تدوينة

عن الأغاني التي أفسدت علينا حياتنا

الأحد 20 كانون الأول 2015

رغم مرور سنوات على استماعي لأغانيه للمرّة الأخيرة، إلّا أنها لا زالت عالقة في ذاكرتي، كاللعنة تمامًا. لست أعاني من هذا الأمر وحدي، ولكنها لعنة أصابت جيلًا بأسره. وربما كان الجيل الذي يمر بمراهقته هذه الأيام، يعاني هو الآخر من ذات الأمر.

كنا ذات مراهقة واقعين تحت أسر مجموعة من المغنين، يشكّلون جزءًا مهمًا من هويتنا، يصوغون لنا من حيث لا ندري رؤيتنا للعالم، يتحكمون بمصير علاقاتنا العاطفية، وسيظل تأثيرهم علينا أقوى من أن يستطيع الأطباء النفسيّون، الذين سيأتون لاحقًا، تمكيننا من التغلب عليه.

هاني شاكر، وحمادة هلال، وإيهاب توفيق، ومصطفى كامل هي بعض الأسماء التي احتلت قائمة المغنين الذين استمعنا لهم ذات مراهقة، في مرحلة ما قبل الفيديو كليب، في المرحلة التي لم نكن قد وقعنا فيها بعد تحت سطوة الفضائيات، فلم تفتنّا ساقا نانسي، ولا ألهبت شهوتنا سمرة روبي. صحيح أن هاني شاكر أكبر من البقية، وربما ينزعج البعض من تصنيفه برفقة هؤلاء «الفنانين»، إلّا أن المشترك المراد هنا هو علاقتهم بالمغني والشاعر مصطفى كامل، وهو الشخص الذي سأحاول تاليّا تحميله مسؤولية جزء هام من الفشل الذي عرفناه وسنعرفه في حياتنا.

في تلك الأيام، لم نكن نملك حائط الفيسبوك لننشر عليه خرابيشنا. وحتى يُتمّ مارك زوكربيرغ اختراعه، كنا نكتفي بالخربشة على أي مساحة فارغة نجدها أمامنا، الدرج الصفّي، حائط الفصل، والأهم من هذا كله، مجموعة من الدفاتر السرّية التي كنا نعلم أن الجميع يمتلكها، لكن من دون أن نخبر بعضنا ما الذي نكتبه فيها، دفاتر كانت تحتوي على كلمات أغاني الرباعي البائس المذكور أعلاه، وكلمات كنّا نخطها، ورسائل نجبن عن إيصالها، لنوقعها أخيرًا بأسماء تبعث الآن على الضحك، أو الحزن. بل وأننا كنا نتصور بذات الطريقة التي يتصور بها مصطفى كامل، وربما نرى العالم عبر عينيه.

مصطفى كامل
أسير الأحزان، كان هذا هو اللقب الذي أنعمناه على مصطفى كامل، الرجل الذي غنى ولحن وألف أكثر الأغاني التي سنعرفها يومًا مأساوية، الرجل الذي وزّع حزنه على الآخرين بكرم عزّ نظيره.
وقد بلغ الرجل من الشهرة أن أحدنا كان من المقبول له أن يظن أنه هو قائل عبارة: «لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا»، لا القائد الذي سبقه بعشرات السنين.

كان أحدنا قادرًا على معرفة اسم مؤلف الأغنية بمجرد الاستماع للكلمات، أو بالأحرى، كان أحدنا قادرًا على أن يعرف أن مصطفى كامل هو مؤلف تلك الأغنية بمجرد استماعه لكلماتها، وهو أمر لم يكن ليتكرر مع مؤلفين آخرين، والسبب الواضح هو كمية «الحزن» التي يضعها في ما يكتب.

ويبدو أن عملية تأليف الأغاني بالنسبة لمصطفى كامل كانت أسهل مما نتوقع، إذ أنه كان يكتفي بإحضار المعجم، ويختار إحدى الكلمات المحببة إلى قلبه؛ خيانة، غدر، ألم، دموع، أحزان، وجع، لتصبح بعدها العملية سهلة للغاية: مجرد إعادة تركيب هذه الكلمات، وإضافة عدد من حروف الجرّ، لتصل في النهاية إلى أغنية يستمع إليها سائقو سيارات السرفيس وطلبة المدارس الثانوية وبائعو الخضروات أو البالة في الأسواق الشعبية.
لكن هذا لا يعني أنه كان يستسهل عملية التأليف، فهذا الملحن والشاعر كان صاحب رؤية مميّزة للعالم، تتضمن أن العلاقات العاطفية مصيرها الخيانة لا محالة، وأن الصداقات مصيرها الغدر، وأننا مجرد ضحايا لا نملك من الحيلة شيئًا.

لماذا استمعنا لمصطفى كامل؟
عند التعرف إلى كلمات أغانيه، يصبح السؤال التالي مشروعًا: ما الذي يملكه فتى لم يكمله عامه الخامس عشر لكي تعبّر هذه الأغاني عنه؟ لِم يستمع شاب من المفترض أنه يشق طريقه نحو الغد إلى أغنية عنوانها «هدوس على قلبي»؟، وما الذي يدفع مراهقًا_ كانت العلاقة الوحيدة التي دخلها عبارة عن قول «صباح الخير» للفتاة التي تعجبه_ إلى حفظ أغنية تقول كلماتها: «أحلامنا سوى، كدابة، ليالي الهوى، كدابة، ساعات اللقى، كفاية بقى، كدابة، أحلامنا كانت شيطان، عايش بين أربع حيطان، أتريني بضحك عليّ على طول مغمض عنيا، والوهم راكب حصان، مليش حبايب مليش، إحساسنا لازم يعيش، على طول ردودك قوية، على طول بريئة وضحية، ماقدرتش ماحسكيش، كانوا لمسة الإدين كدابة، ودمعة العنين كدابة ولحظة الحنين كدابة»؟.

الاستماع لمصطفى كامل ليس بالضرورة ناتجًا عن ذائقة موسيقيّة مشوهة، ولكن هي محاولة للاعتراض على الواقع السيء المعاش

من الصعب العثور على إجابة شافية لسؤال لماذا استمعنا إلى مصطفى كامل، دون التجني عليه وعلى جمهوره عبر التعميم، كما أنه من العسير العثور على إجابة بعد كل تلك السنوات. لكن لو كان لي أن أتجاوز هذين المحظورين، فسيكون الجواب متعلقًا بالمسألة دائمة الحضور عند أي محاولة للتحليل، وهي المسألة الطبقية.

فئة المستمعين لمصطفى كامل وجوقته كانت تضم طلاب المدارس الحكومية، مراهقين وشبانًا تجمع بينهم سكنى عمّان الشرقية، وربما يكون ستاد عمان الدولي أكبر تجمع لهم يوم يقررون مشاهدة كلاسيكو الفيصلي والوحدات.
أما سؤال، لماذا هم دونًا عن غيرهم، ولم مصطفى كامل لا سواه، فربما يمكن القول أننا كمراهقين في تلك المرحلة كانت لدينا علاقة متوترة مع الحياة، علاقة حسمها الفقر مبكرًا، والإحساس السائد أن هذا العالم ليس لنا، وأن المستقبل لا يعد بالكثير، بل هو مستقبل يعد في أفضل أحواله بما وعد به أشقائنا الأكبر سنًا وآبائنا. وبالتالي كان من الطبيعي أن نشعر بالخيانة. وهذا بالضبط ما تقوله كلمات اغاني مصطفى كامل.

الاستماع لمصطفى كامل ليس بالضرورة ناتجًا عن ذائقة موسيقيّة مشوّهة، فمعظم من يستمعون له يعرفون مقدار الرداءة في صوته وألحانه، وليس ناتجًا عن إعجاب بوسامته، ولكن هي محاولة للاعتراض على الواقع السيء المعاش، اعتراض على فصول المدرسة المملة، على غياب العلاقات العاطفية السلمية، على المشاجرات الدائمة في البيت، على فقدان الأمل في الغد، اعتراض على الحرمان من كل ما كان متاحًا للأقران عبر التلفاز.