تدريس الفلسفة للأطفال؟ إنها فكرة عظيمة

الخميس 26 تشرين الثاني 2015

بقلم ميشيل سووي، ترجمة يزن الأشقر

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في صحيفة الجارديان)

رأيت مؤخرًا سلسلة من المقالات على غرار «ما يمكن للفلسفة أن تفعله لك»، تركز على النتائج العالية التي يسجلها طلاب الفلسفة في الامتحانات الموحدة، وعلى تسويق المهارات الفلسفية، وإمكانيات الكسب المثيرة للإعجاب لخرّيجي الفلسفة. رأيت عروض أفكار من قبيل: «إذا ما أردت النجاح في مجال الأعمال، فلا تحصل على ماجستير في الإدارة. ادرس الفلسفة بدلًا من ذلك». أجد ذلك غريبًا، لأن التقدم الوظيفي والنجاح التجاري هما الفوائد الأكثر هامشية للفلسفة.

في أيام دراستي الجامعية، عندما لم أكن واثقة بتوجهاتي المستقبلية، مررت على اقتباس لا ينسى لأليكس زوديناكوف، طالب فلسفة في الناحية الأخرى من العالم: «لدي هذه العبارة الغريبة التي أستخدمها عندما  يسألني الناس عن سبب اختياري الفلسفة. أقول لهم أنني أردت أن أصبح إنسانًا محترفًا».

عظيم! قلت في نفسي. هذا ما أريد أن أكونه.

ومنذ ذلك الحين، جعلني التدرب في وظائف متعددة محترفة في كثير من المجالات، لكن لم يصقل أي تدريب إنسانيتي بعمق مثلما صقلتها الفلسفة. لم يلهمني أي فرع معرفيّ كما ألهمتني عن تساؤلات العالم، أو زودتني بأدوات تفكير يمكن تطبيقها عالميًا على الألغاز التي تواجهنا كبشر.

عندما بدأت أدرّس ورشات فلسفة لطلبة المدارس الابتدائية، رأيت سريعًا أن الأطفال أيضًا لديهم القدرة على الاستفسار فلسفيًا منذ سن مبكرة. هم أذكياء في اللعب بالأفكار ومهرة في البناء على حجج بعضهم. هم فضوليون إلى ما لا نهاية، متسائلون عن القيم («ما هو أكثر شئ ثمين في العالم؟») والميتافيزيقيا («هل الأرض مصادفة؟»)، واللغة («إذا كان رجال الكهوف ينادون بعضهم بـ: أوه هوه هوه، فكيف تعلمنا الكلام؟») والإبستميلوجيا («إذا كان بإمكاننا أن نحلم داخل الحلم، فكيف نعرف أننا نحلم؟»).

تشجع دراسة الفلسفة الشك دون العجز، والثقة دون الغطرسة.

ناقشوا في مجموعات صغيرة الذكاء الإصطناعي، والأخلاقيات البيئية، والتواصل بين المخلوقات، والأصالة في الفن. تأملوا في وجود الإرادة الحرة، وحدود المعرفة، وإمكانيات العدالة وغيرها من المشاكل التي لا تحصى من تاريخ الفكر الفلسفي. عن طريق الاستمرار في التساؤل وتحدي وتقييم الفكار، يرى الأطفال بأنفسهم لماذا تفشل بعض الحجج بينما تصمد أخرى تحت الفحص.

تشجع دراسة الفلسفة الشك دون العجز، والثقة دون الغطرسة. شاهدت أطفالًا ينشأون ليصبحوا أكثر عقلانية، مشككين ومنفتحين، ورأيتهم يتفاعلون بطرق أكثر إنصافًا وتعاونًا. كما قالت طفلة ذات عشر سنوات: «بدأت فعلًا بحل الحجج والمشاكل باستخدام الفلسفة. وهي تعمل بشكل أفضل من العنف أو أي شيء آخر».

سأل الكاتب الفرنسي ميشيل دو مونتين منذ أكثر من 400 سنة: «بما أن الفلسفة هي الفن الذي يعلمنا كيف نعيش، وحيث أن الاطفال يحتاجون لتعلمها بقدر ما نحتاج نحن في أي عمر، لماذا لا نعلمهم إياها؟» نحن بحاجة ماسة لنسأل أنفسنا السؤال نفسه اليوم.

تعكس المكانة المركزية لمادّة نظرية المعرفة في البكالوريا الدولية (شهادة الدراسة الثانوية المعترف بها عالميًا) تقديرًا عالميًا لأهمية الفلسفة، كفرع معرفي يدعم جميع الفروع الأكاديمية. تدعو حركة عالمية متنامية الأطفال الصغار للتفلسف في المدارس الابتدائية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأماكن أخرى، لكن أستراليا متلكئة.

على الرغم من أن الفلسفة تظهر على المناهج الدراسية في الثانوية في معظم الولايات الأسترالية، تكرس القليل من المدارس فقط وقتًا من الحصص للاستفسارات الفلسفية أو للتدريس الصحيح للتفكير النقدي والإبداعي.

إذا ما تم احتضانها على نطاق أوسع، ستجعل ممارسة الفكر الفلسفي في المدارس الابتدائية التعليم أكثر فائدة وتشويقًا للطلاب. وستعزز بالتأكيد تطوير المحاججة العقلية ومهارات التفكير العليا، مهارات تكمن وراء التعليم في معظم المجالات الأخرى (بما في ذلك القراءة والكتابة والحساب) والتي تعتبر ضرورية للمشاركة المدنية المسؤولة.

عندما نضع الأطفال على مسار الفكر الفلسفي في عمر مبكر، نستطيع منحهم هدايا لا تعوض: الوعي الأخلاقي والجمالي والسياسي بأبعاد الحياة، والقدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح وتقييمها بصدق، والثقة في ممارسة التقييم المستقل والتصحيح الذاتي. ما هو أكثر من ذلك، التقديم المبكر للحوار الفلسفي سيعزز احترامًا أكبر للتنوع وتعاطفًا أعمق مع تجارب الآخرين، وكذلك الفهم الضروري لكيفية استخدام العقل والمنطق في حل الخلافات.

الفوائد ستكون هناك ليأخذها الطلاب، إذا ما استطاع مدرسو الفلسفة في أستراليا الحصول على التمويل المناسب والدعم المؤسسي. يتم توفير مثل هذا الدعم عن طريق المنظمات الخيرية مثل مؤسسة الفلسفة في المملكة المتحدة ومؤسسة سكواير في الولايات المتحدة، التي تقود الطريق في ترسيخ الفلسفة في مناهج المدارس الابتدائية. ما لم يتم توفير التمويل هنا للدفع لممارسي الفلسفة الخبيرين أو لإعطاء مدرسي الحصص تدريبًا دقيقًا، طلابنا محكومون بالتخلي عن المزايا الثرية العديدة التي تعد بها الفلسفة – أو المعاناة من درجة الاحتراف المتفاوتة التي تميز العديد من البرامج التعليمية المدارة من قبل المتطوعين.

هنا شيء يجدر التفكير به في اليوم العالمي للفلسفة: في حين كون التحصيل الأكاديمي والتقدم الوظيفي والنجاح المالي أشياء مهمة، هي ببساطة قشور مرئية تنمو حول حياة فلسفية. النواة الخفية تتكون من الحرية ووضوح الفكر واتقان مهني لمعنى أن تكون إنسانًا. هذه هي الصفات التي يجب أن ننشدها لجميع أبنائنا، بغض النظر عما يصبحون عليه في المستقبل.

 —

مصدر الصورة: Wikimedia Commons