«المغنية الصلعاء»: عجلة تدور، ولا شيء يتغيّر

الإثنين 12 تشرين الأول 2015
المغنية الصلعاء المركز الثقافي الملكي
تصوير سامي الزعبي.

بمناخٍ كابوسي وشخصياتٍ مأساوية وبأحداثٍ وإكسسواراتٍ تبدو للوهلة الأولى دون أي معنى، هكذا يُجهّز المخرج الأردني علاء بشماف رؤيته لمسرحية «المغنية الصلعاء» التي عرضت في الأيام الخمسة الماضية في المركز الثقافي الملكي، والمأخوذة عن الكاتب المسرحي الفرنسي – الروماني يوجين يونسكو؛ مسرحيّةٌ من أهم كلاسيكيات مسرح العبث الفرنسي والعالمي أيضًا.

في رؤية علاء بشماف للمسرحية -التي تدور حول زوجين يتقدمان في السن ليدركا أنهما يجهلان بعضهما رغم العمر الذي أمضياه معًا- يختصر الحوار الذي نقرأه عند يونسكو، كما يختصر شخصيتين من شخوص المسرحية، ويختصر أيضًا بعض المشاهد، إلا أنه يُثري العرض بالديكور، وبتطوّيع فكرة النص لمحاكاة الواقع المعاصر.

فالمسرحيّة التي عُرضت للمرة الأولى في العام 1950 في باريس، وفازت بمرتبة الشرف في جائزة موليير المسرحية، ما كانت لتحيا إلى اليوم ويُعاد عرضها بلغاتٍ ودولٍ وثقافاتٍ مختلفة لولا تلك المساحة التي تركها يوجين في العمل من أجل التأويل ومجاراة الزمان والمكان.

وبالفعل، هذا ما فعله بشماف، الذي احتفظ بالفكرة الأساسية للمسرحية: الشخصيات البرجوازية، كائنات تفتقر إلى الملامح، وتستند على باقي الشخصيّات لاستعارة ملامح وجهها، وتمتلك السلطة والقوة والهيمنة وبطبيعة الحال التسلط.

أما الشخصيات الأخرى، فهي الشخصيات التابعة، تلك التي تمتثل لتنفيذ الأوامر، وتصنع للبرجوازيين وأصحاب السلطة حياةً قابلة للعيش، وترسم لهم طريقهم وملامحهم وتجتهد كي تبث فيهم أرواحًا، وهي الشخصيات التي تثور أيضًا على واقع الحال والظلم، إلا أنها تعود لتمتثل للأوامر من جديد، وتمارس هي الأخرى أيضًا دورًا سلطويًا على من هم أضعف منها. هذه الشخصيات تصفعنا بالمسرحية بالواقع الأليم الذي يقول أن المركب يسير ولا شيء يتغير.

تضعنا المسرحية أمام مواجهات حاسمة مع أنفسنا، في مواجهة القيم الفاسدة، واستسهال القتل ورؤية الدم ومع فكرة العبودية. ومن خلال السخرية والتهكم تُعري لنا الواقع، لنكتشف أننا لسنا سوى نتاج منظومة القيم تلك، التي صوّرها في المسرحية بالزوجين من الطبقة البرجوازية، وأننا نمارس نفس هذه القيم الفاسدة في تفاصلينا الصغيرة، ونمارسها حتى مع مَن نُحب وبالطريقة التي نُحب فيها.

استطاع بشماف في اقتباسه المسرحي عكس هذا الواقع، وعكس الفكرة الرئيسية لمسرحية يونسكو في مسرحيته، وأجاد في إخراج العمل والارتقاء به بصريًا؛ إذ أن الجهد الذي رأيناه فيها من حيث الديكورات والإكسسوارات كان محترفًا.

أما الممثلون -الزوجان البرجوازيان (يقوم بدورهما الممثلان فادي عبدو ورسمية عبدو) والخادمة ماري (رنيم الداوود)، والإطفائي (1) (أمجد المراشدة)، والإطفائي (2) (محمود عصام المجالي)- فقد استطاعوا في معظم مشاهد المسرحيّة أن يوصلوا الفكرة من العمل، كما أن أداءهم، سواءً من حيث المبالغة التي يقتضيها مسرح العبث أو من خلال تعبيرات وجوههم، كانت دليلًا على تدريبات مكثّفة لا مجرد عمل مسرحي مرتجل.

في نهاية العرض المسرحي يُعيد بشماف سرد الحقيقة العبثية: العجلة تدور، البرجوازي يسعى إلى السلطة حتى وإن كان الثمن روحه ودماء الآخرين، يقف مفرغًا من شعوره ويخطط لغنيمته التالية. والتابعون يبقون تابعين وضعفاء، ويمدون أجسادهم جسورًا من أجل البرجوازي المتعطش للقوة.

أما في خلفية هذا المشهد المسرحي فنرى شاشة عرض كبيرة، تستعرض مشاهد من التاريخ العالمي الذي يستعبد الناس، ومشاهد من التاريخ العالمي الدموي، ورموزًا من أصحاب القوة والسلطة الدمويين عبر التاريخ أيضًا. وهي صفعة مجددًا من مخرج المسرحية هذه المرة، لا من كاتبها، تجاه الواقع الذي نعيشه.