برصاص داعش وسلاح الأسد: لا تقتلوا ناجي الجرف مرتين

الأحد 03 كانون الثاني 2016
ناجي الجرف naji el jerf

بقلم بدور حسن

هكذا أحب ناجي الجرف (1977-2015) أن يصف نفسه. عمل ناجي مديرَ تحريرٍ لمجلة حنطة التي أسسها، ومدرّبًا للصحفيين المواطنين، وساهم في تأسيس المكتب الإعلامي لمدينة سَلَمِية وريفها مع انطلاق الثورة السورية، إلا أن الهوية التي طغت على كل هذه التعريفات المهنية كانت انتماءه لسلمية. «إنت سلموني، أليس كذلك؟» سألته في أول حديث بيننا فأجاب «سلموني، كتير كتير».

نحن نشبه مدننا وروحها تنعكس على وجوهنا وتعيش فينا، ولكن ناجي لم يشبه سلميته فحسب بل كان تجسيدًا لها. هي، على الرغم من سِلميتها وضعفها، وحّدت السوريين في بداية ثورتهم، متحدّيةً التنميطات الطائفية ومتجاوزةً الانحيازات الأقلوية ومحيلة «النسيج الوطني الجامع» من بضاعة كاسدة ومبتذلة يسخر السوريون ممن يحاول المتاجرة بها، إلى واقعٍ معاشٍ وملموسٍ في المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد النظام السوري. ورحيل ناجي، الأعزل كمدينته والمنهك مثلها، وحّد السوريين بعد انهيار ثورتهم. هذه وحدة في الألم والحزن والرثاء، ولكن مناهضي النظام السوري لم يظهروا هذا التوافق الجمعي على شخصية عامة منذ زمن بعيد.

أن نروي قصة ناجي الجرف دون أن نتحدّث عن نضاله ضد النظام السوري هو كاتم صوت آخر نوجّهه إلى رأسه.

ومنذ زمن بعيد، لم يحظ شهيد سوري بهذا القدر من التغطية الإعلامية والاهتمام. ولكن ما يشوب هذه التغطية أنها نابعة، بشكل أساسي، من هوية قتلة ناجي. من المريح التضامن مع ضحايا داعش فداعش عدو يمكننا الإجماع على كراهيته وإدانته. ليست الرصاصة التي أطلقها ملثّمو داعش وحدها من أراد كتم صوت ناجي، فالذين حاولوا كتم صوته كُثر وأولهم النظام السوري. قد يكون الوثائقي الذي أخرجه ناجي عن انتهاكات داعش في حلب هو السبب المباشر في اغتياله، ولكن سبب نزوح ناجي من سوريا وعدم قدرته حتى على تحقيق حلمه في أن يُدفن في مدينته التي عشق هو النظام السوري وملاحقة مخابراته وخطر الاعتقال الذي لازمه.

أن نروي قصة ناجي الجرف دون أن نتحدّث عن نضاله ضد النظام السوري، كاتبًا ومتظاهرًا وموثّقًا، هو كاتم صوت آخر نوجّهه إلى رأسه.

حين يختزل الإعلام الرسمي عمل ناجي في الوثائقي الذي أخرجه عن جرائم داعش، فهذا الاختزال يخدم سرديّةً سائدة وشعبية تقول أن تنظيم داعش هو الشيطان الأكبر والوحيد الذي ينبغي على الجميع موالين ومعارضين، محاربته. ولكن هل كان ناجي ليوافق على هذه السردية؟ لا يلزمنا أن نتحدّث باسم ناجي أو أن نتساءل ماذا كان ليقول عن هذا الاختزال. يكفي أن نقرأ صفحته المزدحمة بصور الشهداء من مقاتلين في الجيش الحر وناشطين سلميين وأصدقاء قتلوا في عتمة السجون.

أن نغفل وجوه الشهداء التي تعبق بها صفحة ناجي وأن نتجاهل كلماته عنهم وسعيه المستمر لأن يحكي لنا قصص المجهولين والمنسيين هو وابل من الرصاص يثخن جسد ناجي ويقتله مرة أخرى.

آخر أعداد مجلة حنطة الشهرية التي يشرف ناجي على إدارة تحريرها كُرّس لليساري الفلسطيني السوري علي الشهابي، المعتقل في سجون النظام السوري منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وقبلها كانت «حنطة» إحدى أولى صحف الإعلام السوري البديل التي كتبت عن اعتقال الكاتب جهاد أسعد محمد الذي لم ينسه ناجي يومًا، كما لم ينسَ غيره من المعتقلين والمختطفين مهما اختلفت هوية معتقلِهم أو مختطفِهم.

مَن ثار ضد النظام ورفض سلطته وحاول المساهمة في تشكيل إعلام سوري بديل، ليس غريبًا أن يكون هدفًا لداعش وضحية له، فالأصوات نفسها التي ارتفعت في المظاهرات المطالبة برحيل النظام ترتفع أيضًا ضد تنظيم داعش وغيره من القوى الظلامية.

«أتمنى لجميع المواطنين الصحفيين السوريين والعراقيين والفلسطينيين عامًا أقل دموية وأقل استبدادًا». هذه كانت أمنية ناجي للعام 2015. ولكن المستبدّين في هذه المنطقة كُثر ويتزايدون باستمرار، ترعبهم الأصوات الباحثة عن الحقيقة والحرية، ولن يروي ظمأهم سوى التخلص منها جميعًا.