصري؟ استخدام مصطلحات اعتباطية لا يليق بموقع يقدم محتوى جيد.

دعاء علي:  اختيار كلمة تيار كترجمة stream يعود لكونها أقرب كلمة عربية للمعنى في سياق المقال. كما أن كلمة تيار تستخدم عربيًا وفي سياق صحفي للدلالة على مجرى الاتجاهات (التيار السائد، عكس التيار، إلخ). قد لا تكون الكلمة مطابقة في المعنى لـمصطلح stream ولذا تم الإبقاء على الكلمة الإنجليزية بين أقواس في أول ورود لها، لكنها أقرب الموجود والمتعارف عليه عربيًا. بالتأكيد ليست كلمة تيار معتمدة في علم الحاسوب، كون اللغة العربية غائبة أساسًا عن هذا العلم، لكننا نفضل الاجتهاد في البحث عن أقرب الترجمات بدلًا من الركون إلى الإنجليزية، خاصة وأن الترجمة تصبح بلا فائدة إذا لم تشمل الكلمات المفتاحية في المقال.

هنا نقلنا النقاش من فريق التحرير الى مجموعة أكبر ممن ينخرطون بشكل يومي في إشكالية الترجمة للعربية:

ريم المصري:  نحن في نقاش مستمر على ترجمة بعض المصطلحات التقنية إلى العربية. ملخص الصراع كان ما بين ترك الكلمات التقنية كما هي معروفة بالإنجليزية أم محاولة إيجاد مرادف لها بالعربية مع الإشارة الى اسمها المتعارف عليه/الأصلي بالإنجليزية. أكثر المصطلحات جدلية كانت الآتي:

  • Stream التي ترجمت الى  «تيار» إشارة إلى تيار الماء الأحادي الوُجهة في والذي لا يمكن استرداد ما ذهب منه كما هي آلية عرض مشاركات أصدقائك على الفيسبوك في صفحة «Home» أو في الإنستغرام.  
  • Hyperlink ترجمت  إلى الرابط التشعبي.
  • Hybertext ترجمت إلى النص التشعبي.
  • Nodes ترجمت إلى نقاط.

برأيكم، ما هي الترجمة الأفضل للمصطلحات السابقة؟ هل كان علينا ابقاؤها كما هي بالإنجليزية دون محاولة إيجاد مرادف لها، أم كتابتها بالعربية (ستريم، نود، هايبرتكست)، أم استحداث كلمة جديدة عربية تعود إلى الاسم الذي أطلق عليها أصلًا مثلما تم اعتماد كلمة  «تلفاز» و«تلفون» مثلًا؟

أحمد غربية:  node اصطُلح على ترجمتها «عقدة» وهذا مردّه إلى كونها مستعملة في الأدبيات الهندسية فهي متآلفة متافوريا (المحرر: متافوريا يقصد بها رمزيًا) مع استعمال «شبكة» إذ تتألف الشبكة ماديا من عقد.

لقد تهربت طويلًا من ترجمة hypertext و hyperlink اللتين كانتا شائعتين في مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى زالتا من الاستعمال تقريبا في أيامنا هذه، وذلك بسبب عدم استساغتي استعمال «متشعّب» الشائعة التي أرى فيها تحميلًا زائدًا للمعنى وترجمة تفسيرية مُقحمة. لكنني لو كنت سأترجمهما لمعجم تقني كنت سأستعمل «فائق» العجيبة.

لم أفكّر مليًا من قبل في ترجمة stream لكني ربما أفضّل عليها «سيل» لو تغاضينا عن دلالة الانهمار والكثرة فيها، أو ربما كان هذه الدلالة منطبقة فعليا؟ أفضل تخصيص «تيار» كترجمة current، فبالرغم من أن الكلمتين لن تردا على الأغلب في السياق نفسه في فئة الأدبيات غير الهندسية التي تتناولونها، وهو مما قد يسهّل في رأي البعض التغاضي عن التصادم المُلبِس.

إلى جوار «تيار الكهرباء» و«دفق البِتّات» (bit stream) يوجد كذلك «الفَيض المغناطيسي»، من المفيد أحيانا النظر في المترادفات من ناحية لغوية بحتة إلى جانب الاطلاع على استعمالاتها في المجالات المعرفية المجاورة، قبل الاختيار النهائي.

للمسألة وجهان: أحدهما تجنّب التصادمات بين المصطلحات في النطاقات المعرفية المتجاورة، لتلافي الغموض واللبس، أو ما أسميه  «طبق شوربة الكلمات الكبير»، وثانيهما إدراك العلاقات بين استعمالات المصطلحات في تلك المجالات ومساراتها فيما بينها والبناء على ذلك، فبعض المصطلحات هي تمديد مباشر لاستعمالات في مجالات متجاورة؛ فيما بين الرياضيات والحوسبة والهندسة ومؤخرًا علم اجتماع الشبكة. هذا مما يشغلني ومما أتحسّب له عند التفكير في البدائل والاختيارات .

وعن سؤالك عن هل نستعير صوتيا أم نترجم أم نبتكر؟ فرأيي أن هذه الكلمات يجب أن توجد لها مقابلات بالعربية، فهي في لغتها الأصل كلمات ذات دلالات سابقة مادية و مباشرة أضفيت عليها الدلالات التقنية من باب المجاز والمتافور (المحرر: المتافور هو الرمز)، فلماذا نستصعب فعل ذلك في العربية في حين أن اللغة كلّها مجاز أصلًا!

عمر فارس:  إن تحديد اسم (مصطلح) لمفهوم ليس مجرّد عملية تعبيرية عن فكرة في سياق ما، بل هو أيضًا نتاج ثقافة ما، في حقل معرفيّ ما، في لحظة تاريخية ما. وإن كانت اللغة التي نشأ فيها مصطلح المفهوم ذات طبيعة ديناميكية، يكتسب هو هذه السمة أيضًّا. لذلك أنا ميّال لحل لحظيّ ويفي بالغرض، أطلق عليه الجابري مصطلح  «تبْيِئَة المفاهيم» ويعني به التأصيل الثقافي للمفهوم/المصطلح من خلال تعريفه، واختيار مصطلح عربي يلائم المصطلح المُترجَم ويشابهه في السياق التاريخي لنشوئه (ولو قليلاً)، وتعميم استخدامه مرفقًا بتعريفه. وسيؤدي هذا، مع مرور الزمن، إلى ترسيخ المصطلح العربي الذي تم اختياره، واختراع (إن أمكننا استخدام هذا التعبير) سيرورة ثقافية/تاريخية له. لكنّ هذه العملية لا تلغي الاعتساف في نقل المصطلح لكنها تقلل منه جدًّا. أما الحل الجذري والأهم، فهو محاولة إنتاج معرفتنا الخاصة بالطبع، التي ستنشأ بلغتنا بالضرورة.

هنالك طبيعة خاصة لفضاء الإنترنت اللغوي، فبُعده عن النخبوية وتداوله بين الناس ولا مركزيّته، وكونه مُنتَجًا عولميًّا أو يتفق مع العولمة بامتياز، جَعَلنا نتقبّل استخدامه كما هو

لكن، مهما حاولنا، ستظل المشلكة موجودة دائمًا؛ إن ما تثيره كلمة «ستريم» لدي من ردّات فعل وتاريخ لاستخدامي لها، ليس هو نفس ما يتولّد لدي عندما أستخدم «سيل». ليس صعبًا إيجاد كلمة ترادف ستريم في المعنى بالعربية (تدلّ على الانهمار، والخط غير الراجع، وغيرها من الدلالات) لا شكّ، لكنّ مشكلة التاريخ لا تُحلّ. وبغياب عملية تبييء المفاهيم، أفضّل التعريب (أي استخدام ستريم لا سيل أو تيار).

وأظن أن هنالك طبيعة خاصة لفضاء الإنترنت اللغوي، فبُعده عن النخبوية وتداوله بين الناس ولا مركزيّته، وكونه مُنتَجًا عولميًّا أو يتفق مع العولمة بامتياز(أي أنه لا يولّد نزاعات هوياتية أو قومية تجعلنا نحتاج بقوّة لترجمته ونقله تمامًا للعربية، بسبب طابع العولمة اللاهويّاتيّ)، جَعَلنا نتقبّل استخدامه كما هو. وهذه الدراسة (القديمة للأسف، 2010، ص 5,6) تشير إلى أن 50% من مستخدمي فيسبوك في الشرق الأوسط يستخدمونه بالإنجليزية.

 سفيان الأحمد: بداية بالنسبة إلى ما جاء في تعريف المصطلح، فالفرق بين المصطلح والكلمة أن الكلمة تشير إلى المعنى أما المصطلح فيشير إلى المفهوم. والمفهوم التقني هو اتفاق ما بين مجموعة من المختصين للدلالة على حالة ما، كحالة الستريم أوالسيل كما اقترح الأستاذ احمد. وهذا يضعنا أمام محورين للنقاش، محور لغوي ومحور تقني، في المحور التقني كل حالة أو اختراع هي وليدة لسياق ثقافي لا يمكن نقله من لغة إلى لغة دون تشويه هذا السياق وأهم ما في هذا السياق هو الحفاظ على مصدر المصطلح، فمصطلح «جبر» يدل في العربية والإنجليزية على مصدرالسياق الثقافي الذي أنتج الجبر algebra.

وقياسًا عليه، فمصطلح مثل «ستريم» يحتفظ بمصدر إلى جانب السياق الثقافي ومن المهم عدم إهداره. والحفاظ على السياق الثقافي هو ما يضعنا أمام التعارض المباشر مع المحور اللغوي، فمختار الصحاح لا يقدم أي مصطلح يحافظ على السياق والمعنى في نفس الوقت، وهو ما ينفي احتمالية استخدام المجاز، كما اقترح الأستاذ أحمد، للدلالة على المصطلح التقني الغريب عن اللغة ففي ذلك تجنٍ على المخترع والسياق الثقافي الأصلي. ولكن ذلك ممكن فقط في حال كان المصطلح نتيجة لسياق عربي كأن يخترع أحد المتحدثين بالعربية آلة للسفر عبر الزمن ويسميها مسفار، وسرعان ما تجد المعاجم الإنجليزية مكانا لمصطلح misfar تماما كما تجد xerox في جميع المعاجم.

كلمة زيروكس تم اختراعها في 1950 ولم يتم استخدامها قبل ذلك ولكنها اليوم كلمة من كلمات اللغة الإنجليزية، وهذا التباين ما بين العربية والإنجليزية هو ما يدفعني إلى التغاضي عن الشق اللغوي لصالح السياق، إلى أن يلتحق اللغويون العرب بركب الحداثة ويفتحوا المعاجم للجديد من المفاهيم.

الأفيد في رأيي اختيار كلمة يمكن لقارئها استنباط معناها، أو ما يقاربه، استنادًا إلى ما لديه من مخزون لغوي دلالي في لغته هو

أحمد: اللغة كلّها اصطلاح. كلّ الكلمات التي عرفها القدماء واستعملوها للدلالات المختلفة هي اصطلاحات فيما بينهم، تتفاوت بتفاوت الزمان والمكان. كلمة «المجاز» نفسها دلالتها الأصلية مادية قبل أن تكون مجرّدة.

من الألعاب العقلية اللغوية الطريفة التي تنير في العقل مناطق جديدة فيما يتعلق بتطوّر الدلالات، لعبة التنقيب عن المعاني المادية المباشرة العتيقة للكلمات التي صارت تغلب عليها الدلالات غير المادية المجرّدة، و تتبع تلك الرحلة الإتمولوجية. ينطبق هذا على مفردات كلّ اللغات في كلّ العصور. مع هذا فلست أفهم ما تعنيه بالفرق بين  «المعنى» و«المفهوم».

بالرغم من أني لا أرى كيف يحمل مصطلح «algebra» السياق الثقافي الذي اخترعت فيه التقنية التي لا يستدل عليها إلا للباحث عن تاريخ الكلمة نفسها، ولا حتى كلمة «سينما» كمثال آخر، إلا أنني أحب أن أوضح أنني لست معارضًا من ناحية المبدأ استعارة الكلمات صوتيا من لغات أخرى. في سياقات أخرى وفي نقاشات أخرى قد أفعل ذلك. بل تجدني أتلاعب على الصوتيات والدلالات فيما بين اللغات فأقترح «سخام» مقابل spam. لكني كذلك لا أراها قاعدة واجبة الانطباق.

لكن للحق قد توجد مصطلحات أخرى أصدق نقلًا عبر اللغات للسياقات التي اختُرعت فيها من مثال «جبر»، وربما يكون ذلك في المصطلحات الفلسفية أكثر منه في التقنية. التقنية في رأيي لا سياق لها ولا لغة ولا دين. فهي تنتقل بشفافية بين الثقافات مكتسبة أسماء جديدة أو حاملة أصداء أسماء سابقة. خذ أمثلة على ذلك «وَين» و«حديد» و«سيارة» و«طبارة» و«قطار».

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى «الاصطلاح»: كل الكلمات التي أشرت إليها في ما ذكرت من أمثلة كانت لها دلالات مغايرة عما تُستخدم فيه الآن في سياق تقنية المعلوماتية، أو هي لا زالت تستخدم بتلك الدلالات في سياقات أخرى. خذ أمثلة: web وlog وdropbox وspam. هذه لم تُخترع حصرًا للدلالة على الظواهر التقنية، بل استعيرت من سياقات أخرى وأكسبت دلالات جديدة. حتى  «الجبر» كان جبر العظام قبل أن يكون جبر الأرقام.

و مع أني أوافقك أن مصطلح stream ليس مصطلحًا تقنيًا صرفًا. فهو من فئة المصطلحات التقنية الاجتماعية. إلا أنني لا أرى كيف يحمل مصطلح «stream» أي دلالة لغير دارسي الظواهر السوشيوتقنية؟ بالذات إن أخذنا في الحسبان أن المواطن الرقمي تشكل الثقافة الإنترنتية لديه مكونا أصيلا بحيث لا يجد أي غربة ولا إحساسًا بالاستعارة أصلًا عند تعاطيه مع ظاهرة مثل stream، بل إنه قد لا يعرف اسمًا مجردًا لها بينما يعرف تطبيقاتها المباشرة مثل «الفيسبوك وول» أو «التايملاين».

أعني أن محاولة تأصيل اختيار التعريب الصوتي على أنه أصدق حفاظا على سياق ثقافي مُفترض في رأيي غير ضرورية ولا مفيدة. الأفيد في رأيي اختيار كلمة يمكن لقارئها استنباط معناها، أو ما يقاربه، استنادًا إلى ما لديه من مخزون لغوي دلالي في لغته هو. ولا أدّعي بالطبع قدرة على فرض هذا الاختيار على العامة. نقدي موجه وحسب إلى منهجية التفكير في الاختيارات.

لن يلتحق العرب بدار الحداثة لو واصل التاريخ الإنساني مجراه الحالي بلا زلزلات عنيفة 🙂 لكن هذا لا يجب أن يعيقنا عن السعي إلى توسيع قدرتنا على التعبير عن العالم بلغتنا المعاصرة، التي سيكون فيها حتمًا ما هو مستعار وما هو مصطنع اصطناعا وما تُضفى عليه دلالات حديثة.