«مكان» يغلق أبوابه: وداعًا ٢١ نديم الملاح

الأربعاء 16 كانون الأول 2015

في 31 من كانون الأول، عشية رأس السنة، ستغلق مساحة «مكان» للفنون أبواب مقرها في «٢١ شارع نديم الملّاح» في جبل اللويبدة. تعوّدنا على ذلك في عمّان، معظم الأشياء لا تبقى في مكانها؛ والاستمرارية تحدٍ صعب. دائمًا ما نتندر، بحسرة، عن كون عمّان لا تعرف الاحتفاظ بتاريخها؛ كل شيءٍ يتبدل ويتغيّر بسرعة، وفي حالة «مكان» أيضًا تبدو ثلاثة عشر عامًا وكأنها مرّت سريعًا، وإن لم تكن بهذا القِصَر بالزمن العمّاني.

ربما بالنسبة للجيل الجديد من الفنانين الشباب الذين بدؤوا باحتلال اللويبدة الآن، لن يعني هذا الكثير، لكن لمحبي وممارسي الفن المعاصر هنا في عمّان، ممن شهدوا فترات الملل وتواتر الحماس الفني والسياسي في السنوات الأخيرة، ونحن؛ مَن توطدت علاقتنا بـ «مكان» كمساحة وبيت وأشخاص ومعارف، وكملجأ لنقاشات ليلية متأخرة حول الطعام والشراب.

لا أذكر بالضبط متى زرت المساحة أول مرة، ربما في 2006 أو في 2008. حرصت على حضور معظم الفعاليات وإن لم يكن يهمني موضوعها، لكنها فرصة دائمًا للتعرف على أشخاص جدد وللحديث والحوار. وفي شتاء عام 2011، أقمت أول سلسلة عروض لأفلام قصيرة في المساحة. وفي صور قديمة أحتفظ بها، أرى وجوهًا لم أكن أعرفها وقتها، العديد من هذه الوجوه أصدقاء مقربون لي الآن.

كانت هذه المساحة منذ تأسيسها عام 2002، من قبل علا الخالدي، قبل أن تنضم إلى الفريق رسميًا كل من سماح حجاوي وديالا خصاونة عام 2007، بمثابة قِبلة مستقلة وحيدة، احتضنت وساعدت كثيرًا في تطوير مشهدٍ فنيٍ بديل في عمّان، رغم محدوديته ومشاكله التي كانت مدار نقاش دائم؛ من نخبوية الفن ومحدوديّة الجمهور المحلي إلى لغة الخطاب المستخدم، السجالات كانت ضرورية ومثمرة على اختلاف الآراء.

لكن القائمات على «مكان» استطعن الاستمرار لأكثر من عقد، بالتحدي والتجاوز والتقديم. احتضنت المساحة الفنانين المحليين والعالميين والكتاب والناشطين، بتنوع خلفياتهم وآراءهم، ونظّمت العديد من الفعاليات والمعارض التي تُعنى بالفن المعاصر والقضايا السياسية والاجتماعية والجندرية والبيئية، والموسيقى والندوات وعروض الأفلام وحتى النقاشات السياسية، مثل جلسات نقاشات «علامات المربع» التي نظمها حبر خلال فترة الحراك الشعبي في السنوات الأخيرة.

hashtag

من نقاشات علامة المربع التي نظمها حبر في مكان عام ٢٠١١

الموضوع لا يتوقف على إغلاق «مكان» أبواب مقره فقط، فعمّان كمدينة ناشئة تنقصها مساحات فنية، تتيح هذا القدر من الحرية والتجريب للفنانات والفنانين الشباب ممن هم في أوائل مسيرتهم، بعيدًا عن صالات العرض والدور الخاصة وبيروقراطية ورقابة الأماكن العامة، وشح الدعم الحكومي ومشاكله. والقائمات على المشروع طالما وفرن وساعدن وحمّسن بشجاعة وتحدٍ، والتحدي لم يكن سهلًا؛ أن تُدير مساحةً مُستقلةً للفن المعاصر في عمّان ليس بالأمر السهل. هي المشاكل ذاتها، التمويل، والرقابة والجمهور (حضورًا ونقدًا وهجومًا) ومحاولات كسر الملل بتقديم الجديد.

عمّان كمدينة ناشئة تنقصها مساحات فنية، تتيح هذا القدر من الحرية والتجريب للفنانات والفنانين الشباب ممن هم في أوائل مسيرتهم

«مكان» كمساحة دعم العديد من هؤلاء في خطواتهم الأولى، وأقام العديد من المعارض والفعاليات الأولى لأصحابها، لكن الحديث عن «منصة جدلية» كهذه في محيط كعمان ليس بالسهل، وهو ما سنفتقده هنا، فمجرد اجتماع أشخاص من هذه الخلفيات باهتمامات متقاربة في مكان واحد أمرٌ مفيد ومثرٍ.

بحسب بيان القائمين على مكان، فإن فكرة المشروع  لن تنتهي بإغلاق مقره، بل سيستمر العمل بالمشروع دون عنوان محدد و«موقع جغرافي واحد». القرار جاء لظروف المنظمين أنفسهم وارتباطاتهم من «سفر ودراسة وهجرة»، بالإضافة إلى عدم الاقتناع بجدوى الخوض في طريق تحويل المساحة الفنية إلى «مؤسسة» بحسب القوانين المحلية، وما يترتب على ذلك من تغيير في فكرة المشروع الأساس.

وبحسب البيان: «نحن نشتغل في سياق حسّاس، محدداته وأسقفه غير واضحة. ولطالما كان العمل في هذا السياق كألعاب أكروباتيّة تجريبيّة في حقل من الألغام، وبالتالي أدركنا بعد عدّة تجارب أنّه من غير الممكن أن نتوقّع من أحد خارج عن الفريق أن يغامر أو يتحمّل العواقب المتربصة بالعاملين في الفنون والثقافة، حالنا حال الآخرين من ناشطين ومفكرين في مجالات الفنون والثقافة».

إكمال المشروع بحسب البيان، سيشمل ممارسات هامة في سياق الثقافة المحلية في الأردن مثل دراسة الممارسات الثقافية المحلية.

المشروع مستمرٌ، بطريقةٍ أو بأخرى، رغم غياب العنوان.