رأي

لن أحتفل باليوم العالمي للغة العربية

الأحد 20 كانون الأول 2015

بقلم نور شبيطة

تعمدت الحديث بعد انقضاء اليوم العالمي للغة العربية، لأنه لا يعني لي شيئا غير أنه درب لتبعية أخرى للأمم المتحدة التابعة بدورها لأعداء العروبة.

نحن نضع شرطًا لا نستطيع تلبيته ثم نحنق على أنفسنا عند إخفاقنا فيه، وهنا أعني اشتراطنا ألا نعدَّ العربية الفصيحة بخير إلا إذا قتلت اللهجات العامية وتغذت عليها. هذا الشرط التنافسي شرط أحمق، إذ أن غالبية النفوس العربية نضجت في عاميَّاتها ولن تقبل ما يهدد البيئة اللغوية التي أنضجتها، إلا بالإكراه.

كذلك عندما نرفض بمنطق بعيد عن منطق اللغة فكرة أننا شعوب عربية، ونصرُّ على أننا شعب عربي فقط، نعم يجب أن نعيد تعريف ذواتنا لنكون عربًا قبل أي شيء برأيي، لكن هذا الرأي وتعصبي له يجب ألا يمنعني من الاعتراف بأن كلمة شَعب في اللغة مشتقة من كلمة شِعب، وتعني من يجمعهم رابط جغرافي، وبهذا نطق القرآن «شعوبا وقبائل لتعارفوا»، فهكذا نحن شعب عربي واحد وفي الوقت نفسه نحن شعوب عربية في دولنا التي نتمنى أن تذوب في دولة واحدة، ونحن شعوب داخل الدولة أيضًا. إذًا الفكرة ألا نُغلِّب الرابطة المناطقية على الرابطة الوطنية، ولا نُغلِّب الرابطة الوطنية على الرابطة القومية. فالرابطة القومية هي الأهم حسب الشرط التاريخي اليوم في العالم كله، ولا سيما عندنا، والهويات الفرعية من القبيلة والدين والمذهب تقتلنا وتفتك بنا، بأيدينا.

تعمدت الحديث بعد انقضاء اليوم العالمي للغة العربية، لأنه لا يعني لي شيئا غير أنه درب لتبعية أخرى للأمم المتحدة

منذ القدم والعرب في كل شِعب من شعوبهم لهم لهجة ولسان ينزاح عن جيرانهم من العرب أيضًا، وهذا شأن كل اللغات في العالم وفي التاريخ. والعربية بخير إذ تمكنت حتى اليوم من الاتصال بالماضي ليفهم التونسي والصنعاني والشحري والمهري والشامي وغيرهم أبياتًا قالها زهير بن أبي سلمى، ففي هذا الجانب هي بخير، لكنها مريضة مرضا آخر.

يدرس طلابنا في الوطن العربي اللغة العربية من نصوص أخذت من بطون الكتب القديمة، ولهذا فهم يظنونها لغة موتى، ويرون أن أساتذتهم يعجزون عن الحديث باللغة التي يمجِّدون لهم، دون لحن أو غلط. ولهذا فهم يعاينون الهطل الذي يقع فيه أساتذتهم، ولا يبقى وسيطٌ للغة العربية الفصيحة الحيَّة غير الأخبار والكتب والفنون. 

ولدى تقليب المحتوى الذي تحمله الوسائط التي يعاين فيها طلابنا وأطفالنا اللغة العربية، نجد اللغة مختطفةً لمحتوىً واحد، لا يحتاجه الطالب في حياته، ولا يثري فكره. فالإعلام متروس عن آخره بخطاب الكراهية، والمسلسلات التاريخية تعيش لغتها في الماضي، والأناشيد تعج بالكراهية والماضوية معًا، والرسوم المتحركة تعاد دبلجتها لتصبح «إسلامية»، فتكون لينا أختًا لعدنان! وكأن علاقة عدنان ولينا عار يجب تغطيته. ولأن الفكرة هي صاحبة النصيب الأكبر فيما يجذب العقل، لا اللغة ولا الرسوم، فإن أطفالنا وطلابنا يلاحقون المشاعر التي تجذبهم في المنتجات الأجنبية، والمنتجات الغربية تحمَّل مفاهيمَ تبعدهم عن مجتمعهم أكثر فأكثر.

كل هذا تسهل معالجته لو صحَّت النوايا، لكن أمرين محددين هما أهم ما تضارُّ عربية به، وهما: وضع العربية الفصيحة على النقيض من عامية الطلاب واليافعين، وهو ما يقول لهم استغنوا عن أنفسكم كي تكونوا عربًا! وأمرٌ خطير آخر أؤجل ذكره لما بعد هذا المثال:

تخيل أن في بيتك مطبخين، في كل مطبخ منهما مكونات أكلة محددة، وطُلب منك أن تعدَّ طبقًا في كل مطبخ، دون أن تنقل مكونات طبق من مطبخ لآخر، ودخلت المطبخ الأول فوجدت فيه مكونات طبق السبانخ، ودخلت المطبخ الثاني فوجدت مكونات البيتزا، فهل من المنطقي أن نتوقع منك إعداد طبق واحد في المطبخين كليهما؟

علاقة اللغة بالشخصية الثقافية مشابهة لهذا، ترى الأطفال يعاينون في العربية مفردات من بيئات الماضي والكراهية والسخرية، بسبب الوسائط التي يعاينون العربية فيها، وفي الوقت نفسه يعاينون مفردات أخرى في وسائط أخرى من لغات أخرى. فهل نتوقع منهم أن يمتلكوا الشخصية نفسها إذا انتقلوا من لغة لأخرى؟ هذا الفصام مؤلم ويقضي على الفاعلية الحضارية، فمن نبغ في مفاهيم العصر فهو من نصيب الغرب، ومن نبغ في اللغة فهو من نصيب الانغلاق والأحكام الجاهزة.

من المؤسف أنك حين تحدث الصغار بالعربية الفصيحة فهم يتوقعون في الأغلب إما حديثا سياسيًّا مملًّا، أو تصويرًا للتاريخ القديم، أو حديثا دينيًّا قطعيًّا لا يقبل حرية الفكر

وكما لا تتوقع من الماكنة أن تعمل بشكل جيد ووصلاتها مشبوكة بطريقة خاطئة، فلا أتوقع أن تعود اللغة لفعلها الحضاري إلا وقد وصلنا للتوصيلة الصحيحة في علاقتنا باللغة، وعلاقة العامية بالفصيحة، وعلاقتنا بالأفكار، وعلاقتنا بأنفسنا، وتواصلنا كأمة عربية فيما بين شعوبنا. والتوصيلة الصحيحة تقتضي أن تمنح العربية الفصيحة من عامياتها، فتكون هذه العاميات على تخوم الاشتقاق للفصيحة، وتحت دراسة اللغويين، وتكون المفاهيم الحداثية في العلم والثقافة والفلسفة والفنون في متناول طلابنا وأطفالنا باللغة العربية.

من المؤسف أنك حين تحدث الصغار بالعربية الفصيحة فهم يتوقعون في الأغلب إما حديثا سياسيًّا مملًّا، أو تصويرا للتاريخ القديم، أو حديثًا دينيًّا قطعيًّا لا يقبل حرية الفكر، أو سخرية كرتونية، أو دبلجة وعظيَّةً لقصص يعاد تحريرها والتصرف بها لتناسب انغلاقنا وتخلفنا.

شيئان ينبغي علينا فعلهما: هدم الجدار المتخيَّل بين العامية والفصيحة في وعينا ووعي أبنائنا، وإنتاج ما تجدر قراءته في عين إنسان القرن الحادي والعشرين بالعربية الفصيحة.