نهاية تاكسي شجاع: لماذا علينا أن ندعم تطبيقات النقل البديلة

الثلاثاء 10 تشرين الثاني 2015

عندما تحدث الخبير في مجال النقل حازم زريقات عن الإرباك الذي يحدث في هذا المجال في المنطقة والأردن، تطرّق إلى كيف توفر تطبيقات مثل أوبر وكريم خدمة نقل خاص خارج الإطار التنظيمي وبدرجات متفاوتة من القانونية. ورغم أن العمل خارج الإطار التنظيمي ليس أمرًا طبيعيًا لأي دولة، إلا أنني أعتقد أن على الدولة الأردنية أن ترحب بهذين التطبيقين، وبغيرهما كذلك، بل وأن تشجّع البيئة التي تفرز حلولًا عملية وغير نمطية لمشاكل مزمنة عجزت هي عن حلها.

الوضع الراهن في قطاع النقل سيء للغاية، فالنقل العام متعثر وذو اعتمادية ومستوى خدمة متدنيين جدًا. وإذا تمكن الشخص من تحمل تكلفة التاكسي الأصفر، فإن استخدامه للتنقل اليومي سيصبح توفيرًا للوقت غالبًا، أو تفاديًا لحافلات النقل العام وما يرافقها من مشاكل كالتحرش والسرقة، مما يزيد الطلب على التاكسي الأصفر بشكل كبير ويجعل من مستوى الخدمة المتدني جدًا مقبولًا في غالب الحالات.

وتدني مستوى خدمة التاكسي الأصفر أمرٌ شائك ومتشعب، حيث أن تسعيرة العدادات لا تراعي الكلفة الحقيقيّة لتشغيل سيارة أجرة هائمة في الشوارع  بحثًا عن ركّاب ولا تراعي الاختناقات المرورية. وفي ظل رقابة شبه معدومة، أو على الأقل غير فعّالة، من قبل وزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري وأمانة عمّان الكبرى والأمن العام وإدارة السير من جهة، ومَظلمة عُرف «الضمان» بين أغلب سائقي التاكسي ومالكيه والتي تضمن للأخير دخلًا يوميًّا مقطوعًا دون مراعاةٍ لظروف وتكاليف التشغيل أو حقوق السائق كموظف فعليّ، فإن السائق يتصرف غالبًا بشكل غوغائي يضمن له الربح بحده الأدنى، وهو الأمر الذي من الممكن أن تترتب عليه تصرفات كالانتقائية في اختيار الركاب ورفض الذهاب إلى مناطق ما أو عدم التقيد بتشغيل العداد واستغلال الظروف الجوية ونقل أكثر من راكب في نفس الرحلة.

ثم تأتي كارثة ترخيص «المميز» الحصريّ من قبل أمانة عمّان، والتي كان من المفترض بها توفير خدمة نقل خاص بمواصفات عالية وعلى الطلب من خلال مركز خدمة، و يترتب على ذلك تسعيرة عداد مرتفعة مقابل هذه الخدمات، لكن حقيقة الأمر أن خدمة التاكسي المميز لا تتعدى كونها «تاكسي أصفر» بلونٍ آخر وكلفة أعلى، ولا يضمن فيها نظافة المركبة أو مستوى خدمة أو دقة المواعيد، ودون أي تبعات من الجهة الرقابية عليها (أمانة عمّان) باستثناء ضمان حصرية الخدمة لها كونها المرخص لذلك نظامًا.

وحين تريد الدولة فرض هيمنتها فإنها قادرة مثلًا على فرض ألوان على جميع وسائط النقل العام وبشكل سريع ومريب، مقارنة بمشاكل مزمنة وملحة مثل تنظيم نقاط النزول والركوب، والحفاظ على الدور بالمجمعات، ومعالجة مشاكل كالتدخين داخل النقل العام، ناهيك عن مشكلة عدم توفر خدمة النقل في بعض الأماكن أساسًا، وهو ما يجبر المجتمع على توفير حلول غير نظامية مثل «السرفيس» وباصات نقل طلاب المدارس الحكومية، والتي تنتشر بسبب غياب البديل المنظم.

شياطين في الخارج، ملائكة في الأردن

تفاخر أوبر بمرونتها وقدرتها على الالتفاف حول القوانين والأنظمة في المدن التي توفر خدماتها بها، وهذه المرونة دفعت السائقين النظاميين في باريس وغيرها من المدن إلى تنظيم احتجاجات كبيرة اعتراضًا على المنافسة غير العادلة التي يشكلها دخول خدمة أوبر للسوق. فبينما يضطر السائق العادي لدفع الرسوم والتقيد بأنظمة تشغيليّة صارمة، فإن سائقي أوبر معفون من هذا كله دون رقابة او متطلبات. ناهيك عن الجدل القانوني في حقوق هؤلاء السائقين المقاولين والذين لا تمنحهم أوبر أي حقوق عمالية وتتعامل مع المخالف منهم لشروط الخدمة والتعاقد بقساوة.

لو اتخذت الدولة موقفًا مغايرًا نحو تواجد الخدمتين فإنها ستوفر بذلك حلًا جذريّا وسريعًا لعدة مشاكل ودون تكلف عناء.

في الأردن يختلف الوضع تمامًا، حيث تقدم أوبر وكريم أكثر من مجرد بديل للتاكسي الأصفر ولخدمة التاكسي «المميز». ورغم وجود عوائق تقنية كعدم نضج خرائط غوغل لمدينة عمّان التي تعتمد عليها الخدمتان، والتعّود على آلية الاستخدام لدى السائق والمستخدم وحاجز الدفع كون الخدمة تعتمد على توفر بطاقة ائتمان للدفع، فإن التقبّل السريع للفكرة والنمو المطّرد للطلب عليها وتفهم الراكب لها يجعل من النموذج الذي تطرحه هاتان الخدمتان حلًا بديلًا وعمليًّا. وإن كانتا تستغلان «ثغرات» قانونية لتوفير الخدمة إلا أنهما تلتزمان بمعايير وضوابط عجزت الدولة بأجهزتها ومؤسساتها عن ضبطها عبر الوسائط الرسمية.

ورغم تفاوت ظروف السائقين بين الخدمتين وتعقيدات عملية التعاقد معهم من خلال مكاتب تأجير السيارات السياحية وعدم انضباطيتها بالضرورة وشروط واستحقاقات قانون العمل، إلا أن سائقي أوبر يتمتعون بالحد الأدنى براتب مقطوع، مقارنة باتفاقية الضمان التي يتورط بها سائقو التاكسي الأصفر، ولا يرتبط دخل سائقي أوبر بظروف عمل خارجة عن إرادتهم.

كما يحسب لخدمتي أوبر وكريم أن الطريقة التي تحتسب فيها الخدمتان أجرة التوصيل أكثر عدالة وهي أقرب إلى كلفة التشغيل الفعلي من تلك التي تعتمدها العدادات التقليدية، والتي بدورها تدفع السائق لتفادي تشغيل العدادات أو إجبار الراكب على «الاتفاق» المسبق، إما عرفًا حسب المناطق أو بناء على مزاجية السائق.

وفي حقيقة الأمر، فإن الدولة لا تملك القدرة على ضبط خدمتي أوبر وكريم محليًا لأن الخدمتين وبحسب علمي موجودتان بشكل افتراضي داخل الأردن، والطريقة الوحيدة لمنعهما هو استهداف «العاملين» فيهما بطريقة أمنية. وفي حال حدث ذلك، فسيكون من المفارقة أن تقوم الدولة  بذلك وتترك من خلفها المئات من وسائط النقل غير المرخصة، والتي تقل الأطفال كالبضاعة يوميًا، والسيارات الخاصة التي تتصيد الركاب بشكل أوسع وأضخم من ذلك الذي تغطيه خدمتا أوبر وكريم.

النتائج المرجوّة

لو اتخذت الدولة موقفًا مغايرًا نحو تواجد الخدمتين فإنها ستوفر بذلك حلًا جذريّا وسريعًا لعدة مشاكل ودون تكلف عناء، بل إنها ستتمكن من تحقيق بعض الأهداف التي هي عاجزة عن تحقيقها بآليات الرقابة والتنفيذ المتوفرة حاليًا، سواءً من قبل الأمانة أوالهيئة أو الأجهزة الأمنية.

والحل يكمن في تبني الفكرة، وبل «تضمين» قطاع التاكسي لكلا الخدمتين نظاميًّا ضمن عقد تشغيليّ يحتوي سياراتهم ويشمل الأصفر والمميز، ويضمن نظاميّة وشفافية التشغيل ويحل مشاكل عديدة، كمشكلة تسعيرة العدادات التي تتم مراجعتها كل فترة ويصعب ضبط التلاعب بها، ومشكلة رفض التحميل أو التوصيل إلى مناطق معيّنة وما إلى ذلك من أمور يواجها الراكب حاليًا.

وطريقة التنفيذ من الممكن أن تأخذ بعين الاعتبار تراكمات الوضع الراهن والبيئة التي أفرزتها ملكيّة «طبع» التاكسي وحصرية التاكسي المميز وطريقة التعاقد  غير العادلة (الضمان) مع السائقين، بحيث تستوعبها تدريجيًّا وتظهر للسائقين والمالكين فوائد الانضباط من خلال منظومة عمل حديثة سواء بقلة التنقل غير الربحي بحثًا عن ركاب لا تعرف وجهتهم، وقيمة العناية بالسيارة بشكل يليق بمستوى الخدمة الافضل.

الخوف الوحيد هو أن تستغل الدولة هذا الحل الجزئي تعتمد عليه مستمرّة في عدم تطوير قطاع النقل العام والذي لا يمكن أن يستمر تركه لقوى الوضع الراهن أو الحلول الفردية ونتائجها الكارثية  من تزايد لعدد سيارات الأجرة، وما ينتج عن هذا من ازدحام مروري وتلوّث وغيرها من الأضرار.