صول | بيير بوليز: عن رحيل آخر رموز الحداثة في الموسيقى

الخميس 07 كانون الثاني 2016

رحل يوم أمس بيير بوليز (Pierre Boulez) في مدينة بادن-بادن الألمانية عن عمر التسعين، وهو المؤلف وقائد الأوركسترا الذي يوصف بالأهم في فرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبأنه إحدى أهم أيقونات الحداثة الموسيقية في القرن العشرين.

وصفه إدوارد سعيد عام 1995 بأنه «الحضور الأقوى في الموسيقى المعاصرة» وأنه يشع بـ«حداثة سلطوية تثير الانتباه والذهول». واليوم وبعد رحيله، تستمر راديكالية بوليز بإثارة الجدل تماماً كما فعلت في الخمسينات، وكما ستفعل على الأرجح لوقت طويل قادم.

كمعظم أفراد جيله من مواليد العشرينات في فرنسا، تشبعت أفكار بوليز بفورة الحداثة ما بين الحربين. فقد كانت أوروبا غارقة في أفكار ماركس وفرويد، ولوحات ماتيس وموندريان والتكعيبيين، وفي محاولات أشخاص كجويس ومالارميه إعادة إختراع اللغة من جديد. وكانت باريس، التي عاشت هبة حضرية وثقافية في بداية القرن، المثال الأهم، حيث عجّت بأماكن كمسرح الشانزيليزيه الخرساني الذي كان مدخل الباريسيين إلى عالم مخيف من الأصوات والتيارات الجديدة التي هزت كيان الموسيقى الكلاسيكية بغموضها وثوريتها. لكن أعراض الحداثة الموسيقية الأقوى كانت، دون شك، في نظام المؤلف آرنولد شونبرج (Arnold Schönberg)، والذي يشكل المدخل إلى فهم بوليز وهالة القدسية التي يحيطه الفرنسيون بها. حيث دمر شونبرج النظام الذي حكم الموسيقى الأوروبية طوال قرون وركب نظامًا جديدًا مجردًا من أي بعد تاريخي، نظام لا يضطر المؤلف فيه إلى التمحور حول مقامات محددة وصيغ ثابتة. وكانت النتيجة النظام الإثنا عشري (Twelve-tone technique) ومدرسة فيينا الثانية التي كان لها الأثر الأكبر على بوليز.

في العام 1943، انتقل بوليز إلى باريس، التي كانت لا تزال تحت الهيمنة النازية، وذلك لدراسة التأليف في المعهد العالي. وبعد الحرب، جاء تبنيه للنظام الإثني عشري الجديد مع غيره من طليعيي مدرسة دارمشتاد (Darmstadt School) كردة فعل تجاه النازية، وكمحاولة لتدمير الماضي وتكوين هوية جديدة تليق بخصوصية عصرها، ويمكن القول بأن مؤلفي دارمشتاد كانوا المسؤولين عما ستكون الموسيقى عليه لعقود قادمة.

«إذا لم نثر الاضطراب، لن ننمو. إذا لم يكن لدينا شيئًا جديدًا كليًا لنقدمه، فما نفعله هو مجرد إعادة للتاريخ لا أكثر»

«المطرقة بدون معلّم» (Le marteau sans maître)، كان أول عمل برز في مسيرة بوليز، حيث دفع فيه بتقنية شونبرج نحو مستوى جديد من التحرر. هذا العمل المبني على أشعار رينيه شار السريالية، والمتأثر بالموسيقى التقليدية الآسيوية، يشكل «متاهة» حسب كلمات بوليز، وربما مجرد تحضير للمتاهة الأكبر التي ستشكلها مجموعة أعماله اللاحقة، ومن ضمنها تنويطات للأوركسترا (Notations pour orchestre) التي تخلق بتشابكها فضاءً صوتياً ملوناً ورناناً. وبالرغم مما يؤخذ على موسيقى بوليز اليوم من مبالغة في التعقيد والتجريد، أو كونها محاولة نوستالجية عنيدة للمد في عمر الحداثة في وقت بدأت فيه تيارات جديدة بالظهور، إلا أنها تبقى دون شك «مقاومة لتبلد الثقافة السائدة وسطحيتها» حسب كلمات سعيد. وعندما يتهم بصعوبة ونخبوية موسيقاه، يرد بوليز بأن مهمة المستمع تكمن في بذل جهد لتشكيل خلفية ثقافية واعية، وأنه من الطبيعي أن تستفزه الموسيقى ليتحدى نفسه ويسمعها أكثر من مرة. «إذا لم نثر الاضطراب، لن ننمو. إذا لم يكن لدينا شيء جديد كليًا لنقدمه، فما نفعله هو مجرد إعادة للتاريخ لا أكثر، وهو شيء غير مثير للاهتمام، بل خطير جداً، في الحقيقة»، يقول بوليز.

أما كقائد أوركسترا، فلم يكن بوليز بأقل جدليةَ منه كمؤلف. في الفيديوهات القديمة من الستينات، يظهر كشاب صغير البنية يتجرأ على قيادة ديبوسي بنظارات شمسية وحركات سيمافورية حادة، إلا أن قيادة بوليز للأوركسترا تتجاوز مجرد تخليه عن العصا أو وجهه الخالي من التعابير، فالتقنية الدقيقة التي طورها توصف بأنها على قدر غير مسبوق من الفاعلية، ويشهد كل من عزف تحت قيادته أن أكثر الأعمال تداخلاً وتعقيداً تتحول إلى خطوط سهلة ومداخل واضحة يرسمها بوليز في الهواء. أما ذاكرة بوليز الشهيرة في حفظ نوطات الأوركسترا، فهي مصدر الأساطير التي تدور عنه في أروقة كونسرفاتوارات باريس حول قدرته على إعادة نسخ أعمال مهولة مثل طقوس الربيع لسترافينسكي (Sacre du Printemps) من ذاكرته نوطة بنوطة. أو ما قيل عنه في مرات كان يقود فيها أوبرات شيطانية التعقيد مثل فوزيك أو لولو من ذاكرته، وحدث أن أخطأ أحد المغنين على المسرح فوجّهه بوليز من ظلام فجوة الأوركسترا بحركة من يده، ليدله على مكانه الصحيح بكل برودة أعصاب دون أن يترك المئة عازف الآخرين ينزلقون خارج النسيج المعقد لموسيقى أ.بيرج (A.Berg).

جدول عمل بوليز المكتظ بأسماء أشهر أوركسترات العالم في فيينا ونيويورك وبرلين لم يمنعه من مشاريعه التجريبية مع أشخاص مثل عازف الروك فرانك زابا (Frank Zappa)، أو من تأسيس مجموعة الـ Ensemble Intercontemporain أو الإيركام؛ معهد البحث والتنسيق الموسيقي/الأكوستيكي عام 1969 في باريس، والذي يهتم بالموسيقى الإلكترونية ويشكل حتى اليوم نقطة عبور إجبارية لأي مؤلف يرغب بتوسيع مفرداته الصوتية.

إن كان بإمكاننا تعلم شيء من بوليز في هذه المرحلة، فهو مدى أهمية موسيقى القرن العشرين لنبدأ بفهم موقعنا من التاريخ، وضرورة جرّ أنفسنا خارج حالة الركود والاكتفاء بالمألوف والتراثي والسهل

أما في عالمنا العربي، فتبقى موسيقا بوليز غير المفهومة على الإطلاق خارج قائمة خيارات المستمع بل وحتى الموسيقي، ولذلك قد يكون من العدل أن نتساءل في النهاية عن قيمة كل هذا بالنسبة لمنطقتنا، حيث الفجوة التقنية والفكرية بين العالمين تجعل من رؤى بوليز وأمثاله غير ذات قيمة لمؤسساتنا الموسيقية العالقة في فقاعة من رومانسية القرن التاسع عشر وكليشهات السابع عشر، والخوف من الضياع في الخطاب الموسيقي الغامض لأي شيء قبل أو بعد ذلك. لكن إن كان بإمكاننا تعلم شيء من بوليز في هذه المرحلة، فهو مدى أهمية موسيقى القرن العشرين لنبدأ بفهم موقعنا من التاريخ، وضرورة جرّ أنفسنا خارج حالة الركود والاكتفاء بالمألوف والتراثي والسهل، وإرغام أنفسنا على توسيع آفاقنا نحو فهم جديد للموسيقى الكلاسيكية الحديثة والمعاصرة يتجاوز النمطيات والقوالب الأنيقة الصغيرة. بوليز أصر حتى نهاية حياته الحافلة أن يقود موسيقى القرن العشرين في كل حفلة، لأننا لا يمكن أن نكون أبناء عصرنا دون أن نعرف موسيقى بارتوك وسترافينسكي وفيبيرن. وربما يكون بوليز اليوم، بإصراره هذا، هو المسؤول الأول عن الشعبية الواسعة للموسيقى الحديثة والمعاصرة في فرنسا. ربما نتعلم من بوليز اليوم أن الحداثة في الموسيقى قد لا تكون اللعنة التي نحاول الهرب منها بقدر ما هي المفتاح لفهم حاضرنا العنيف، مثلما كانت لعصر بوليز المضطرب، نضالاً ضد القمع والتحجر، ومخرجاً من رماد الحرب نحو عالم جديد.

صول هي زاوية شهرية جديدة تتناول قضايا موسيقية كلاسيكية وحديثة.