في ذكرى وفاتها الأولى: تحيّة موسيقية للشحرورة صباح

الخميس 26 تشرين الثاني 2015

«بدي ياه يوم فرح مش يوم حزن، بدي ياهن دايمًا فرحانين بوجودي وبرحيلي متل ما كنت دايمًا فرّحن، بحبّكن كتير وضلوا تذكروني وحبوني دايمًا»؛ هذه كانت وصية شحرورة الوادي صباح التي أوصتها لجمهورها محدثةً كلودا عقل ابنة أختها، والتي كانت مرافقتها في سنواتها الأخيرة.

«أسطورةٌ» فنيةٌ لا تتكرر، هي الشحرورة صباح التي صنعت إمبراطوريتها الخاصة. وُلدت جانيت فغالي في حي الفغالية في قرية البدادون اللبنانية في العام 1927، ورسمت مسيرتها بصوتها وحضورها على المسارح وعبر الشاشة الصغيرة وفي أدوارها السينمائية، ومن لبنان إلى مصر والعالم العربي، وصولًا إلى العالم، أطلّت ودخلت قلوب الجماهير دون استئذان.

كانت بداياتها في الرابعة عشرة من عمرها، عندما غنت في حفل مدرستها السنوية وأُعجب بها وكيل أعمال المنتجة اللبنانية المصرية آسيا داغر والتي حضرت إلى لبنان والتقت بجانيت ووقّعت معها عقدًا لثلاثة أفلام دفعةً واحدة.

كان فيلم «القلب له واحد» أول أفلامها في العام 1945 من إخراج هنري بركات، وفي هذا الفيلم غنّت ثمان أغنيات منها: «مش عارفة أنا ليه متاخدة» كلمات صالح جودت وألحان محمد القصبجي.

عاشت صباح في مصر وغنّت من ألحان كبار الملحنين في ذلك الوقت على الرغم من الصعوبات التي واجهتتها في تمرين صوتها وتطويعه، ذلك أنها كانت معتادة على غناء الأغاني الجبلية والتراث اللبناني، إلا أن ذلك لم يكن ليقف عائقًا في وجهها.

تعتبر صداقتها بفريد الأطرش علاقة مميزة، حيث أنهما كانا متجاورين، كما تقول صباح: «الباب في الباب»، وقد قدما أفلامًا متنوعة أولها كان «بلبل أفندي» من إخراج حسين فوزي عام 1948. أما عن الألحان، فقد غنت صباح أغاني مختلفة لفريد الأطرش مثل: «أحبك ياني» و«حبيبة أمها» لابنتها هويدا و«حلوة لبنان» و«يا دلع»، وغيرها.

بالإضافة لفريد الأطرش كانت تربطها بعبد الحليم حافظ علاقة صداقة على الرغم من انقطاع الود بين الأخير وبين فريد الأطرش، وقدمت صباح مع عبد الحليم فيلمًا من كلاسيكيات الرومانسية العربية وهو «شارع الحب» من إخراج عزالدين ذو الفقار عام 1958، وغنت صباح في هذا الفيلم من كلمات مأمون الشناوي أغنيتي «علمني الحب» ألحان منير مراد و«لأه لأه» من ألحان محمد الموجي.

وبعد ثورة يوليو 1952عادت صباح إلى لبنان، وشاركت في أول مسرحية غنائية لها من إخراج الأخوين رحباني بعنوان «موسم عز» عام  1960 و«دواليب الهوى» عام 1965. كما شاركت الشحرورة في مهرجانات بعلبك وجبيل وتعاونت مع أعلام المسرح اللبناني مثل روميو لحود في مسرحية «القلعة» عام 1968 في بعلبك.

امتازت صباح بصوتها الجبلي الذي جعل من أعمالها مع الملحن فيلمون وهبه من أنجح أغانيها، مثل «يارب تشتي عرسان»، و«دق الباب فتحتله»، و«عالعصفورية»، و«شو اسمك»، وغيرها. وعُرف عنها أنها كانت تسعى دائمًا لإدخال الأغنية اللبنانية إلى مصر عن طريق أفلامها.

وتعتبر أغنية  «ع الندا» التي غنّتها صباح من أعمال الأخوين الرحباني واحده من أشهر أغانيها، حيث غنّتها بالفرنسية على مسرح الأولومبيا في باريس مطلع السبعينات، وذلك عندما شاركت ضمن فرقة روميو لحود. قدّمت كذلك أعمالًا في مسارح عالمية عدة منها «كانغاري هول» في نيويورك، ودار الأوبرا في سيدني، وقصر الفنون في بلجيكا، و«ألبرت هول» في لندن.

ومع هدوء الوضع السياسي في مصر بعد ثورة يوليو عادت صباح لتشارك في عدة أعمال فنية، منها الأوبريت الضخم «وطني الأكبر» مع نجوم الغناء في العالم العربي عام 1960، وحينها منحها الرئيس جمال عبد الناصر الجنسية المصرية نظرًا لما تتمتع به من كاريزما خاصة، ولحب الجماهير لها.

وفي أغنية «من سحر عيونك» التي غنّتها في فيلم «إغراء» من كلمات الشاعر مأمون الشناوي وتلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب؛ تردد كثيرًا أن صباح كانت تتغزل في هذه الأغنية بعيون الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، وقد غنّت الأغنية أمام الجيش وعبد الناصر في إحدى احتفالات الثورة، رغم تحذير عبد الحليم لها بعدم غناءها. وهي الأغنية التي منعتها الإذاعة المصرية، وقيل أن الرقيب على المصنفات الفنية وقتها الأديب نجيب محفوظ اعترض على أداء صباح لكلمة «ياااه»، لافتًا إلى أنها غنّتها «بمبالغة أنثوية» حتى اضطر ملحن الأغنية الموسيقار محمد عبد الوهاب لإعادة تسجيلها مرة أخرى، مع تخفيف حدة مبالغة صباح في نطق الكلمة.

و قد لحّن الموسيقار محمد عبد الوهاب خمس أغانٍ كان اعتمد فيها على استيحاء الفلكلور اللبناني الموسيقي، فيستعير منه جملًا موسيقية قصيرة، ويبني عليها ألحانه اللبنانية لصباح مثل أغنيتها الشهيرة «عالضيعة».

مثّلت صباح في أكثر من خمسة وثمانين فيلمًا، فمثّلت وغنّت بين 1953 و1963 في أكثر من ثلاثين فيلمًا في مصر، وانتقل نشاطها السينمائي بعدها إلى لبنان؛ حيث مثّلت في خمسة أفلام عام 1964، وتبعتها سلسلة أفلام قاربت العشرين، صُوّرت بين الأعوام 1965 و1974 كان أغلبها لبنانيًا أو لبنانيًا مصريًا، كأفلامها مع رشدي أباظة وفريد شوقي وعبد السلام النابلسي والثنائي السوري دريد لحّام ونهاد قلعي.

جمع فيلم «الرجل الثاني» بين صباح ورشدي أباظة وسامية جمال، وكانت علاقة بطلتي الفيلم سامية جمال وصباح ببعضهما البعض مبنيّة على أن الراقصة المصرية خافت كثيرًا على زوجها الممثل رشدي أباظة من النجمة اللبنانية. و جاء عام 1967 لكي تجسد قصة الفيلم على أرض الواقع. فيتزوجان في لبنان بعد أن كذب رشدي على صباح بأنه طلّق سامية جمال، وبعد أن ذاع الخبر وعرفت صباح الكذبة حصل الطلاق لإحدى أسعد زيجاتها حسب ذكرها الدائم.

غابت صباح عن الشاشة الفضّية حتى عام 1980، حين لعبت دور البطولة في «ليلة بكى فيها القمر» أمام حسين فهمي حيث غنّت إحدى أجمل أغانيها وهي «ساعات ساعات» من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان جمال سلامة، وكان آخر أفلامها في لبنان «المخطوف» عام 1983، ثم «أيام اللولو» عام 1986. وبعد عشرين عامًا، ظهرت صباح ضيفة شرف في فيلم «البوسطة» عام 2006، ولم تظهر من بعده في أي فيلم سينمائي.

صباح التي تميزت بالإيجابية والابتسامة الراقية والجمال والعفوية، بأعمالها وأفلامها وأغانيها وإطلالاتها أثرت المكتبة الفنية العربية بأكثر من 3000 أغنية و85 فيلمًا والعديد من الأعمال المسرحية والمقابلات التلفزيونة التي أسعدت بها قلوب جمهورها بخفة روحها وإطلالتها المرحة، وظلّ صوتها كشمس العيد يُبشّر بنهار مشرق جديد «لأن اليوم بإيدك و بكرة بعيد».