المحرقة: «الابنة الشرعية» للدولة الحديثة

مدخل معسكر الاعتقال النازي أوشفيتز، وتقول العبارة أعلى البوابة: العمل سوف يحرّركم.

المحرقة: «الابنة الشرعية» للدولة الحديثة

الإثنين 29 كانون الثاني 2018

«لم تكن الهولوكوست مجرّد مشكلة يهودية، ولم تكن حدثًا في التاريخ اليهودي وحده. لقد ولدت الهولوكوست ووقعت في مجتمعنا الغربي العقلاني الحديث، في أوج مجد حضارتنا، وفي ذروة إنجازنا الثقافي الإنساني، ولهذا السبب هي مشكلة من مشكلات المجتمع الغربي والحضارة الغربية». زيجمونت باومان – الحداثة والهولوكوست.

يعتبر كتاب «الحداثة والهولوكوست» لعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، الذي يصادف هذا الشهر الذكرى السنوية الأولى لوفاته، أحد أهم الكتب التي قدم فيها باومان نقدًا شديدًا للحداثة الغربية. يتناول هذا المقال مجموعة من الأفكار الواردة في الكتاب الذي دعا باومان من خلاله لدراسة المحرقة كما يقول: «لتشمل جوانب أكثر أهمية من الاحتفال بذكرى ملايين القتلى»، كما تفعل اليونسكو والدول الأوروبية في مثل هذا الوقت من كل عام.

مع أن المحرقة حدثت في سياق أوروبي خالص ارتكبته دولة أوروبية على مواطنيها، إلّا أن خطاب التكفير عن الذنب الأوروبي من قبل الذات الأوروبية يُخرج المحرقة من سياقها، ويحوّلها إلى «حدث» بالماضي ارتكبه شخص مهووس بالقتل يستدعي يومًا «عالميًا» لتذكّر الضحايا الذين احتكرت الصهيونية -التي نشأت واستهدفت فلسطين قبل المحرقة- التكلّم باسمهم بموافقة ودعم الدولة الأوروبية التي تعتقد بأنه كلما توددت لإسرائيل كفّرت عن ذنبها تجاههم.

المختلف في كتاب باومان هو أنه لم يبحث المحرقة من منطلق لاهوتي أو عرقي. ورفض تحليلها باعتبارها نتيجةً لهوس هتلر أو مرضه النفسي أو فساده الأخلاقي. ولم يتناولها وكأنها انحراف عن مسار مجتمع «متحضّر»، ولا على أنها سرطان في الجسم السليم للمجتمع الغربي أو فقدان للعقل في لحظة ما. بل درس المحرقة من خلال دراسة بنية الدولة الغربية الحديثة وتفكيك ركائز هذا العقل، عقل الحداثة والقومية.

يحمل «الحداثة والهولوكوست» غضبًا نظريًا شديدًا على الطريقة التي تناولت فيها العلوم الاجتماعية في الغرب المحرقة باعتبارها نموذجًا محزنًا لما يمكن أن تقوم به الطبيعة العدوانية البشرية، إذا لم تقم الدولة الغربية الحديثة بزيادة مقدار «التهذيب الحضاري» لهذه النفس البشرية، أو باعتبارها حقلًا في «دراسات متخصصة» خاصة باليهود و«ممثليهم» تستخدمها الدولة الصهيونية أبشع استخدام لإضفاء صفة «الشرعية» على وجودها الاستعماري.

يحاجج باومان في تحليله أن المحرقة لم تكن تعبيرًا عن عجز الحداثة عن لجم الممارسات اللاعقلانية الغربية والعدوانية، أو عن فشل سياسات الاندماج داخل الحضارة الغربية، وإنما كانت نتاجًا طبيعيًا للحضارة الغربية. وسوف يستعرض هذا المقال هذه الحجة وعلاقة ذلك بكل من القومية، والعنصرية، والعقلانية البيروقراطية.

المحرقة كفعل حداثي يقوم على «الكفاءة»

حدّد هتلر هدف النازية بـ«التخلص من اليهود» دون أن يحدّد كيفية تنفيذ الهدف، لكن فور تحديد الهدف سار كل شيء بالضبط كما شرحه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بكل وضوح عند تحليله للإدارة الحديثة، مطلع القرن العشرين.


سلسلة من الإجراءات التي اعتبرتها الدولة الغربية الحديثة انجازًا عقلانيًا لتطورها كانت كفيلة بتأمين كل ما يلزم لفعل المحرقة. كان هذا الفعل بحسب باومان عبارة عن إجراء «روتيني بيروقراطي رتيب» يقوم على التنسيق بين الأقسام المختلفة للدولة البيروقراطية، ويحتاج للتخطيط الدقيق، والتكنولوجيا المناسبة، والمعدات الفنية، وإعداد الميزانيات، والأرشفة والإحصاء.

عالم المحرقة لم يخرج إلينا فجأة من اللامكان، ولم يقم على الانفعالات الغوغائية غير العقلانية، بل جاء بحسب باومان في «حافلة من إنتاج المصنع، جاء مسلحًا بأسلحة لا يمكن أن يبتكرها سوى أكثر العلوم تقدمًا، جاء في طريق رسمته منظومة تدار على أسس علمية». لهذا يرفض باومان خطاب تعارض المحرقة مع مبادئ العقلانية، بل يعتبرها نتيجة منطقية للسعي العقلاني للتنفيذ المتقن والفعال للأهداف ونتاج منظومة بيروقراطية دقيقة تتوافق فيها الطريقة مع الهدف.

يُخرج خطاب التكفير عن الذنب الأوروبي المحرقة من سياقها، ويحوّلها إلى «حدث» بالماضي ارتكبه شخص مهووس بالقتل يستدعي يومًا «عالميًا» لتذكّر الضحايا

قد يردّ البعض على كلام باومان بأن التاريخ مليء بالمذابح والقتل الجماعي التي لم تعتمد على البيروقراطية الحديثة أو المهارات والتكنولوجيات التي تمتلكها. ما يريد باومان -والذي يميز بين أشكال القتل الجماعي الحديث والتقليدي- قوله هو أن الحضارة الغربية وإن لم تكن بمفردها «سببًا كافيًا» للمحرقة فإنها كانت بلا شك «شرطًا لازمًا» وضروريًا لها، وأصبح من خلالها تصوّر المحرقة وتنفيذها ممكنًا. يكشف باومان من خلال هذا الادعاء زيف المقولات الحديثة التي تصور هذا الشكل من القتل كنكوص عن الحداثة أو فشل طارئ لها بوصفها استثناءً عمّا يفترض بالدول الحديثة ممارسته، ليعلن بوضوح أن المحرقة كانت «أحد الأبناء الشرعيين للحداثة».

يميّز باومان بين أشكال القتل الجماعي التقليدي وبين الإبادة في عهد الحداثة. تقوم الأشكال التقليدية للقتل الجماعي على العنف «الفوضوي الغوغائي» الذي يستند إلى عوامل نفسية ومشاعر عدوانية وهو في الوقت ذاته يفتقد إلى الكفاءة من ناحية الدقة والفعالية والقدرة على الإنجاز بأسرع وقت. ما فعلته الدولة الحديثة هو أنها قامت باستبدال الغوغائية بالبيروقراطية واستبدلت مشاعر الغضب بطاعة السلطة وتنفيذ الأوامر. فالقتل الحديث البيروقراطي يقوم على العمل المنظم والعقلانية والجودة التقنية القادرة على قتل ملايين البشر في أشهر معدودة في الوقت الذي يتطلب القتل الفوضوي الغوغائي عشرات أو مئات السنين لاتمام المهمة.

يبدو منطقيًا تجاهل باومان مناقشة الحرب باستخدام الأسلحة الحديثة، كمؤسسة فعالة للقتل قد تفوق ضحاياها ضحايا العديد من أشكال القتل الجماعية الأخرى، لأن ما يميّز المحرقة هو منهجية القتل والقصدية بتحديد دقيق للضحايا. القنابل المستخدمة في الحروب لا تستطيع أن تحدد نساء قرية ما حصريا كهدف مباشر لها، بينما المحرقة تسطيع من خلال جهاز عسكري وقطاعات ضخمة من البيروقراطية، ودوائر تحتوي على ملفات السكان وأماكن سكناهم وجنسهم وطبيعة عملهم وغيره أن تستهدف الغجر أو اليهود أو المعاقين، استهدافًا قصديًا مباشرًا كما فعلت النازية.

ضبطت الدولة الغربية الحديثة جودة العنف وفاعليته وعملت على إعادة تموضعه في مواقع جديدة داخل النظام الاجتماعي والسياسي من خلال قدرتها على ممارسة القتل الجماعي ببربريّة هادئة ورتيبة ومدروسة، ذات تنسيق وإدارة فعالة. فالعلاقة وثيقة جدًا بين العنف الحديث كفعل عقلاني مجرّد من الانفعالات وبين الحداثة التي تمارس باستمرار التفوق الأخلاقي بادعائها الكاذب بأن الحضارة الغربية تنبذ العنف باعتباره سلوكًا متوحشًا ما قبل حداثي.

تكتسب مداخلة باومان أهميتها، كذلك، بكونها قراءة في الحداثة أكثر من كونها قراءة في المحرقة. قراءة تضيف الكثير لفهم وتحليل العنف الممأسس للدولة الحديثة الذي تنكره باستمرار من خلال إمّا رده إلى زمن قد مضى أو تصويره وكأنه سلوكيات إجرامية «منحرفة» لأشخاص عصيين على «التهذيب الحضاري». يقول باومان «مهما كان خيال هتلر قويًا، لم يكن لينجز إلا النزر اليسير لو لم يعهد بهذا الخيال إلى جهاز بيروقراطي عقلاني ضخم يترجمه إلى عملية روتينية تستهدف حل المشكلات».

كيف تعيد الدولة الحديثة تعريف «الأخلاق»

أثناء محاكمة أدولف آيخمان قال محامي الدفاع عنه، وفق ما نقلته حنا أرندت في كتاب «تفاهة الشر»: «ارتكب آيخمان أفعالًا يكرّم المرء على أدائها إذا انتصر، وتنصب له المشانق إذا انهزم». أي أن الشيء الذي يحدّد المعنى الأخلاقي للفعل في الدولة الحديثة هو القوة وليس الفعل نفسه. فالقاتل حين ينهزم يتحول إلى مجرم والقاتل عندما ينتصر يكتسب صفة البطولة. وهذا تمامًا ما كان يقوله جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر: «سيذكرنا التاريخ؛ سنكون من كبار رجال دولة في كل مكان أو من كبار المجرمين».

لأن الدولة الحديثة أعادت صياغة مفهوم الأخلاق، يرفض باومان تفسير المحرقة من خلال تحليل نفسية مرتكبيها بمعزل عن مؤسسات الدولة وفاعلية البيروقراطية المنضبطة، والاكتفاء بالتعامل معهم باعتبارهم مجموعة من المجرمين عاشقي القتل ومعدومي الضمير والأخلاق. نتائج الدراسات النفسية التي عرضها باومان تكشف أن هناك قلة من أعضاء فرق (الإس إس)1 يمكن تصنيفهم نفسيًا كـ«حالات شاذة غير سوية». أما أرندت فتؤكد أن آيخمان لم يكن «مجنونًا بالمعنى الحرفي لعلم النفس لا أقل منه بالمعنى القانوني»، ولم يكن متدينًا ولم يقرأ «كفاحي» لهتلر، وفي كل مرة كانوا يسألونه لماذا انخرطت في الحزب كان يجيب بكلمتين «معاهدة فرساي والبطالة»، وكان القس الذي يزوره في السجن يصف آيخمان بـ«الرجل ذي الأفكار الإيجابية جدا».

يفسر باومان العملية الممنهجة التي تقوم بها الدولة الحديثة من خلال مؤسساتها بتحويل الأفراد العاديين، الذين لا يتسمون بالضرورة بالفساد الأخلاقي، إلى قتلة مجرمين من خلال ما يسمى بـ«الانضباط المؤسسي». تكريس «مبدأ» ضرورة الالتزام بأوامر الرؤساء والاخلاص للمؤسسة يعمل على تجريد ضحايا العنف من الصفات الانسانية ويصبح الانضباط والتماهي مع المؤسسة هو الفضيلة الأخلاقية التي تفوق أي فضيلة أخرى.

من جهة أخرى، وبحسب باومان، يحدث تعليق للوازع الأخلاقي عندما تزداد المسافة الفيزيائية أو النفسية، أو كلاهما، بين الفعل وعواقبه التي تؤمّنها المؤسسات والتكنولوجيا الحديثة. ويصبح إدراك عواقب الفعل إدراكًا نظريًا غير كافٍ لإيقافه. ومن إحدى أفظع الوسائل التكنولوجية للمحرقة ابتكارها لطرقٍ ليس فقط تحول دون رؤية القاتل للضحية بل تحويل القاتل إلى موظف لا يمارس القتل بصورته المعتادة المباشرة على جسد الضحايا. كانت غرف الغاز المتنقلة أو الثابتة مثالًا مهمًا على هذا، إذ يصفها باومان بأنها «أعظم اختراع ابتكره النازيون آنذاك لأنها اختزلت دور القاتل إلى دور «عامل الصحة العامة» الذي يعهد إلى تفريغ كيس من المواد الكيميائية المعقمة من خلال فتحة سقف مبنى دون أن يزوره أبدًا».

مع تطور الإدارة البيروقراطية في الدولة الحديثة فُصلت ممارسة العنف عن الحسابات الأخلاقية، وتم تحرير العقلانية وفاعلية العمل من «سطوة» الأخلاق عليهما. كان الفصل بين الوسائل والقيمة الأخلاقية محصلة عمليتين محوريتين في النموذج البيروقراطي للعمل، تتمثل العملية الأولى في التقسيم الوظيفي للعمل بدقة شديدة، أما العملية الثانية فتتعلق بإحلال مسؤولية تنفيذ الأوامر ومبدأ طاعة المسؤول محل المسؤولية الأخلاقية.

يقدم آيخمان مثالًا مهمًا على فكرة التقسيم الوظيفي للعمل في كتاب أرندت. يشبّه آيخمان طريقة إجبار اليهود على الهجرة ومصادرة أموالهم من قبل أجهزة النازية بـ«طاحونة للحبوب مرتبطة بمخبزة». يدخل يهوديٌ ما زال يمتلك بعض الأملاك كمعمل أو محل تجاري أو حساب مصرفي إلى عمارة و ينتقل من غرفة إلى أخرى، من موظف إلى موظف ومن مكتب إلى آخر، في ثنايا هذه العمارة، ويخرج في النهاية بلا أموال ولا حقوق، وفي يديه جواز سفر فقط مكتوب عليه «وجوب مغادرة النمسا خلال خمسة عشر يوما، وإلا سينقل إلى معتقل».

القومية والعلم في خدمة العنصرية

البيروقراطية كعملية عقلانية منظمة قادرة نظريًا على ارتكاب جرائم القتل الجماعي، وحتى تنخرط بهذه العملية هي بحاجة إلى عوامل أخرى كقوة الدولة نفسها وهيمنتها وإلى ابتكار حداثي آخر وهو شرعية خلق نظام اجتماعي من خلال «هندسة المجتمع» أو كما يسميها باومان «البستنة» أي تقسيم الناس وفصلهم وإعادة إدماجهم ثم فصلهم من جديد وهكذا في عملية مستمرة، وهذا يتطلب أولًا وقبل كل شيء خلق آخر، في مقابل «نحن».

هناك العديد من الأسباب والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التاريخية التي عملت على تحويل اليهود في أوروبا إلى آخر. ساهمت المسيحية الأوروبية قبل عصر الحداثة بالترويج لفكرة انفصال اليهود وانعزالهم، وكانت المسيحية بحسب باومان تطوّر نفسها وتبسط نفوذها وشرعيتها وتستمد هويتها من فكرة تحويل اليهود إلى آخر. ووفق رؤية المسيحية لذاتها تبلورت معاداة اليهود باعتبارهم عامل تحدٍ لنظام الأشياء التي كرسته المسيحية من جانب والخروج عن الجماعة من جانب آخر. لكن مع هذا يؤكد باومان أن المعاداة التاريخية ما قبل عصر الحداثة لليهود لا تفسر لنا الكثير عن أسباب المحرقة، ويرفض التعامل معها باعتبارها سببا كافيا لها.

يحاجج باومان بأن طبيعة النظام الاجتماعي السائد ما قبل الدولة الحديثة قائمة على تقسيم المجتمع إلى طوائف وجماعات كان الفصل بينها أمرًا طبيعيًا. ورغم أنه كانت هناك علاقات قوة وتراتبية واضحة بين هذه الجماعات، لم يكن هناك هاجس مستمر لتحويلها إلى وحدة متجانسة. ومع الحداثة أخذت معاداة اليهود في أوروبا شكلًا جديدًا لأسباب لها علاقة بتطور العلوم والوظيفة الأيديولوجية للدولة الحديثة وسعيها المستمر لتحقيق هدف التجانس والتماثل المجتمعي. نظرت أوروبا «للخصوصية اليهودية» كمشكلة ثقافية يجب التعامل معها وحلّها باعتبارها إحدى رواسب النظام الاقطاعي المتمسكة بالخرافات الما قبل حداثية في مواجهة تقدم العقل، أو باعتبارها كما يقول جوزيف مسعد «مسألة آسيويّين شرقيّين أجانب يعيشون في أوروبا والغرب».

يرفض باومان تفسير المحرقة من خلال تحليل نفسية مرتكبيها بمعزل عن مؤسسات الدولة وفاعلية البيروقراطية المنضبطة، والاكتفاء بالتعامل معهم باعتبارهم مجموعة من المجرمين عاشقي القتل

ترافق هذا مع ظهور عصر القوميات حيث كان اليهود، كما تخبرنا أرندت في «أصول التوتاليتارية»، «جماعة غير قومية في عالم من القوميات القائمة». ولمّا بنت الدولة القومية الحدود والفواصل بين «الجماعات» أخذت تنظر لليهود كـ«عدو داخلي» لا بد من إخضاعه بحسب باومان «إلى عمليات التصنيع، والتشييد، والإقناع العقلاني، والتخطيط التكنولوجي، والإدارة والرقابة» لكونه يهدد السيادة القومية، وطبيعة الكيانات نفسها.

أسّس التقاء خطابات القومية مع تطور العلوم الطبية والبيولوجية شكلًا جديدًا من العنصرية. في الوقت الذي خلقت نماذج من القومية عنصريتها من خلال مفاهيم التاريخ والشعب والثقافة من أجل هدف الاندماج القسري، سعت العلوم البيولوجية، بحسب باومان، لتكريس عنصرية علمية تقوم على فكرة أن هناك «عرق» أو «جماعة» مصابة بداء مستعصٍ لا يمكن علاجها وبالتالي دمجها في النظام العقلاني مهما حاولنا، فلذلك لا مفر من استئصالها.

نظرت اللاسامية العلمية بحسب مسعد في مقاله آخر الساميين لليهود باعتبارهم مختلفين عن مسيحيي أوروبا، وبالتالي غير أوروبيين. وتقاطع هذا مع خطابات القومية التي ادعت بأن وجود اليهود في أوروبا سوف «يقلل من نقائها القومي والعرقي» وبأن طردهم وخروجهم منها وإقامة دولتهم الخاصة هو السبيل الوحيد لعدم استثارة عدائية المسيحيين الأوروبيين لهم. قاوم الكثير من يهود أوروبا هذا المشروع العنصري المروّع ودفعوا حياتهم ثمنًا للتمسك بأوطانهم الأوروبية.

مارست النازية فعل الإبادة من خلال سياسة «الهندسة الاجتماعية» التي روّج له منظرو القومية جنبًا إلى جنب مع العلماء والأطباء والأساتذة الجامعيين المتخصصين بعلوم الأحياء والمؤسسات البحثية والعلمية، مؤسسين بذلك شكلًا جديدًا وحداثيًا للعنصرية. وحين خضعت «المسألة اليهودية» للدراسات «العلمية» المتأثرة بالفكر البيولوجي الحديث الذي ظهر في منتصف القرن التاسع عشر، اقتحمت المصطلحات الطبية كالطاعون والمرض والجراثيم حقل السياسة ولغة السياسيين النازيين الساعين إلى «مداواة» أوروبا من «الفيروس اليهودي».

يقتبس باومان كلام الدكتور آرثر جوت، رئيس قسم الصحة القومية بوزارة الداخلية النازية، الذي لخص المهمة الأساسية للحكم النازي بصيغة علمية قائلًا: «إذا سهلنا تكاثر المخزون الصحي عن طريق الانتقاء النظامي للعناصر السليمة واقصاء العناصر غير السليمة، سنمتلك القدرة على تحسين المقاييس الجسدية للجيل الحالي لا بل والأجيال القادمة أيضًا». لقد تعاملت النازية مع اليهود باعتبارهم عرقًا نقيضًا لأعراق أخرى، وتم تصويرهم وكأنهم جماعات ضد العرق ولا تسعى فقط إلى تدمير عرق بعينه بل النظام القائم على القومية ككل، ولذلك عندما قاتل هتلر من أجل رفعة العرق الألماني، كان يؤمن، كما يؤكد باومان، بأنه يقاتل من أجل جميع الأعراق.

يؤكد باومان على أن التحول في شكل معاداة اليهود من كونهم «مذنبين» قبل الدولة الحديثة إلى تبلور فكرة «استئصال» اليهود على شكل التخلص من «الأمراض المستعصية» أو «العيب الفطري» لم يكن إلا نتاجًا للعنصرية العلمية الحديثة. لهذا يقول «من المستحيل أن يصل أحد إلى فكرة إبادة شعب بأكمله (..) دون تخيل مرض مميت وبائي مستعص وقادر على التكاثر الذاتي (..) ودون المزاولة الدقيقة لمهنة الطب ونماذجه المعتمدة للسلامة البدنية والصحة العقلية واستراتيجياته في الفصل والإقصاء، وتقنياته في العمليات الجراحية، الطب بمعناه الحرفي، كمجال يهتم بالجسم البشري». لهذا لم يستطع باومان أن يرى المحرقة إلّا بوصفها ظاهرة حديثة، كان من الصعب أن تحدث إلا في مرحلة متقدمة من الحداثة. مرحلة تتقاطع فيها العنصرية مع النظريات العلمية والطبية العلاجية مع الوسائل الحديثة التي أمّنتها المؤسسة البيروقراطية للدولة القادرة على تنفيذ الإبادة.

ما لم يقله باومان

قدّم باومان رؤية معمّقة لعلاقة الدولة الحديثة وأجهزتها ومؤسساتها بالمحرقة، لكنه لم يتطرق -إلا في إشارات بسيطة جدًا- إلى دور الرأسمالية والاستعمار في نشوء هذه الدولة. فالقومية والبيروقراطية وتطور العلوم والعنصرية لها سياقات تاريخية مرتبطة عضويًا بالاستعمار وبنية الرأسمالية. فكيف لنا أن نفهم ظهور البيروقراطية دون التطرق إلى تطور مبدأ تقسيم العمل في الرأسمالية أو فهم نشوء القوميات بمعزل عن فكرة توحيد السوق ومركزة أدوات القمع كضرورة لطبيعة النظام الرأسمالي؟

تجاهل باومان أثر الاستعمار والرأسمالية على تطور هيكلية الدولة الحديثة يوحي بأن أي دولة تملك جهاز بيروقراطي ضخم وقومية ناشئة وعلوم متطورة تستطيع أن تمارس هذا الشكل من القتل. إن تركز الثروة في الدولة الأوروبية الاستعمارية والقابلية والاعتياد على ممارسة القتل في مستعمرات العالم والاستعلاء الأوروبي الناتج عن التطور الصناعي والتكنولوجي والذي ترجم إلى شعور بالتفوق البيولوجي جعل من المحرقة تخصصًا أوروبيًا بامتياز.

كان السياسي والكاتب المارتينيكي إيمي سيزار أكثر صراحة من باومان في رد المحرقة إلى طبيعة الدولة الرأسمالية الاستعمارية في أوروبا. كتب سيزار كتابه «خطاب عن الاستعمار» في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل أن يكتب باومان «الحداثة والهولوكوست» بأكثر من ثلاثين عامًا. حمّل سيزار بكل وضوح مسؤولية المحرقة على أوروبا، ووجّه خطابه عن الاستعمار للأوربيين المصدومين من هول النازية قائلًا: «نعم إنها النازية، وقبل أن تصبحوا ضحاياها، كنتم شركائها، النازية التي لم تطبق إلا على الشعوب غير الأوروبية».

في مثل هذا الوقت من كل عام تخرج أصوات أوروبية أو متأوربة تستذكر المحرقة بطقوس سياسية هدفها شرعنة وجود «إسرائيل». فحين يغفل هؤلاء محورية دور الاستعمار في الوصول إلى المحرقة، كما أغفله باومان، يتقاطعون مع خطاب ينزع عن المحرقة تاريخيتها وخصوصيتها الأوروبية، وهو خطاب توظّفه «إسرائيل» باستمرار كمبرر أساسي لوجودها. وكلما خرجت هذه الأصوات تبكي الضحايا وتشجب الجريمة باعتبارها جريمة «بحق الإنسانية»، متعامية عن المفارقة في موقفها، نتذكر دائما ما قاله ذاك المارتينيكي الأسود: «ما لا يستطيعون مسامحة هتلر عليه هو ليس الجريمة بحد ذاتها، الجريمة بحق الإنسان، ليس إذلال الإنسان بحد ذاته، إنما الجريمة بحق الإنسان الأبيض، إذلال الإنسان الأبيض، وحقيقة أنه طبق على أوروبا الاستعمارية الأفعال التي كانت إلى ذلك الحين محفوظة حصريًا على العرب والهنود والأفارقة».

_____________________________________________________________________________

1) وحدات بوليسية شبه عسكرية كانت تابعة للحزب النازي.