الإعدام الجماعي في البحرين: نفق مظلم يزداد طولًا

الثلاثاء 17 كانون الثاني 2017
متظاهر يرفع علم البحرين في إحدى الاحتجاجات عام 2014. تصوير محمد الشيخ، جيتي إيمجز.

بقلم نادر المتروك*

تدخل البحرين، من جديدٍ، في منعطفِ صراع غير تقليدي، مع تنفيذ سلطاتها حكم إعدام ثلاثة ناشطين بحرينيين -هم سامي مشيمع، وعلي السنكيس، وعباس السميع- أكدت الأمم المتحدة ومنظمات الدولية أنهم تعرضوا لمحاكمةٍ غير عادلة، واستند القضاءُ في الحكم ضدهم على اعترافاتٍ تم انتزاعها تحت التعذيب. الإعدام الجماعي غير المسبوق في البلاد، يُسجّل سابقةً أخرى منذ آخر إعدام بتهم سياسيّة تم تنفيذه عام 1996. إنها فاصلةٌ زمنيّةٌ تختصر طبيعة الصراع السياسي القاتم الذي اعتادت البحرين الولوج فيه مع كل عقدٍ أو عقدين من الزمان، وحين تفقد فيه القوى المؤثرة، بما فيها النظام الحاكم، القدرةَ على ابتكار الحلول السياسيّة الكفيلة بإطفاء الحجم الأكبر من الحرائق.

في الخطاب السياسي العربي النخبوي، لم يتم إدراج البحرين ضمن موجات الربيع العربي، لأسبابٍ تداخل فيها المنزع الطائفيّ والقرار القويّ للمال الخليجي. ولكن احتجاجات البحرين الشعبية التي انطلقت في 14 فبراير/شباط 2011، كانت تصرّ على أن تكون المقترح النموذجي للثورات العربيّة، وبالمحددات التي توافقت عليها ثوراتُ الربيع في أوّل انطلاقتها، بما في ذلك الاستقلال في التحرك الداخلي، وانتزاع ذرائع العنف العبثي، والإصرار على الاستمراريّة في الحراك الشعبي، ووضوح المطالب المرفوعة.

التجاهل المنظم الذي وُجِّه لثورة البحرين -حتّى وُصفت بـ«صرخة في الظلام»- لم يُصبْها بالخذلان السلبي ومرض الإحباط وجنون التشرذم، بل أسهم في دفعها إلى الاعتماد أكثر على نفسها، وتثمير خاصية الابتكار الاحتجاجي الذي برع فيه المواطنون وأمَّنَ -على نحو إستراتيجي- إمكانات الاستمرار، وسط محيطٍ لا حدود في للتواطؤ والإهمال الخارجي. فما الذي يمكن أن يتغير في مسار الأحداث بعد تنفيذ الإعدام الجماعي يوم الأحد، 15 يناير/كانون الثاني؟

مع تراوُح خيارات المعارضة بين السلميّة وخيار الاحتجاج الثوري فإنّ التأزُّم المستعصي في البلاد سيُجبر الجميع على اللجوء إلى «الحلّ الأخير»

الفاعلون المؤثرون في الحراك الشعبي لم يجدوا حتى الساعة «الحاجة الضاغطة» التي تدفعهم لاتخاذ قرارٍ فعلي بالتنسيق الإستراتيجي المشترك. لا يزال هناك ما يمكن وصفه بتعدديّة الخيارات السياسيّة والميدانيّة للمعارضة، انعكاسًا للانقسام، غير الصّدامي حتى الآن، الذي طبع المشهدَ السياسي منذ ما قبل انطلاق ثورة 14 فبراير. من المرجّح أن يؤدي ذلك، وعلى خلاف المشهديّات السياسيّة في بلدان الربيع العربي (أو التي كانت كذلك)، إلى إحداث صيغةٍ جديدة في مسار الاحتجاج الشعبي، خاصة وأن النظام البحريني لم يجد نفسه بعد مدفوعًا لتقديم تنازلاتٍ، أو لإرخاء القبضة الأمنيّة التي استنفذت بالفعل سلّتها في القمع التقليدي، ولا سيما بعد موجة القمع الأخيرة التي بدأت في يونيو الماضي، واستهدفت إغلاق أكبر جمعية سياسيّة معارضة (جمعية الوفاق)، وإسقاط الجنسيّة عن المرجع الديني الأكثر تأثيرا في البلاد، الشيخ عيسى قاسم، وملاحقته قضائيا بتهمة «غسل الأموال». ومع تراوُح خيارات المعارضة بين السلميّة -بمعناها التفاوضي مع النظام- وخيار الاحتجاج الثوري -بما يُتاح من أدواتٍ في المقاومة الشعبية- فإنّ التأزُّم المستعصي في البلاد سيُجبر الجميع على اللجوء إلى «الحلّ الأخير».

بعد تنفيذ الإعدام، لم تتردد القوى الثورية المعارضة في إعلان المرحلة الجديدة، وقالت بلغةٍ واضحة إن الإعدام فتح البابَ على مصراعيه للدخول في مرحلةٍ مفتوحة من المواجهة مع النظام، وبما يتجاوز النمط المعهود من الالتزامات المعلنة وغير المعلنة التي حدّدت اتجاه ردود الأفعال ضد القمع الرسمي. تيار الوفاء الإسلامي -أحد هذه القوى- شخّصَ خياراته الجديدة تحت شعار «قضبة في الميدان، وقبضة في الزناد»، مؤكدًا بأنه «مستعد لتحمُّل تبعات هذا الخيار، ولن يُلزِم أحدًا باللحاق به، أو تحميله وزْر النتائج». هذا الموقف ينبئ أولًا بأن هناك انقسامًا مستمرًا، وقد يكون إضافيًا، سيلحق تركيبة المعارضة البحرينية، ولكنه -وهذا المهم- لن يضطر أطيافَ المعارضة المؤمنة بالخيار «السلمي التفاوضي»؛ على الدخول في معارك جانبيةٍ والدّوران في المهاترات الداخلية، ليس تمهيدًا أو تهديدًا بالخروج عن خيارها السلمي، أو اقتناعًا منها بعدم جدواه، ولكن لأن الآليات السياسية لديها ليس مسموحًا لها أن تذهب في هذا الاتجاه، ولسببٍ بسيط وهو أن الانتهاكات القمعية للنظام، والتي تُوّجت بالإعدام الجماعي، ستمنعها من اتخاذ أي موقفٍ علنيّ سيجعلها، أرادت ذلك أم لم ترد، في وضعيّة الاصطفاف مع النظام والتبريد على انتهاكاته وتخفيفها.

لا تُشبه اللحظة الراهنة أيّ مرحلةٍ سابقة مرّ بها النضالُ السّياسي والحقوقي في البحرين. وهو ما يجعل من التكهنات عزيزةً ولا يجرؤ على الخوض فيها إلا منْ لا مشكلة عنده حين يُرمَى بالهرطقة ونسْج الخيالات. بتقريبٍ مشهديّ آخر، فإنّ الوضع القائم في البحرين ليس في مرحلة «النفق المظلم» فحسب، ولكنه أيضًا في نفقٍ مجهول، ولا تُعرَف نهايته الأخيرة، أو محطته النهائية. في العقل السياسي، فإنّ هذا الأمر يدعو لإعادة التفكير أكثر من مرّة، ليس في ردود أفعال المعارضين وخياراتهم المختلفة، ولكن في طرفي الصراع الحقيقي الذي يتحرّك فوق تراب البحرين: القوى الإقليمية (السعودية وإيران) من جهة، والبنية الشعبية العامة داخل البلاد من جهة أخرى.

السعودية اليوم مدفوعةٌ بأكثر من انزعاج بنيوي. فخريطتها الداخليّة ليست في أمان من أيّ تمزّق أو مفاجآت حاسمةٍ غير متوقعة. والاهتزاز -البطيء ربما- الذي يسري في المنطقة الشرقية (القطيف)، له معادِلٌ آخر في الحدود الجنوبيّة المتفجرة منذ بدء الحرب على اليمن في مارس/آذار 2015. إضافة إلى ذلك، فإن صراعًا محتملًا يلوح في الأفق بين الهويّة السلفيّة (الوهابية) والمسار التحديثي الذي سيضطر الحكام السعوديّون على الدخول فيه -أو سيُدخلونه عنوةً- لتلبية استحقاقات رؤية ولي ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية. ثمة تضخم داخليّ في المملكة قد يقود لمخاضاتٍ متتالية مع كلّ اهتزاز أو تبرُّم أو خسران يلحق بالمملكة من خارج الحدود.

في الوضع الطبيعي، فإن الحكمة تقترح على أهل الحل والعقد اللجوء إلى التهدئة، والقبول بالحلول الصعبة، وتحمُّل الهزائم المؤقتة. إلا أن الشعور السعوديّ (والخليجي إلى حدّ ما) المفرط بمخاطر «العدو» الجديد الذي تمّ تكبيره -أي إيران- لا يُسعفها، للأسف، على التفكير الطبيعي. إنها ترْكُنُ إلى سياسة التفجير المزدوج، أو التخريب الجماعي، للحدّ من شدّة الخرائب المحاطة بها أو الزاحفة إليها، أو المستوية شيئًا فشيئًا في داخلها. ومن المحتمل أن السعودية، والإمارات بدرجةٍ أخرى، لن تنتظرَ طويلًا لتكتشف أنها اختارت السياسة الخاطئة في معالجة «أمِّ الأزمات» التي تتدحرج من وسط العواصم الخليجية -حيث الاحتجاجات الشعبية التي يقودها أهل البحرين- وصولًا إلى مياه الخليج التي تحبس الأنفاس الأخيرة، بانتظار نضوب الطاقة السوداء، والعزوف بعدها عن اعتبار الخليج منطقة «النفوذ» التي تستحق كلّ هذا العناء.

* كاتب صحافي من البحرين.