حوادث ضحاياها مصريون: خبر ليوم واحد  

الإثنين 30 تشرين الثاني 2015

مقتل خمسة عتالين مصريين في جمرك عمان جراء انفجار حاوية ألعاب نارية؛ غرق طفلي حارس مصري في فيضان داهم منزلهم؛ وفاة عمال مصريين سقوطًا من مبانٍ، وآخرين بصعقة كهربائية، غرقًا في بركة، أو اختناقا في بئر، حوادث متكررة كان ضحاياها مصرّيون يعملون في الأردن، مرّت سريًعا في عناوين الأخبار ولم تثر فضول الصحفيين لمتابعة ظروف عملهم ومعيشتهم في الأردن.
عدد يستدعي اهتمام الإعلام

من إجمالي العمالة الوافدة في الأردن والبالغة 324,410 عاملا، تشكل الجنسية المصرية النسبة الأعلى، 65.3% وعددهم 211,840، وفق آخر دراسة لوزارة العمل عن سنة 2014. وتقدر الحكومة أعداد العمالة غير المسجلة لديها بحوالي 800 الف عامل غالبيتهم الساحقة من المصريين، وفق تقرير «الحق في العمل» الصادر عن مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية لسنة 2013.

وبذلك يقترب عدد العمالة المصرية في الأردن، المسجلة وغير المسجلة، من المليون، غير أنها لا تتابع في الإعلام إلا من خلال أخبار حوادث يكون المصري غالبا الضحية فيها.

العمالة الوافدة-01

يعاني سوق العمل الأردني منذ سنوات من حالة فوضى كبيرة في سوق العمالة المهاجرة، حيث يتواجد فيه مئات الآلاف من العمالة المهاجرة غير المسجلة لدى السلطات الحكومية. ويعمل المصريون في ظروف عمل صعبة في قطاعات عمل غير منظمة، ما يعني العمل بنظام مياومة، بعيد عن الأنظمة والرقابة، «بالتالي تقع الانتهاكات في حقوقهم العمالية»، وفقًا لمدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض، في حديثه لحبر.

مركز تمكين للمساعدة القانونية المتخصص بحقوق العمالة المهاجرة، اعتبر الجنسية المصرية من بين العمالة المهاجرة الأكثر عرضة للتمييز، في تقريرهم السنوي الذي حمل عنوان «من يقرع الجرس» عن عام 2011.

تعلق مديرة المركز ليندا كلش على التقرير في حوار مع حبر، أن الانتهاكات لحقوق العامل المصري قد ازدادت عن السابق، لأسباب عدة، أهمها أن على العامل المصري أن يحصل على براءة ذمة من صاحب العمل قبل مغادرة البلد في إجازة أو مغادرة نهائية، مما يؤدي إلى تعرضه للابتزاز من قبل صاحب العمل. كما أن عليه دفع ٢٥٠ دولار كتأمين عند دخوله الى الأردن ولا يسترده إلا عند استصدار تصريح العمل، رغم أن صاحب العمل وحده أو من يفوضه بيده استصدار تصريح العمل.

تغطية إعلامية لا تتناسب وعددهم

«بشكل عام، ليس لقضايا العمال المهاجرين أهمية لدى وسائل الإعلام»، تقول كلش. «لكن هناك أحداث معينة تشغل الرأي العام فيقوم الإعلام بمتابعتها، لكن لا تُستكمل المتابعة؛ مثلًا قضية عامل العقبة الذي تعرض للضرب من أشقاء نائب والعامل الذي فقد ولديه أثناء السيول».

لكن «المشكلة الأكبر» بالنسبة لكلش، هي «عندما يعكس الصحفي وجهة نظره السلبية على القضية، وعليه تكون تعليقات القرّاء في نفس الاتجاه. وتكمن المشكلة أيضًا في غياب أنسنة الأخبار، فالتغطية في هذه الحالة لا تمثل الواقع، وبالتالي لا يحدث التغيير المنشود».

نرصد في هذا التقرير كيف تعامل الإعلام مع الأحداث الأخيرة التي كان العامل المصري جزءًا منها، في كل من الصحف اليومية الغد والرأي والدستور، والمواقع الإلكترونية خبرني وعمان نت ورؤيا نيوز.

جمرك عمان والموت الجماعي

حادثة جمرك عمان في 26 تشرين أول، التي أودت بحياة خمسة مصريين وثلاثة أردنيين، بالإضافة إلى الجرحى من كلتا الجنسيتين، كانت محل اهتمام الإعلام عموما. تابعت وسائل الإعلام المستهدفة في التقرير تفاصيل الحدث بكثير من الأخبار والمتابعات وتصريحات المسؤولين، لكن التغطية لم تتطرق إلى واقع العاملين في قطاع التحميل والتفريغ داخل جمرك عمان، وكيف أظهر الحادث الخلل في ظروف عملهم وعدم تأمينهم بشروط السلامة أو حتى تغطيتهم بالضمان الاجتماعي.

زاوية المعالجة السائدة في مجمل المواد الصحفية المتعلقة بالحادثة، كانت عبارة عن ملاحقة لمستجدات الخبر على الصعيد السياسي، فيما غابت الضحية عن مجمل التغطيات أو المتابعات.

زاوية المعالجة السائدة في مجمل المواد الصحفية المتعلقة بالحادثة، كانت عبارة عن ملاحقة لمستجدات الخبر على الصعيد السياسي، فيما غابت الضحية عن مجمل التغطيات أو المتابعات. وكان من اللافت غياب التغطية الميدانية للحدث في جمرك عمان أو حتى زيارة الجرحى في مستشفى الحنان حيث نقلوا للعلاج.

موقع رؤيا نيوز تابع تفاصيل الحدث، لكن من خلال إعادة نشر مقاطع فيديو متوفرة على اليوتيوب في مجموعة أخبار متتالية، إلا انهم لم يصلوا إلى الجرحى أو حتى يعاينوا المكان ويقابلوا العمال في الجمرك والذين شهدوا الحدث.

موقع خبرني تابع الحادثة من خلال ستة أخبار، خبران منها كانا نقلًا عن مصادر مصرية علقت على خبر دفنهم في مصر، وآخر يتعلق باعتصام عمال مصريين احتجاجًا على ظروف عمل المصريين في الأردن نقلًا عن خبر منشور في صحيفة الغد.

كانت «الغد» الوحيدة التي نشرت خبرًا حول اعتصام عمال مصريين أمام مقر سفارة بلادهم في عبدون، وتابعت تداعيات خبر انفجار الحاوية من ناحية عدم قانونية دخولها إلى الكراج العام، غير أنها لم تتناول المأساة الإنسانية.

يمكن لوسائل الإعلام -في مثل تلك الحوادث- إفراد تغطيات للحدث من زاويتين: سياسية وإنسانية. وفيما سادت المعالجة السياسية في وسائل الإعلام عمومًا، وأحيانًا الاجتماعية مثل تقرير للصحفي عبدالله ربيحات في «الغد» شمل استطلاع رأي الشارع الأردني حول استخدام الألعاب النارية، غابت المعالجة الإنسانية باستثناء مقالة للكاتب ماجد توبة تحدث فيها عن ما كشفه الحادث من تنصل الجهات المشغلة للعمال من إشراكهم بمظلة الضمان الاجتماعي والواقع السيء لتلك الفئة من العمال.

تصّدر بيان الدفاع المدني مجمل أخبار المواقع والصحف، حول جهود الجهاز بإشراف رئيس الوزراء في التعامل مع الحادث وإطفاء الحريق، ولم تقم غالبية المواقع بتحرير البيان وبات الخبر موحدًا في خبرني، والدستور والرأي.

تغطية زيارة وزيرة الهجرة المصرية للأردن، نبيلة مكرم، للوقوف على أحوال الجرحى المصريين عقب الحادث ولقائها بالوزير نضال قطامين، جاءت موحدة في كل من الرأي والدستور والغد، نقلًا عن وكالة الأنباء الأردنية بترا. ولم تجر أي وسيلة إعلام لقاءً خاصًا مع الوزيرة المصرية أو نظيرها الأردني للخروج عن حدود لقاء الوكالة.

تفرد موقع عمان نت بنقل تصريحات مدير مستشفى البشير، حيث جرى علاج جرحى الحادث، عبر الهاتف بعد يومين من وقوع الحادث، غير أن الموقع لم يرسل مندوبًا للقاء الجرحى ومتابعة حالاتهم الصحية. ونقل الموقع صوتًا ممثلًا للضحايا من خلال لقاء مع السفير المصري في الأردن، خالد ثروت، تحدث فيه عن التعويض. فيما اكتفت صحيفة الغد بنشر تصريح مقتضب لوزيرة الهجرة المصرية نقلا عن لقاء متلفز معها في إحدى المحطات المصرية.

ليس مستغربا تغييب «أنسنة» الحوادث في وسائل الإعلام طالما أن قضايا حقوق الإنسان في أجندة وسائل الإعلام تقتصر على التغطيات الدعائية لفعاليات ونشاطات مؤسسات حكومية وغير حكومية، وتبقى التغطيات المعمقة لقضايا حقوق الإنسان فردية غير ممنهجة وغائبة عن السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية. وتطغى التغطيات الآنيّة للأحداث في الأخبار على المعالجة الإنسانية ونقل الحدث من زاوية ضحاياه.

الملفت هو استمرار تهميش الإعلام لقضايا العمالة الوافدة في الأردن رغم ازدياد أعداد الانتهاكات بحقهم، والتي توثقها منظمات مدافعة عن حقوق العمال، مثل مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان ومركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية.

فيضان عمان يكشف لا إنسانية الإعلام

مقتل طفلين غرقًا على إثر مداهمة السيول لمنزلهما كان أبرز الأحداث التي نقلتها وسائل الإعلام عن فيضان عمان في الأول من تشرين الثاني. لكن المأساة الإنسانية التي عكست الظروف المعيشية، وبالأخص مساكن «التسويات» غير الآمنة، لحراس البنايات في الأردن، لم تكن محل اهتمام الإعلام. حيث تركزت تغطية الحدث في إعادة نشر الفيديو الذي يصور حارس البناية المصري وهو يبكي بانتظار إخراج جثتي طفليه.

صحيفة الغد تابعت تفاصيل السيول من خلال تحديث مستمر على موقعها الإلكتروني، محتويا على صور وفيديوهات خلال يوم الفيضان، فيما خصصت خبرًا واحدا عن وفاة الطفلين مرفقا بفيديو يظهر الأب وهو في حالة صدمة، ولم تتابع الحدث في اليوم التالي.

رؤيا نيوز تابعت أخبار السيول، ومن ضمنها وفاة الطفلين المصريين، من خلال خبر دائم التحديث، مرفق بصور خاصة بالموقع أو نقلا عن مواقع إخبارية أخرى. لكنها كحال وسائل إعلام أخرى لم تخرج عن إطار ملاحقة السجال السياسي والتقييمي لأداء أمانة عمان الكبرى.

صحيفة الدستور تابعت أخبار سيول عمان من خلال موقعها الإلكتروني ومقالات كتابها، لكنها اعتمدت فقط على البيانات الصحفية لمديرية الدفاع المدني، بما فيها البيان المتعلق بوفاة الطفلين في خبر لم يختلف عن بقية الأخبار التي نشرتها وسائل الإعلام الأخرى.

صحيفة الرأي أيضا نشرت خبرين عن وفاة الطفلين المصريين؛ الأول كان خبرًا في ثلاثة سطور، والثاني كان خبرًا نقلًا عن مديرية الدفاع المدني.

المتابعة الكثيفة لأخبار السيول في العينة الإعلامية التي رصدناها لم تعكس تنوعًا في زوايا المعالجة، فالتغطية جاءت موحدة في وسائل الإعلام وكأنها إعادة تدوير لخبر واحد معتمد على البيانات الصحفية للدفاع المدني. وجميعها وقعت في نفس الأخطاء وهي إغفال القصة الإنسانية وتغييب صوت الضحية.

الإعلام عموما استغل الفيديو الذي يصور الأب الباكي على طفليه لزيادة زوار مواقعهم. وظهر ذلك جليا في موقع خبرني الذي نشر خبرا اقتصر على رابط الفيديو وعنوان «مصري يبكي ولديه الغريقين في عمان-فيديو». وكذلك فعل موقع رؤيا نيوز وموقع صحيفة الغد. لكن أيًا من وسائل الإعلام هذه لم تتابع مصير الأب المكلوم وما إذا حصل على حقوقه القانونية جراء الحادث.

هذه الحادثة كشفت أن حجم ونصيب الضحايا في الإعلام أقل بكثير مما تحوزه السجالات السياسية في أزمات يكون العمال هم أول وآخر الضحايا وهم الغائبين في التغطية الإعلامية.

اعتداء على عامل وغياب صوت الضحية

حادثة أخرى كان ضحيتها أحد العمال المصريين في مطعم بمدينة العقبة، جراء تعرضه للضرب من إخوة النائب زيد الشوابكة بحضوره في الثاني من تشرين الأول. نالت الحادثة اهتماما كبيرا في وسائل الإعلام ليس بسبب تعرض عامل للاعتداء أو الإهانة، والتي تتكرر في حوادث شبيهة، وإنما لكون المعتدي شخصية عامة، وتحديدًا عضوًا في مجلس النواب.

نالت الحادثة اهتماما كبيرا في وسائل الإعلام ليس بسبب تعرض عامل للاعتداء أو الإهانة، والتي تتكرر في حوادث شبيهة، وإنما لكون المعتدي شخصية عامة

صحيفة الرأي السباقة في أخبار المصادر الرسمية، تابعت الملف في خبرين فقط غلبت عليهما لغة دبلوماسية مؤكدة متانة العلاقات الأردنية المصرية، وذلك بعد تفاعل الحدث في مصر. «إعادة توقيف أشقاء النائب الشوابكة إدارياً على ذمة التحقيق» كان أحد خبري الرأي، وفيه تابعت الصحيفة تطورات توقيف إخوة النائب، واستندت على تصريح لمصدر غير معلوم في وزارة الداخلية أكد إحالة المتورطين للقضاء، وأكد الخبر على أهمية العلاقات الأردنية المصرية.

وفي نفس الاتجاه جاءت مقالة عبد الهادي راجي المجالي في صحيفة الرأي، والذي أظهر انحيازًا للنائب الشوابكة معتبرًا أنها هجمة على السلطة التشريعية.

وكذلك فعلت صحيفة الدستور في الخبر المستند على نفس المصدر المجهول. ولم تبتعد الدستور عن أجواء الرأي، باستثناء أنها نشرت خبرين إضافيين نقلت في أحدهما تصريحات مقتضبة لمحافظ العقبة فواز إرشيدات وفي الآخر تصريحات للقنصل المصري في العقبة أحمد رياض. وتضمن الخبر المقتضب عن تصريح القنصل نفيه للصلح بين العامل المصري وأشقاء النائب. وختم الصحفي خبره بأن الحادثة «أصبحت قضية رأي عام ومتابعة من كافة الأطراف في الأردن ومصر». ولم تتضمن أخبار الدستور أية متابعة أو حتى جهد من قبل المحررين لإعطاء خلفية للحدث.

صحيفة الغد وحدها قدمت مادة مكتملة عرضت أطراف القضية وتفاصيل الحدث من وجهات نظر الأطراف كافة. تابعت الصحيفة الحدث من خلال أربعة أخبار، أبرزها كان لقاء مع الضحية خالد سيد في لقائه مع مندوب الصحيفة في العقبة.

التركيز على البعد القانوني للحادث، من حيث إجراءات التقاضي وإعطاء مساحة لوجهة نظر حقوقية توضح حقوق العمال المهاجرين في التقاضي، كان الزاوية المختلفة في متابعة موقع عمان نت الذي قدم زاوية جديدة في تغطية الحدث لم تتناوله وسائل الإعلام الأخرى المشمولة في الرصد.

كما نشر «عمان نت» لقاء مع السفير المصري خالد ثروت وأعطاه مساحة في خبر مقتضب حول الحادث، لكن الموقع لم يعط صوتًا للضحية العامل المصري خالد السيد. وكذلك الحال بالنسبة لموقع رؤيا الذي نشر فقط خبرين، الخبر الأول عن تكفيل أشقاء النائب مرفقا بفيديو حادثة الاعتداء، والثاني خبر لنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي يدينون الحدث.

نشر موقع خبرني ستة أخبار عن الحادثة، من بينها بيان صادر عن منظمة حقوقية مصرية «منظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان»، يدين الحادث ويطالب بمقاضاة المعتدين. ونشر الموقع تصريحات السفير المصري في إحدى المحطات المصرية  ورسالة اعتذار النائب لموظف المطعم والشعب المصري.

إن تهميش الضحايا المصريين في تغطية الإعلام للحوادث الثلاثة – مقتل خمسة عتالين في الجمرك، غرق طفلي حارس بناية وتعرض عامل في مطعم للضرب – ليست استثناء. فلا يمر شهر من دون خبر عابر ضمن أخبار الحوادث في بيانات الدفاع المدني، عن مقتل عامل مصري خلال أداء عمله. أخبار موجزة في أقل من سطرين تكتفي بذكر عدد القتلى وجنسيتهم ونوع الحادث.

وكذلك حالة العمالة الوافدة من جنسيات أخرى، كعاملات المنازل من دول شرق آسيا، اللاتي يتعرض إلى العنصرية بالإضافة إلى التهميش في الإعلام. لكن أزمة العمالة المصرية تبرز أكثر من غيرها بوجود نحو مليون وافد مصري في الأردن، غالبيتهم غير مسجلين، يعملون في ظروف معيشية صعبة وطبيعة عمل خطرة تجعلهم أكثر من غيرهم عرضة للأذى الجسدي والاستغلال.

(الصورة أرشيفية بعدسة ناديا بسيسو)