الإقامة الجبرية حلًا «احتياطيًا»: منع الجريمة بمنع الإصلاح

الأربعاء 11 كانون الثاني 2017
prison bars

عام 1996، حكم على أديب كعوش بالسجن ثلاثة أشهر لتعاطيه المخدرات. وبعد انتهاء مدة الحكم وخروجه من سجن سواقة، فرض محافظ العاصمة عليه الإقامة الجبرية لمدة سنة بموجب الصلاحيات الممنوحة له في قانون منع الجرائم.

«طلعنا من السجن (..) أعادونا لمركز المخدرات، بيّتونا في الزنانين، وثاني يوم، أخذونا عَ المحافظ»، يقول أديب. «بنزلوك عَ النظارة، وبيجي كتاب إنه مفروض عليك الإقامة الجبرية لمدة سنة، وبودّوك على قسمك على مخفرك وبتصير توقّع. لا بتشوف محافظ ولا بتشوف إشي. كل شي كتب عندهم».

المشهد ذاته تكرّر مع أديب بعد ذلك ببضع سنوات، ثم عام 2014. في كل مرة، حكم عليه بالسجن بضعة أشهر، تلتها إقامة جبرية لمدة سنة بأمر من المحافظ، ما عنى أنه ملزمٌ بالتوقيع في المركز الأمني التابع لمنطقته السكنية مرتين في اليوم، في الساعة العاشرة صباحًا والرابعة عصرًا، وأنه ممنوع من الخروج من المنزل بعد مغيب الشمس بساعة واحدة حتى شروقها، ويجوز للشرطة والدرك أن تزوره في أي وقت للتأكد، كما جاء نص المادة الثالثة من قانون منع الجرائم، وإلا فإنه معرض للمساءلة.

يقول التقرير السنوي للمركز الوطني لحقوق الإنسان إن عدد الشكاوى المقدمة له في قضية الإقامة الجبرية تراجعت هذا العام، إذ بلغت 25 شكوى، مقارنة بـ37 شكوى عام 2014، و48 شكوى عام 2013.

في قرارات الإقامة الجبرية الثلاث، خالف أديب الإجراءات، وتغيب عن التوقيع في المركز الأمني أو تم إلقاء القبض خارج منزله عليه بعد مغيب الشمس، وأحيل لمحكمة صلح الجزاء وتم تغريمه لمخالفته قانون منع الجرائم، وبعد انتهاء المحاكمة كلّ مرة تتم إعادته للمحافظ، الذي يوقفه بانتظار من يكفله ليطلق سراحه كي يكمل الإقامة الجبرية.

«أول إشي بنزل ع المحكمة. المحكمة بتحكمك 11 دينار، بترجع على نفس القسم ببيّتوك، ثاني يوم ع المحافظ، وعلى هالروتين»، يقول أديب. «المحافظ بوقفك، وبتنزل ع السجن لما حد يقدملك كفالة وهي كفالة عدلية. بدك 10 أو 15 يوم لما يوافق لك ع الكفالة ورسوم الكفالة».

قرار المحافظ يستند للمادة الثالثة من قانون منع الجرائم، التي تمنحه صلاحيات مختلفة، أولًا بحق كل من وُجد في مكان عام أو خاص في ظروف تقنع المتصرف بأنه كان على وشك ارتكاب أي جرم أو المساعدة على ارتكابه. ثانيًا، بحق كل من اعتاد اللصوصية أو السرقة أو حيازة الأموال المسروقة أو اعتاد حماية اللصوص أو إيوائهم أو المساعدة على إخفاء الأموال المسروقة أوالتصرّف فيها. وثالثًا، بحق كل من كان في حالة تجعل وجوده طليقًا بلا كفالة خطرًا على الناس.

يعارض المحامي في مركز العدل، إيهاب شقير، أن يتلقى الشخص ذاته عقوبة خارج المحكمة من حيث المبدأ، لكن مع ذلك، يأخذ شقير على المحافظين عدم تطبيقهم لقانون منع الجرائم بالشكل الصحيح، والذي تنص المادة الخامسة منه أن التي تجري بمقتضى هذا القانون فيما يتعلق بأخذ الشهادة بعد اليمين، واستجواب الشهود ومناقشتهم، وحضور المحامين، وتبليغ الأوامر ومذكرات الحضور وسائر المستندات، والاعتراض على الحكم وتنفيذ القرارات؛ الأصول نفسها المتبعة في الإجراءات الجزائية لدى المحاكم البدائية.

قانون منع الجرائم بحد ذاته يعطي اختصاصات قضائية للحاكم الإداري. هذه أصلًا يجب أن تكون من اختصاصات القضاء». يقول شقير. «لهذا السبب يجب أن ندعو لإلغاء هذا القانون وإحالة هذا الأمر للقاضي (..) وأن يكون هذا القرار خاضع للاستئناف».

ويضيف شقير أن قانون منع الجرائم وضع شروطًا على الصلاحيات التي منحها للمحافظ، ومنها قرار الإقامة الجبرية. «الشخص مش يطلع يلاقي حاله مزموم من الشرطة محطوط عند المتصرف، ما بصير. يجب أن يُبلّغ ويَحضر»، يقول شقير. «القانون بقول إن يُشرَع بالتحقيق بصحة الأخبار وما هو منسوب لهذا الشخص، وتمكينه من الدفاع عن نفسه».

لم تطبق الإجراءات التي ينص عليها القانون في المرات الثلاث التي وضع فيها أديب تحت الإقامة الجبرية، فهو لم يقابل المحافظ في أي مرة، ولم ينزل من سيارة الشرطة ولم يمثل أمام أحد في مرتين، ما جعله يرفع قضية على محافظ العاصمة في المرة الثالثة، لكن المحكمة الإدارية والإدارية العليا حكمت لصالح المحافظ، بصفته صاحب الصلاحية التقديرية.

بالعودة لأحكام قضائية سابقة اطلعت عليها حبر، فإن محكمة العدل العليا الأردنية فسخت قرارات عدة للمحافظ إما لعدم تنفيذه الإجراءات حسب الأصول، أي أنه لم يمنح المتهم فرصة للدفاع عن نفسه، أو أن المحافظ لم يقدم اثباتًا أن بقاء الشخص طليقًا قد يشكّل خطرًا على الآخرين.

قانون «احتياط»

يدافع النائب في مجلس النواب الثامن عشر، ووزير الداخلية الأسبق ومدير الأمن العام السابق، مازن القاضي، عن قرارات المحافظين، معتبرًا أنها ليست تضاربًا مع القضاء بقدر ما هي إجراءات احترازية منحها قانون منع الجرائم للمحافظين من باب الاحتياط، ويتخذها المحافظ بتنسيب من الأجهزة الأمنية، كونه الأكثر «حرصًا واحترازًا على أمن المجتمع».

«المحافظ ما بقدر يجيب شخص ويودعه للسجن بموجب الصلاحية الممنوحة إله بموجب هذا القانون إلا لو كان في شكاوي من المواطنين وأهل الحي والجيران»، يقول القاضي. «لكن قد يكون هناك استغلال لهذا القانون من البعض والقلة القليلة، أو عدم فهم لتطبيقه من قبل بعض القائمين على تطبيقه».

يقول القاضي إن الهدف من الإقامة الجبرية قد يكون حماية المجتمع، أو حماية الفرد من أن يؤذي نفسه، لكن تجربة أديب تتحدث بعكس ذلك. فهو عاد للتعاطي خلال فترة الإقامة الجبرية، وساعده بذلك لقاؤه بمتعاطين آخرين أثناء عملية التوقيع في المركز الأمني للمحكوم عليهم بالإقامة الجبرية.

«الإقامة ما بتساعد (..) مين بتلاقي؟ بتلاقي اللي كنت مسجون معهم. هذول المتعاطين، وبترجع (..) بلتقوا باب المركز الأمني على الطابور، اللي بتكون بالسجن إنت ويّاه»، يقول أديب. «بداية السنة كنت قاطع وملتزم. من كثر التعارف على الإقامة، وبتشوف الأشخاص، بتحنّ للمادة وبترجع للتعاطي، ولما ترجع تتعاطى بتغيب عن الإقامة».

في حال تغيب أديب لمرة واحدة عن التوقيع، فإن ذلك يعني التعميم عليه مباشرة، ما يدفعه لعدم الالتزام بشروط الإقامة الجبرية لاحقًا خوفًا من إلقاء القبض عليه وإحالته للمحكمة والحاكم الإداري مجددًا.

«في أوقات بكون مثلًا عندك عزومة، وبكون في فرح عند ابن أختك أو أخوك، أو أي قريب، مضطر تروح (..) بتنجبر تتخلف عن الإقامة».

كيف يأتي الإصلاح دون عمل؟

يثير المحامي شقير الجدل دائم التجدد حول دستورية قانون منع الجرائم في قضية الإقامة الجبرية. ففرضُها على الشخص الذي قضى محكوميته على الجرم الذي ارتبكه، هو بنظره مخالفة للحق الدستوري في التنقل والعمل. أما أديب، فيؤكد أنه سُلب من حقه في العمل بعد الإفراج عنه، إضافة إلى النظرة الاجتماعية التي رافقته كلما ذهب للمركز الأمني، ما زاد حياته الأسرية والمهنية تعقيدًا.

أديب، البالغ من العمر 56 عامًا، بدأ بتعاطي المخدرات في التسعينيات، عندما كان متزوجًا وأبًا لابن واحد، وصاحب مقهى في منطقة المصدار. وخلال سنوات من التعاطي والسجن والإقامة الجبرية، تركته زوجته وأخذت طفلهما، وباع هو المقهى.

«كنت متزوج، ما في أشتغل ولا إشي. شو بدي أشتغل بساعة ساعتين؟ كان الوضع المادي كويس، وكله راح مصاريف (..) اللي محوّشهم بدك تصرفهم. وإذا ما فش معك مصاري، بدك ترجع لنفس الأسلوب اللي كنت ماشي عليه (..) اللي بتعاطى بده يرجع يبيع مخدرات، والحرامي لما ما يقدر يشتغل بده يزقّله ساعة ساعتين ويجيب مصروفه، يعني هذا مش إصلاح».

يعتبر المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقريره الصادر عام 2015 أن الإقامة الجبرية مخالفة لمبدأ الشرعية في قانون العقوبات، والذي يمثّل المظلة العامة للقوانين جميعها. يقول التقرير إن المركز، بالاستناد للشكاوى الواردة إليه منذ عام 2003 وحتى عام 2015، تبين له ممارسة الحكام الإداريين لتعسف واضح بموجب الصلاحيات الممنوحة لهم.

لكن القاضي، يجد أن القانون لا يحتاج لتعديلات جديدة، باستثناء أن يتم دمجه بقانون العقوبات، خاصة وأن القانون يتعامل مع القضايا الجنائية ولا يتعرض لحريات الناس، برأيه.