فتى اسمه جهاد: من رماد الربيع العربي إلى ساحة المعركة في سوريا

فتى اسمه جهاد: من رماد الربيع العربي إلى ساحة المعركة في سوريا

الأربعاء 01 تموز 2015

بقلم أليس سو، ترجمة تقوى مساعدة

(نشر هذا التقرير بالإنجليزية على مجلة الأتلانتيك، في 19 حزيران 2015).

خلفية كومبيوتر أم جهاد هي صورة لابنها جهاد وهو يبتسم ملتفتًا من فوق كتفه في غابة، مركّبة على خلفية لامعة. «التُقطت له هذه الصورة في سوريا قبل أن يموت بقليل»، قالت الأم ذات الـ44 عامًا التي طلبت أن تُقدّم باسم «أم جهاد» لا باسمها. ضغطت أم جهاد على مجلّد عنوانه «جوجو» لترينا المزيد من الصور: جهاد يتصدر مظاهرة لمطالبة الحكومة بالإصلاح على دوار الداخلية، جهاد يلقي خطابًا في الجامعة الأردنية، جهاد يلبس الأبيض ليؤدي مناسك الحج، جهاد يلتقط شخصورة مع أخيه الأصغر، جهاد بلحية طويلة، حاملًا بندقية، ويخوض في نبع وهو يرفع علمًا أسود كُتب عليه بالحروف البيضاء التي تستخدمها جبهة النصرة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

الملف الأخير في المجلّد هو صورتان متقابلتان لجهاد في نفس الوضعية: ممددًا على الأرض على صدره، وذراعاه مفروشتان. على اليمين كان نائمًا في البيت فوق كومة كتب وأوراق، منهكًا من الدراسة للتوجيهي، وعلى اليسار يتدفق الدم من الفتحات التي خلّفها الرصاص في ظهره العاري. فتى في العشرين من عمره، مقاتل أجنبي في سوريا، وميّت.

جهاد غبن واحد مما لا يقل عن ألفي أردني ممن التحقوا بالجماعات المقاتلة في الحرب الأهلية السورية منذ بدايتها سنة 2011، بحسب تقديرات محللين. وبدخول الحرب سنتها الخامسة، وجدت الأردن الجارة نفسها عالقةً في الصراع، إذ تستضيف أكثر من مليون لاجئ من سوريا والعراق، بينما تشارك في التحالف العسكري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش». اليوم، باتت الأردن الدولة العربية الأخيرة الباقية في التحالف.

مع ذلك، فإن صراع الأردن الأعنف صراعٌ داخلي، فاستقرار البلد يدل على أمنها القويّ، حيث يحول تشديد الرقابة على الحدود دون انضمام الأردنيين إلى مجموعات مثل «داعش»، أو تشكيل خلايا محلية تابعة لها. كما أن فيديو قتل الطيار الأسير الأردني معاذ الكساسبة، والذي تم بثه في شهر شباط، أدى إلى تغيير الرأي العام الأردني حيال الجماعة الإسلامية المتطرفة، إلا أن معارضة الأردنيين لـ«داعش» لا تعكس بالضرورة رفضًا أشمل للجهاد، بل إن الأردنيين منهمكون في الجدال حول ضوابط وشرعية التطرف العنيف.

غادر ابن أم جهاد الأردن في سنة 2013، أي قبل صعود «داعش»، وقبل ما تبع ذلك من اقتتال بين الجماعات الجهادية المتقاتلة في سوريا. إلا أن غياب الإصلاح الديمقراطي بعد الربيع العربي وانتشار التطرف الديني وسط حالة عدم الاستقرار في المنطقة ضعضع قناعة الأردنيين بقادتهم السياسيين ومؤسساتهم الدينية. ظل تفسير الإسلام، وبالأخص تفسير مفهوم الجهاد، في حالة تغيّر مستمرة، مما ترك مساحة تأويل رمادية أمام الشباب المتحمسين العاجزين من أمثال جهاد غبن.

كان مؤمن جعابو في الثالثة والعشرين عندما تعرّف على جهاد، الذي كان في السادة عشرة من عمره سنة 2011، سنة الربيع العربي الأولى. جعابو، الذي كان معلم مدرسة في ذلك الحين، كان يشارك في المظاهرات جنبًا إلى جنب مع جهاد في وسط البلد في عمان، رافعين شعارات الحرية والإصلاح السياسي. كانا يتظاهران عند دوار الداخلية أثناء النهار، ثم يمضيان الليل وهما يرشّان الشعارات على الجدران في حي نزال في عمان الشرقية، حيث كان جهاد يسكن. الحي فقير ومحافظ، تسكنه أغلبية فلسطينية، ويتزايد فيه السوريون، ومنهم لاجئون أكبر سنًا ممن هربوا من مذبحة حماة التي ارتكبها نظام الأسد في الثمانينات، بالإضافة إلى لاجئين جدد نزحوا بعد الأزمة الأخيرة. أراني جعابو جدارًا كتب عليه جهاد بخطه، تم تغطيته بدهان أحمر إلا أن خطه ما يزال مقروءًا: «ليش الملك عايش بقصر والشعب ميت من الفقر؟».

بعد بضعة شوارع، أشار جعابو إلى مسجد كبير يطل على دوار حي نزال، وقال: «كان جهاد يصلي هنا»، مضيفًا أن المسجد معروف بخطبه السلفية التي كانت تدعو إلى عودة أصولية إلى الإسلام كما كان يطبقه السلف. والخطباء في المسجد كانوا يفسرون الجهاد بأنه حرفيًا القتال للدفاع عن المسلمين.

جهاد كان من أوائل المشاركين في الحراك، وهو أكبر حركة للناشطين الأردنيين الشباب، وكان أعضاء الحراك يتظاهرون أسبوعيًا خلال الربيع العربي مطالبين بالتغير الديمقراطي، والإصلاح الدستوري، والتحرّك ضد الفساد. يقول جعابو «كل الشباب كانوا مليئين بالأمل بأن يحدثوا تغييرات كثيرة، رأينا الثورة المصرية، السورية، التونسية… كانت الحكومات مرعوبة وكنّا نحن الحلقة الأقوى».

جهاد غبن (أقصى اليمين) سنة 2012 (مصدر الصورة: مؤمن جعابو).

بعد أربع سنوات، لم تلاقِ مبادرات الحكومة الإصلاحية الموعودة تطلعات الناشطين إلى حدٍ بعيد، فحريات التعبير والتجمّع مقيدّة أكثر مما كانت عليه قبل الثورات في المنطقة خاصة في ظل قوانين مكافحة الإرهاب التي يمكن للسلطات ان تستخدمها لاعتقال ومحاكمة المعارضين في محاكم عسكرية. الحراك ما يزال موجودًا، إلا أن الربيع العربي أتاح المجال للفوضى في المنطقة، وبالتالي فقد أصاب الخذلان أكثر المتحمسين للحراك، ومن بينهم جهاد.

يقول جعابو «بعد أن تدهورت الأمور بعد السنة الأولى في سوريا، ومن ثم في ليبيا، فقدنا الأمل. بدا لنا وكأن جهدنا كان بلا أي قيمة. شعرنا أن الجميع في الأردن كانوا يسخرون من الشباب. سخرت منا الحكومة والأحزاب. لم يكن أحد جادًا في تحقيق الإصلاح».

جعابو، الذي يبلغ السادسة والعشرين الآن، يعمل مديرًا لمطعم فلافل، وبحسبه، فإن بعض أعضاء الحراك ممن ينتمون لخلفيات أكثر امتيازًا من أهل عمان الغربية، سافروا للدراسة في الخارج أو العمل في دول الخليج. ولكن جهاد كان ما يزال مراهقًا، وكان ابن عامل في مصنع، يعاني في سبيل تأمين رسوم سنته الجامعية الأولى. وبالإضافة إلى الدراسة، فقد كان جهاد يعمل في مصنع علكة شعراوي. كان يخرج من عمله ويقطع عمان سيرًا على الأقدام ليشارك في مظاهرات الحراك، كان يمشي لساعات لأنه لم يكن يملك قادرًا على دفع أجرة التاكسي. أطلق عليه أصدقاءه لقب «أبو شعراوي» بسبب العلكة التي كان يوزعها عليهم دائمًا عند وصوله.

قالت أم جهاد أنه أمضى ساعات يشاهد الجزيرة عندما بطش نظام الأسد بالمحتجين السوريين، كان يتفرج ويبكي. قال جعابو أنه مشى مع جهاد إلى السفارة السورية في عز الشتاء ليتظاهرا تحت الثلج، رافعين علم سوريا الحرة ليدللوا على موقف الأردنيين ضد الأسد.

مع تدهور الوضع في سوريا وخسارة الناشطين في الأردن لجذبهم للجماهير بدأ جهاد يفكر بالانضمام إلى المقاتلين. وبحسب صديقه ليث علاونة (22 عامًا)، كان جهاد يسأل أصدقاءه عن الطريقة الأفضل لمساعدة السوريين. «بدأ يرى أن معركتنا في الأردن ليست الأولوية. الدم لا يُسفك هنا ولكن الناس في سوريا يُقتلون»، يقول ليث.

في حزيران 2013 ذهب جهاد لأداء العمرة مع مجموعة شبان من مسجد منطقته، وقالت أمه أنه عندما عاد أخبرها بأن يرغب في إمضاء بضعة أيام في القاهرة مع أصدقائه قبل أن يبدأ دوام الجامعة. سافر جهاد من الأردن إلى مصر ومنها إلى تركيا، وبعد بضعة أيام اتصل بوالدته من مدينة حلب السورية وأخبر أمه أنه انضمّ إلى جبهة النصرة.

في ذلك الحين، كانت «داعش» ما تزال مجموعة غير ملفتة للنظر تنشط في العراق كذراع للقاعدة، أما في سوريا فقد أعلنت عن اندماج لم يدم طويلًا مع جبهة النصرة، وهي فرع القاعدة السوريّ وواحدة من أبرز المجموعات التي تقاتل نظام الأسد. تمتّعت النصرة بدعم شعبي كبير، ولكنها صُنّفت على أنها تنظيم إرهابي من قِبل الحكومة الأمريكية.

عمل جهاد خلال سنته الأولى في سوريا في المكتب الإعلامي لجبهة النصرة، فلطالما تمنّى جهاد أن يكون صحافيًا، حيث تدرّب في إذاعة مجتمعية في الأردن، وكان يصّور مظاهرات الشباب أثناء الربيع العربي، والآن بات يصوّر مقاتلي النصرة، وينشر مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، ويملأ الفيسبوك بمنشورات متطرفة تزايدت حدتها مع الوقت.

«جهاد تغيّر حينها. ما كان بإمكاني أن أصدّق الأشياء التي بدأ يقولها»، يقول جعابو. في الأردن، كان أصدقاء جهاد من كل الأطياف: داعمون للإخوان المسلمين، شيوعيون، حتى أن بعضهم كانوا محافظين غير ناشطين سياسيًا. وكان جهاد قد تأرجح على امتداد الطيف السياسي، فقد فكّر بالانضمام إلى حركة الإخوان، ثم فكّر بالأحزاب اليسارية، ثم رفضهم جميعًا في النهاية. وبحسب جعابو، فإن «الأحزاب لا يمكنها أن تنتقد الملك لأنها تمثّل جزءًا من المنظومة، وجهاد لم يرضَ بذلك، فقد فضّل أن يكون مستقلًا على أن يقبل بالحلول الوسط».

بحسب أصدقاء جهاد وأهله، فقد كان متدينًا قبل أن يذهب إلى سوريا ولكنه لم يكن متطرفًا. وبحسب صديقه اليساري ليث علاونة، فقد كان جهاد «يحب الإسلام، ولكنه كان يتحدّث مع الفتيات، وكان يخرج. لم يكن متزمتًا أبدًا».

جهاد غبن مع أخيه في البيت (مصدر الصورة: أم جهاد)

عندما ذهب جهاد إلى سوريا، غيّر صورته الشخصية على فيسبوك من علم سوريا الحرة إلى علم جبهة النصرة، وأخذت ميوله التطهرية منحنىً دينيًا بات يظهر في منشوراته على فيسبوك، حيث صار يدعو الشيوعيين بـ«الكفار» الذي يتوجب قتلهم، وأخذ أصدقاؤه في الأردن يتساءلون إن كان هذا الكلام يعني أنه كان ليقاتلهم لو كانوا في سوريا. كان أصدقاؤه يقولون له أنه تورّط في حرب أيديولوجية ودينية، وليس في حرب لنيل الحرية، ولكن جعابو قال أن أيًا من هذا لم يغير موقفه.

صديق طفولته السوري ملهم الأحدب قال «كان يقول لنا: أنتم لا تساعدون الناس. أنتم في بيوتكم بينما الناس تعاني»، وبرأيه فقد كان جهاد فظًا على الفيسبوك. ولكن في الوقت ذاته، كانت سوريا تحترق، وجهاد كان يفعل شيئًا على الأقل. «إنني أكره هذا العالم الذي يبقى صامتًا بينما يضحي شباب مثل جهاد بأنفسهم. بقينا نحبه جميعنا»، يقول الأحدب.

وفي النهاية حمل جهاد السلاح مع النصرة. وفي شهر تشرين الأول 2014، بعد أن كان قد مضى عام وأربعة أشهر على دخوله إلى سوريا، أصيب جهاد برصاص قوات الجيش السوري فأردوه قتيلًا.

من وجهة نظر الحكومة الأردنية، فإن مكافحة التطرف تتطلبًا تركيبة من السياسات الأمنية – كحماية حدود البلاد لمنع المقاتلين من المرور من أو إلى المملكة – ومن الإقناع الأيديولوجي. «استراتيجيتنا هي حماية طريقة تفكير الناس»، يقول الناطق الإعلامي لوزارة الداخلية زياد الزعبي. «يجب أن ندعم الأيديولوجيات الوسطية قبل أن تنتشر الأيديولوجيات المتطرفة». وبحسب الزعبي فإن السلطات الأردنية تحاول نشر الأيديولوجيات الوسطية من خلال حوارات وورشات عمل مع الشباب عبر منظمات المجتمع المدني، وتعزيز الإسلام الوسطي من خلال وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.

وبحسب أشرف الكيلاني مدير مؤسسة أصدقاء الأمن الوطني، فإن مؤسسته تدعو القادة الدينيين، وهم غالبًا من دائرة الإفتاء العام، ليجروا حوارات مع الشباب يحللون فيها المواد التي تقدمها «داعش» ويوضحوا لهم لماذا يعد التفسير الذي تتبناه هذه المجموعة للإسلام تفسيرًا خاطئًا. في بعض الأحيان، يذهب المشاركون إلى مركز الملك عبدالله لتدريب العمليات الخاصة، وهي منطقة تدريب عسكرية في الصحراء خارج حدود مدينة عمان، وهناك يلتقون بضباط من الأمن العام.

«الشباب يفرحون عندما يجرون حوارًا حقيقيًا معنا وعندما يلتقون بضباط الأمن»، يقول الكيلاني، مضيفًا أن الكثير من الشبّان يطلبون أن تُلتقطَ لهم صورٌ مع ضباط العمليات الخاصة. «نحن كأردنيين نحبّ الجيش، والأجهزة الأمنية، والملك».

أما من الناحية الدينية، فلقد ذكر وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية هايل داوود، أن في الأردنّ 6300 مسجد، يخُطب فيها 5000 خطبة جمعة كل أسبوع، وتخضع كل المساجد لإشراف الحكومة، بالتالي فإن كل الرسائل التي تحتويها خُطب الجمعة يجب أن تلتزم بصيغة من الإسلام الوسطي وافقت عليها وزارة الأوقاف. «نريدهم أن يتحدثوا عن مواضيع مشتركة يتّفق عليها الجميع، لا المواضيع التي تسبب الفرقة. نريد مواضيع تشجع الناس على العيش في وحدة وسلام»، يقول داوود. يرصد خمسون من موظفي الوزارة المسجد ويبلغون عن أي خطباء يخرجون عن المحتوى المتفق عليه، وبحسب داوود فقد تم إعفاء خمسين خطيبًا من عملهم منذ نُشر فيديو معاذ الكساسبة في شهر شباط.

ولكن المنتقدين يرون أن أثر جهود الحكومة الأردنية لضبط المجال الديني محدود، هذا إن كان لها أي أثر على الإطلاق. خبير الشؤون الإسلامية المقيم في عمان حسن أبو هنية قال «لم يسبق لي أن التقيت بأي شخص غيّر أفكاره المتطرفة بسبب جهود شخصٍ من الأوقاف، فالمؤسسات الدينية الرسمية تفتقر للمصداقية عند العامّة، حيث يعتبرهم الناس جزءًا من النظام السياسي».

في الجامعة الأردنية ضحك علاونة على مسألة مراقبة الحكومة للمساجد وإمكانية أن توقف الأفكار المتطرفة. يقول علاونة «الأوقاف أوقفت خمسين شخصًا في كل البلد لأنهم يدعمون أفكار متطرفة؟ فلنمشي في الحرم الجامعي لعشرة دقائق وسأجد لك 50 آخرين».

جهاد غبن في سنته الجامعية الأولى في الجامعة الأردنية (مصدر الصورة: أم جهاد)

بحسب علاونة، فقد تناقصت أعداد الشباب الأردنيين الذين يذهبون للقتال في سوريا مقارنةً بالفترة التي ذهب فيها جهاد، ولكن هذا ليس مرتبطًا بالضرورة في جهود الحكومة لتغيير نظرة الشباب حيال فضائل الجهاد. هنالك خلافٌ عميقٌ حول تفسير الجهاد، كفرض يقضي حرفيًا بـ«القتال» في سبيل الإسلام، فبعض المسلمين يفهمونه على أنه نضال روحاني داخلي، وآخرون يرونه نضالًا في سبيل العدالة الاجتماعية، والاجتهاد في التعليم، والدعوة، والفكر والاقتصاد، بينما يفسر آخرون الجهاد على أنه الحرب المقدسة.

يقول جعابو «عندما مات جهاد، ألقى أولئك الشباب السلفيون خطبًا في تأبينه وتحدثوا عن شجاعته واستشهاده. الوضع الآن مختلف بوجود «داعش» لكن رغم ذلك، فالناس يؤمنون بالحرب في سوريا، فأغلب الأردنيين لا يعارضون إن ذهب أحدٌ للقتال».

وبحسب علاونة فقد حضر حشد من الشبان ممن كانوا يدعمون قرار جهاد بالذهاب إلى سوريا حفل تأبين أقيم لذكراه في الجامعة الأردنية. «كانوا يدعون الله أن ينتقم من الشيعة وأن ينصر المجاهدين»، يقول علاونة، قاصدين المجموعات السنية التي تقاتل نظام الأسد.

الأسباب التي تكمن وراء عدم عبور الشباب الحدود للقتال هذه الأيام هي في الأغلب ليست أسباب أيديولوجية، بل هي أسباب عملية: هنالك تضييق أمني، ولا يوجد سبيل للعودة إلى الأردن، إضافة إلى التحفظات على الفوضى والغموض في سوريا.

«جهاد كان شجاعًا، نحن ضعفاء»، يقول ملهم الأحدب معلّقًا على عدم ذهابه هو الآخر إلى سوريا. «نحن نختلق أعذار مختلفة لأنفسنا، ولكننا في نهاية الأمر نعرف أنه بطل وأنه فعل الصواب».

من ناحيته، يرى ليث علاونة أن شن الحرب في سوريا ليس الطريقة المثلى لمساعدة السوريين. «سوريا لعبة، فهنالك السعودية، وتركيا، وإيران، وأميركا، وقطر، لماذا أسمح لنفسي أن أكون أداة في أيدي هؤلاء الناس؟ المقاتلون الشباب الذين يقاتلون مع كل الأطراف يتم التلاعب بهم في حلقة من الأسلحة والدم والمال التي لا تؤدي إلا إلى تحقيق الأهداف السياسية للقوى الكبرى».

ناصر أبو عبد الرحمن (48 عامًا)، وهو شيخ سلفي من الرصيفة، يقول بأنه لا يشجع الشباب على القتال في سوريا، ليس لتعارض ذلك مع تفسيره لمفهوم الجهاد في الإسلام، ولكن بسب الانقسام الحاصل بين الجماعات الجهادية في سوريا.

«هذا الزمن زمن فتنة، فالمجاهدون منقسمون»، يقول قاصدًا الانفصال الذي وقع بين «داعش» والنصرة في صيف سنة 2013. «من الأفضل للأردنيين أن يبقوا في وطنهم الآن، بدلًا من أن يفاقموا حالة الفرقة الإسلامية بانضمامهم إلى فصائل تتقاتل فيما بينها.

ووصف أبو عبد الرحمن «داعش» بأنها مجموعة مندفعة بشكل كبير وأنها ارتكبت أخطاء حقيقية على صعيد الأيديولوجيا وعلى الصعيد العملي، خاصة عندما أحرقت معاذ الكساسبة حتى الموت، «ولكن لا أحد يقول أن «داعش» ليسوا مسلمين، فنحن لا نعدهم كفارًا». وأضاف «حتى لو وظّفت الدولة الإسلامية أساليب تأويل غير مشروعة للقرآن، فإن الناس سيدعمون الجماعة السنية بدافع الإحباط وسط الحرب والقهر والمعاناة».

يكمل أبو عبد الرحمن موضحًا: «لو حمى رجل سكرانٌ ابنك من الاغتصاب، ستدافع عن السكران. إنه أفضل من الآخرين لأنه حمى ابنك». الأمر نفسه ينطبق على الناس الذين يعانون في سوريا والعراق، وخاصة السنة منهم، فهم سيتجاوزون عن عدم مشروعية «داعش» الشرعية لصالح دعم نجاحها العسكري، خاصة في ظل عدم الاهتمام الدولي بإنهاء الحرب في سوريا.

جهاد غبن (يسار) ومؤمن جعابو يتظاهران ضد النظام السوري أمام السفارة السورية في عمان (مصدر الصورة: مؤمن جعابو)

وفقًا لأصدقائه، فقد اتجه جهاد للانضمام إلى النصرة لنفس الأسباب: عدم تقبله للظلم، والإحباط من التراخي الدولي، والإصرار على خلق التغيير. يقول أحدب «جهاد كان التجسيد الحي للربيع العربي. لم يكن مجرد متفرج».

«جهاد كان كالصفحة البيضاء التي يمكن لأي أحد أن يكتب عليها»، يشير علاونة. «كان من السهل التأثير عليه لأنه كان متحمسًا شغوفًا». كان يتجادل مع جهاد حول مشروعية الأيديولوجية الدينية، ولكن بمجرد أن تذكر أمامه الهجمات بالأسلحة الكيماوية، والأطفال الذين يموتون، والنساء المغتصبات، فقد كان جهاد يبكي.

أما أم جهاد فقالت «كان هنالك نارٌ متقدة في صدره»، واستذكرت مرة مرت فيها هي وابنها برجل يضرب حماره في الشارع، فتوقف جهاد ووبخ الرجل رغم أن أمه كانت مصرّة على أن الموضوع لا يخصهم. «لو كان مهتمًا كل هذا الاهتمام بالحمير، فكيف سيكون اهتمامه بسوريا؟ جهاد تعبَ من الأردن ومن الحكومة، كان يتكلم دائمًا ولم يكن أي أحد يسمعه، كان يريد الفعل لا القول». قالت إنه ذهب إلى سوريا ليموت، وأنه لم يكن أمامها أي خيار سوى أن تقبل الواقع.

في شوارع عمان تدعوك يافطات كبيرة بالألوان الوطنية: الأحمر والأخضر والأسود أن «ارفع رأسك، أنت أردني». رسالة الدولة واضحة: الأردن واحدة، قوية، وفخورة بوقوفها في وجه الإرهابيين.

مقتل الطيار معاذ الكساسبة أدى إلى جعل رسالة الحكومة أقرب إلى الواقع، وذلك بحسب دراسة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية. ففي كانون الأول 2014، اعتبر 72% من المبحوثين «داعش» جماعة إرهابية، وفي شباط 2015، بعد انتشار فيلم «داعش» وهي تحرق الطيار، ارتفعت النسبة إلى 95%. وفي كانون الأول 2014 اعتبر 37% من المبحوثين جبهة النصرة تنظيمًا إرهابيًا، بينما بلغت النسبة 55% في شهر شباط 2015 و62% في شهر نيسان 2015. بحسب وليد الخطيب رئيس وحدة الاستطلاعات في مركز الدراسات الاستراتيجية «فقد غير الكساسبة رأي خُمس المواطنين خلال أسبوعين، وهذا يفوق ما فعلته الحكومة في حملتها ضد «داعش» التي استمرت لأربعة أشهر».

ومع ذلك، فإن الخطيب يعتقد أن الأردنيين لا يرون الجماعات الإسلامية المتطرفة بالأبيض والأسود، بل بدرجات رمادية. «هنالك خطٌ رفيع يفصل المرء بين أن يكون مسلمًا حسن الإسلام يتّبع تعاليم النبي، وبين أن يصبح متطرفًا». وقد تحاول الحكومة أن تقنع الناس أنها تعرف أين يقع هذا الخط بالضبط، ولكن الأصوات المحسوبة على الحكومة لا تتمتع بالمصداقية أمام الشارع الأردني. أما أبو عبد الرحمن فيرى أن «الحكومة تُقدّم مصالحها الشخصية على ما هو صواب دينيًا».

وبينما يثق الأردنيون ويعتمدون في العادة على حكومتهم لحماية الأمن الوطني، إلا أنهم لا يسارعون في تصديق رأي الحكومة حول مشيئة الله. أم جهاد على سبيل المثال لا تؤمن بالخطاب الرسمي حول الجهاد السلمي. «أنظر كيف تدمر البراميل المتفجرة المستشفيات في سوريا، أنظر كيف يُقتل المسلمون في بورما، أليس هذا ظلمًا؟.. ديننا واضح، إن كان مسلمٌ بحاجة لأن تنصره، فيجب أن تذهب لتدافع عنه».

في نفس الوقت، لم تكن أم جهاد تعلم أنه ذاهب إلى سوريا، كما لم يكن بإمكانها أن تجعله يعود. «أريد أن أخبرك أنني أؤمن أنه اتخذ القرار الصحيح». كانت تبكي وترجوه أن يعود في كل مرة كان يتصل فيها رغم إيمانها بأن الجهاد فريضة وبأن دوافع ابنها صالحة. «ضعيفات الإيمان قد يقلن ‘ابقى هنا معي ولا تذهب’  أما قوية الإيمان فتقول لابنها ‘يجب أن تذهب وأن تجاهد’. ولكن هذا صعب على الأم، إنه الصواب ولكنه صعب».

عبارة على كتبها جهاد على جدار في منطقته: «ليش الملك عايش بقصر والشعب ميت من الفقر» (مصدر الصورة: أليس سو).

بحسب خبير الشؤون الإسلامية أبو هنية، فإن الحوارات الحقيقية حول الدين وطبيعة الجهاد لا تجري في الأردن في جلسات ترعاها الدولة، بل تجري على الإنترنت وفي مواقع التواصل الاجتماعي. فتح أبو هنية الفيسبوك ليرينا مثالًا، وأخذ ينزل في صفحته الرئيسية وسط الفيض اللانهائي من المنشورات فكان فيها: رسالة مصورة بالفيديو لمتطرفين يؤسسون «دولة سيناء»، وصورة للدولة الإسلامية تنشئ طرقًا في جبال سنجار في كردستان العراق، وتهانٍ لـ«داعش» بانتصارها في مدينة الرمادي بالعراق، واستنكار لحرق المسلمين في بورما، وهكذا. يقول أبو هنية «إن كانت الحكومة راغبة في إسكات الجهاديين، فيتوجب عليها أن تُسكت الجميع».

وأشار أبو هنية إلى أنه بعد انتشار فيديو الكساسبة، لم يرَ الكثير من الأردنيين يرفضون الجماعات المتطرفة بشكل مطلق، بل لاحظ بدلًا من ذلك أسئلة يطرحها الأردنيون حول مشروعية العقاب بالحرق بالنار في الإسلام. «لقد باتت أيديولوجيا التطرف أكثر مرونة، فالناس يفكرون بالجهاد أكثر من ذي قبل، والنقاشات صاخبة، ومملوءة بالحماسة، وتنتشر».

ويقول أبو هنية «إذا لم يكن بوسع الحكومة الأردنية أن تكافح التطرف من خلال التحكم الإيديولوجي، فماذا يمكنها أن تفعل؟ العكس. الإصلاح الديمقراطي والانفتاح السياسي، فالأردن تبتعد عن الديمقراطية تحت مسمى مكافحة التطرف»، واستذكر قمع الشيوعيين، والحراك، والجناح الأردني من حركة الإخوان المسلمين.

ويضيف «أن أعدت المعتدلين إلى دائرة الضوء، فإن هذا سيدفع المتطرفين إلى الهامش»، ووافقه في ذلك صديق جهاد ليث علاونة «نريد الخبز، الحرية، والعدالة الاجتماعية».

جهاد طالب بنفس هذه الأمور عندما كان فتى في السادسة عشرة من عمره. «جهاد كان مهتمًا إلى حد بعيد، لكنه شعر أن لا أحد يصغي في الأردن»، يقول جعابو. «لو أنه وجد إصلاحًا حقيقيًا هنا، لما ذهب مطلقًا».