من إيرلندا إلى فلسطين: لا تقتلوا بوبي ساندز مرتين

الثلاثاء 16 حزيران 2015

في إحدى ليالي العام 2013، وبينما كان العالم بأسره يتابع بشغف المباراة التي تجمع بين فريقي سيلتك الأسكتلندي وفريق آي سي ميلان الإيطالي، قام جزء من مشجعي النادي الأسكتلندي برفع لافتات ستكلف النادي البريطاني خمسين ألف يورو كعقوبة من الإتحاد الأوروبي «لرفع الجماهير لشعارات سياسية في الملعب». هذه اللافتات التي رفعت، والتي صدمت مسؤولي النادي ولاعبيه قبل أي جهة أخرى في العالم كانت تجمع أيقونة الوطنية الأسكتلندية ويليام والاس، وعضو البرلمان البريطاني الراحل، عضو الجيش الجمهوري الإيرلندي بوبي ساندز.

في بداية العام 1981، وبعد فشل حركة احتجاجية عمرها سنوات قرر سجناء الجيش الجمهوري الإيرلندي خوض إضراب مفتوح عن الطعام، أشهرًا فقط بعد إضراب آخر عن الطعام استمر لثلاثة وخمسين يومًا، وقد كان مطلب  الإضراب القديم والإضراب الجديد واحدًا، وهو منح سجناء المقاومة الإيرلندية حقهم في المعاملة كسجناء حرب، معاملتهم كسجناء سياسيين، وهو الأمر الذي رفضته بشدة رئيسة الوزراء البريطانية حينها مارجريت ثاتشر، لكن الأمر المميز في هذا الإضراب الجديد كان الاستعداد الحقيقي من قبل القائمين عليه للموت في سبيل تحقيق المطالب.

في الأول من مارس/آذار أعلن بوبي ساندز، أحد قيادات الجيش الجمهوري الإيرلندي، بدأه الإضراب عن الطعام في السجن، ولكن عوضًا عن أن يقوم السجناء بالإضراب في وقت واحد فإنهم قد قرروا أن يلتحقوا بالإضراب تباعًا وبفارق أيام بعضهم عن بعض، ليقوموا قدر المستطاع بإطالة مدته، حتى وإن توفي منهم من توفي. وبعد أيام فقط توفي أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني، الأمر الذي قرر رفاق بوبي ساندز استغلاله، فعملوا على ترشيحه للانتخابات التكميلية. وبالفعل تم انتخابه عضوًا في مجلس العموم البريطاني، الأمر الذي كان ذا جدوى في تعامل الإعلام العالمي مع الإضراب، إلّا أن ثاتشر واصلت إصرارها على كونه مجرمًا لا يستحق أن يعامل كمعتقل سياسي، رافضة الرضوخ لمطالبه ورفاقه، ومعلنة أن ما يفعله هو انتحار، وأنها لن تتدخل أبدًا في خياره هذا.

وفي الخامس من أيار/مايو، استشهد النائب والأسير بوبي ساندز، في اليوم السادس والستين من إضرابه المفتوح عن الطعام، وسيلتحق به حتى الثالث من تشرين أول/أكتوبر من ذات العام تسعة رفاق آخرين وصل بعضهم في الإضراب إلى 73 يومًا، ولم يتوقف الإضراب بسبب نقص في من ينوون خوض غمار هذه المعركة ومواصلة نهج بوبي ساندز، وإنما بضغط من عوائل المضربين ومن القيادة السياسية خارج السجون. لتقوم السلطات البريطانية بعدها بثلاثة أيام فقط بمنح السجاء ما كانوا يطلبونه، من دون إعلان هذا رسميًّا.

وقد خلّد أنصار بوبي ساندز ورفاقه شهداء هذه المعركة بأغاني كثيرة تتغنى ببطولاتهم، وتتعهد بمواصلة القتال لتحرير إيرلندا من الاحتلال البريطاني، ومن بين تلك الأغنيات، أغنية ترددها جماهير سيتلك، ومن بين ما تقوله الأغنية:

In those dreary H-Block cages ten brave young Irishmen lay,
Hungering for justice as their young lives ebbed away.
For their rights as Irish soldiers and to free their native land,
They stood beside their leader – the gallant Bobby Sands.
في تلك الأقفاص الموحشة في المهجع هـ استلقى عشرة شباب إيرلنديين شجعان
يجوعون للعدالة وأرواحهم الشابة تذوي
من أجل حقوقهم كجنود إيرلنديين ولتحرير أرضهم الأم
وقفوا إلى جانب قائدهم، الباسل بوبي ساند

في الثاني من أبريل من العام 2013 انتشر فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر الصفحات الفلسطينية على الانترنت لشاب فلسطيني ملتح، بعينين خضراوين، ووجه بشوش، وصوت هادئ، يناشد المحال التجارية أن تغلق أبوابها احتجاجًا على قيام قوات الاحتلال بقتل القائد الفلسطيني ميسرة أبو حمدية بالإهمال الطبي، وهذا الشاب لم يكن إلّا خضر عدنان ابن قرية عرّابة الفلسطينية شمال الضفة الغربية.

عرف خضر عدنان نصيبه من سجون المحتل الإسرائيلي، تمامًا كما عرفها أكثر من ثلث الشعب الفلسطيني الذين تعرضوا للأسر والاعتقال منذ العام 1967، سجن لسنوات، بتهم أحيانًا ومن دون أي تهمة أحيانًا أخرى، وقد كانت اللحظة الفارقة التي سيتعرف فيها العالم على «غاندي الفلسطيني» لحظة قرّر المحتل لأسباب لن نعلمها قريبًا اعتقال خضر عدنان مجددًا في أواخر العام 2011، هكذا من دون أسباب معلنة، وعملًا بقوانين فاشيّة استعمارية تتيح للاحتلال اعتقال أي كان من دون محاكمة، ومن دون إبداء أدلة على «جرمه» ومن دون حصوله على أي من حقوق المعتقلين الآخرين. لكن الإرادة الصلبة لعدنان ستبثت بعد أيام فقط أنها أقوى من الاحتلال وجنوده، إذ يعلن في الثاني عشر من يناير 2012 عن خوضه الإضراب عن الطعام، وهي المعركة التي ستنال عبر الإعلام اسم معركة الأمعاء الخاوية. ومع مضي عدنان بإضرابه، واصل المحتل محاولات كسره، تارة عن طريق عزله ووضعه مع سجناء جنائيين «إسرائيليين» وتارة عن طريق محاولة إهانته بتفتيشه عاريًا، ودومًا عن طريق محاولة إرغامه على كسر الإضراب.

ومع مضي الأيام، بات اسم خضر عدنان مربكًا للاحتلال مزعجًا له أكثر، خاصة مع خروج المظاهرات المساندة له، واحتلال اسمه للعالم الرقمي، وقيام الآلاف حول العالم بالتعاطف معه، ومع صبيحة كل يوم كنّا نستيقظ صباحًا لمتابعة أخبار خضر عدنان، هل استشهد الشاب النحيل أم لا، ما الذي سيحدث لو استشهد؟ كيف سينظر أحدنا في المرآة لو حصل ما نخشاه، والأسوأ ربما، ما الذي سيحصل لو انكسرت إرادة خضر عدنان وقام بفك إضرابه بعد يأسه من نصرنا له؟ لكن هذا كلّه لم يحدث وواصل عدنان إضرابه حتى وصل إلى اليوم السادس والستين، وهو اليوم الذي استشهد فيه قبله بسنوات بوبي ساندز، إذ أعلنت محكمة الاحتلال قرارها بوجوب الإفراج عن خضر عدنان.

إن كان إضراب بوبي ساندز قد أثمر عن منح السجناء «الوضع السياسي» الذي كانوا يطالبون به، وإن كان بشكل مباشر وغير رسمي، فإنّ إضراب خضر عدنان قد أثمر عن إعادة الحياة لقضية الأسرى، إذ شهدت سجون الاحتلال العشرات من الإضراب خلال المدة القصيرة التي تلت إضراب خضر عدنان، إضرابات فردية كإضرابات كل من سامر العيساوي وإضراب اللاعب الدولي محمود السرسك، أو إضرابات جماعية كإضرابي العامين 2012 و2014.

وإن كان صوت أمعاء خضر عدنان قد أجبرنا على التعرف على قضية الأسرى والظلم الهائل الواقع عليهم، فإن ساقي خضر لم تتوقفا منذ خرج من السجن عن تذكيرنا بعجزنا وتخاذلنا إزاء هذه القضية، إذ أن الرجل ما توقف عن دعم إضرابات الأسرى والتذكير بمعاناتهم ونصرتهم والتظاهر لأجلهم، الأمر الذي جعل السلطة الفلسطينية تضعه على رأس قائمة طويلة تضم مكدري صفو علاقتها مع المحتل.

ومع بداية العدوان الأخير على غزة اعتقلت قوات الاحتلال خضر عدنان مجددًا، وكالعادة من دون توجيه أي تهمة له، عملًا بقانون المقاتل غير الشرعي. ومنذ الخامس من أيار/مايو الفائت يخوض خضر عدنان معركة الأمعاء الخاوية من جديد، فيما تناقش حكومة الاحتلال الاسرائيلي مشروع قانون، ربما يتم سنّه لأجل خضر عدنان، وهوقانون التغذية القسرية الذي يقضي بحق السلطات بإجبار الأسير المضرب عن الطعام على تناول الغذاء وفكّ إضرابه، وهو الأمر الذي كان مستعملًا من قبل ولكن بشكل «غير قانوني».

الفارق بين إضرابي خضر عدنان، أن حجم التضامن معه هذه المرّة أقل بكثير مما كان عليه في المرّة الأولى، وهنا لست أقول أن التضامن في الإضراب الأول كان مثاليّا، ولكن نظرًا لما يحصل الآن فالوضع يكاد يكون كارثيّا، إذ أن حملات مساندته وإسناده باتت هشّة خفيضة الصوت.

في الرواية الشهيرة للشهيد غسان كنفاني «رجال في الشمس»، نرى الأبطال الثلاثة للرواية يخافون جدًا من أن يصدروا صوتًا فيفضلون الموت اختناقًا على أن يطرقوا جدران الخزان الذي كان ينقلهم بين العراق والكويت، لكن خضر عدنان وبوبي ساندز من قبله رأوا الطريقة التي يسير بها العالم، وهي «أنك إن أردت شيئًاـ فعليك أن تحدث بعض الإزعاج للحصول عليه»، وهذا بالضبط ما تفعله الأمعاء الخاوية.