لاجئين سوريا ألمانيا

لهذه الأسباب تركت سوريا وهربت إلى ألمانيا

لهذه الأسباب تركت سوريا وهربت إلى ألمانيا

الأربعاء 14 تشرين الأول 2015

بقلم كاميران*
ترجمة تقوى مساعدة

(نشرت هذه المادة في مجلة Vox في الخامس من تشرين الأول 2015).

عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري في سنة 2010، لم يكن يشغلني شيء سوى الخروج مع أصدقائي واللعب بألعاب الفيديو، فبلدي سوريا كانت بلدًا آمنًا. ومثل الكثير من البلدان كان الشخص العادي يهتمّ بأن يعيل عائلته وأشياء أخرى قليلة.

إلا أن هذا كلّه تغير في بدايات سنة 2011 عندما بدأت الثورة السوريّة، وأدّت إلى الصراع الذي ما يزال دائرًا حتى الآن.

خرجَت في البداية مظاهراتٌ سلميّة تطالب بإصلاحات ديمقراطية، إلا أن هذه الحال لم تستمرّ طويلًا. انتشرت المظاهرات وفي الخامس والعشررين من نيسان 2011 بدأ الجيش السوريّ بشنِّ سلسلة من الهجمات القاتلة على نطاق واسع ضد المدن السوريّة. وبحلول نهاية أيار كان الآلاف من الطلبة والناشطين ومناصري حقوق الإنسان قد اعتُقِلوا أو قُتِلوا.

ولكن أغلب هذه الأحداث كانت تحصل في جنوب سوريا، الذي يبعد أكثر من ألف كيلو متر عن بلدتي في الشمال. استمرت المظاهرات السلمية كل أسبوع، إلا أنّنا جميعًا كنا نعرف أن المزيد من الاضطراب سيأتي.

في ذلك الصيف أدى تصاعُد العنف، بما في ذلك أحداث جسر الشغور في الرابع من حزيران، إلى بداية الحرب الأهلية بكل ما للكلمة من معنى. تشكّل الجيش الحرّ في شهر تموز، وبدأت حصيلة القتلى بالارتفاع، واتجهت البلد بأكملها إلى الصراع الدموي الذي يستمرّ حتى يومنا هذا.

 وفي تلك الأثناء بدأ حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي الكردي، وهو حزب قوميّ،  بالوصول إلى السلطة في بلدتي الكردية. جرى هذا بقبول ضمني من نظام الأسد، الذي كان مشغولًا بقتال الجيش الحر، ولم تُرد الحكومة أن تبدأ القتال على جبهة جديدة.

وفي الفترة  بين العشرين والرابع والعشرين من تموز 2012، سيطرت وحدات حماية الشعب – ويُقصد بها جيش ما يُسمّى الآن كردستان سوريا-  على كوباني وعامودا وعفرين وديريك وسيري كاني، وهي من أبرز المدن السورية ذات الأغلبية الكردية، بمقاومة بسيطة أو معدومة من قوات الأمن الحكومية.

وبحلول الثاني من آب تمّ إعلان خضوع أغلب المدن في منطقتي للسيطرة الكاملة لوحدات حماية الشعب. رُفِعَ العلم الكردي فيها كّلها. وتنفسنا الصعداء. كان والدي وأغلب أفراد عائلتي الممتدة ناشطين سياسيًا ومنتقدين للنظام السوري، ولكن الأمر الآن بدا وكأننا صرنا بعيدًا عن متناول الأسد. وربما لن تصيبنا الأزمة التي تعصف بالبلد.

وفي الوقت الذي بقينا فيه معزولين عن أسوأ ما في الحرب الأهلية لفترة أطول قليلًا، بدأت الصراعات السياسية الداخلية مباشرةً تقريبًا. حيث أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي أكثر قوّة، ونَمَت القدرة العسكرية لوحدات حماية الشعب.   وفي الوقت الذي اتخذت فيه الحكومة الإقليمية الجديدة مواقف مشجعة بخصوص حقوق المرأة والحريات الدينية، إلا أن فسادهم وطمعهم بالسلطة، المكشوف أحيانًا، صعّب التعاون بينهم وبين الأحزاب الأصغر ، وأدى هذا إلى درجةٍ من عدم الثقة قوّضت العملية السياسية.

كنت في الخامسة عشرة حينها، وكنت ما أزال في المدرسة، وبينما كان الاضطراب واضحًا وصعب التجاهل كان هنالك دائمًا طرقٌ للانشغال. تغيّر هذا في أواخر عام 2012، عندما تم قطع اتصالات الإنترنت والهاتف النقال عن منطقتي. وفجأة أجبر انعدامُ القدرةِ على الوصول إلى العالم الخارجي الكثيرَ من الناس إلى التطلُّع حولهم وإدراك التغيّر الذي حصل في عالمنا المحلي، وإدراك مدى البؤس الذي آلت إليه الأمور.

أكانت هذه هي خياراتي فعلًا؟ أن أقاتل دفاعًا عن دكتاتور، أو أن أقاتل مع معارضة ممزقة، أو أن تقتلني داعش؟ 

 كان هنالك جانبٌ إيجابي، بالنسبة لي على الأقل، ففي نيسان 2013 بعد بداية الحرب الأهلية بسنتين، أقنعت أبي وعمي أن يعطياني رأس مالٍ كافٍ لأشتري اتصال حزمة عريضة عن طريق الأقمار الصناعية وأفتح مقهى إنترنت، وخلال شهرين، تمكنت من توفير مساحة فيها 16 كومبيوتر، 3 أجهزة بلاي ستيشن 4، وإنترنت لاسلكي. وكنت أنا الرجل للحظة.

أرجع المقهى شيئًا من الحياة إلى البلدة، فالاتصال بالأصدقاء واللعب الألعاب، أو مجرد تصفّح فيسبوك أعطى الناس إلهاءً هم في أشد الحاجة إليه. كنت أدرس لشهادة الثانوية العامة وأدير مقهاي، وللحظة شعرت بأن هنالك شيئًا من الاستمرارية لحياتي. كانت الحرب الأهلية تزداد سوءًا،  وبحلول نيسان 2014 كان هنالك تهامس حول عزم وحدات حماية الشعب على فرض التجنيد الإجباري، ولكن أغلبنا استبعدوا هذه التقارير واعتبروها شائعات.

ولكن تبيّن أن الشائعات حقيقة، فبعد ثلاثة شهور اكتشفت أن كل الرجال بين أعمار الثامنة عشرة والثلاثين سيُطالبون بالالتحاق بالجيش.

في السابع عشر من تموز، بعد مرور بضعة أيام على نهاية بطولة كأس عالم مذهلة، وبعد أن علمتُ أنني أديت أداءًا ممتازًا في امتحانات السنة، دخل جنديان مقهاي، قالا لي أنه يتوجب عليّ أن أسجل اسمي للخدمة العسكرية قبل عيد ميلادي الثامن العشر الذي كان قريبًا.

اعترضتُ إلا أن الجنود أصرّوا. كانت الحكومة الإقليمية تسجّل أسماء الأشخاص الذين يُعتقد أنهم يخططون للمغادرة، خاصةً أولئك الذين لديهم الاستطاعة المالية للسفر. كانت مغادرة البلاد بشكل قانوني تتطلّب الحصول على موافقة، وقاعدة البيانات مصممة بحيث تُشيرُ إلى أسماء أمثالي ممن قد يحاولون المغادرة قبل أن يتم تجنيدهم. ولكنهم قالوا لي أن الأمر ليس بيدهم على أية حال، وإن أردتُ الحصول على استثناء فلا بد أن أتكلم مع شخصٍ عالي الشأن.

ذهبتُ إلى الشرطة المحلية –الأسايش- وتوسلت. الأشخاص الوحيدون المستثنون رسميًا من الخدمة هم أصحاب الإعاقات الجسدية، ولكنني حاولت إقناعهم بأن شابًا بلا خبرة في الثامنة عشرة من عمره لن يكون له أي فائدة معهم، إلا أنهم عارضوا ذلك وقالوا أنهم بحاجة كل رجل لمواجهة خطر داعش، الذين سيقتلونني إن استطاعوا نظرًا لأنني كرديّ.

كانت وجهةَ نظرٍ منطقية، ولكنني كنت مترددًا في حمل السلاح لحكومةٍ لم أكن متأكدًا من أنني أؤمن بها. وحدات حماية الشعب لم تكن تجنّد القاصرين إجباريًا، إلا أنهم كانوا يرحبون بكل الفتيات والشبّان من كل الأعمار الراغبين في الانضمام إليهم. هؤلاء هم من أريد أن أقاتل معهم؟ أكانت هذه هي خياراتي فعلًا؟ أن أقاتل دفاعًا عن دكتاتور، أو أن أقاتل مع معارضة ممزقة، أو أن تقتلني داعش؟

بعد بعض الضغط من عائلتي، قررت أنه يتوجّب عليّ أن أغادر سوريا.

ولسوء الحظ كانت تركيا في ذلك الوقت قد أغلقت كل النقاط الحدودية بين منطقتي وأراضيهم، ولذلك حاولتُ برفقة بضعة سوريين التسلل عبر الحدود في أوائل شهر أيلول 2014.

ألقى الجنود الأتراك القبض علينا، وضربونا في المكان الذي وجدونا فيه ثم أرسلونا إلى مركز شرطة تركي. سجنونا لثلاثة أيام ثم أعادونا إلى سوريا.

حاولنا مرة أخرى بعد أسبوع، ونسّقنا هذه المرة مع مهرب ليدفع رشوة لمجموعة من الجنود. سمحوا لنا بالمرور مقابل 1200 دولار على الشخص الواحد. أخذَنا الجنود إلى قرية  تركية قريبة، حيث تم تسجيلنا وتبصيمنا، وأعطوا كل واحد منا ورقة عليها اسم كل واحد منا ورقم تسلسلي ليستخدم الورقة كهوية شخصية.

ظننا أننا نجحنا، إلا أننا اكتشفنا بعد ذلك أن هذا «التسجيل» كان عديم الفائدة، إذ لم يكن بمقدورنا أن نستأجر شققًا، ولم يكن بإمكاننا أن نعمل أو أن نلتحق بالجامعات التركية، ولا حتى كنا قادرين على الذهاب إلى مخيمات اللاجئين لأنهم كانوا يعطون الأولوية للنساء والأطفال.

كنتُ بلا بيت، وبلا عمل، وبلا دراسة، وهكذا كانت متابعة الطريق باتجاه أوروبا هي خياري الوحيد.

سافرت إلى اسطنبول، وكنت أخطط للتقدم بطلب لجوء إلى القنصلية الألمانية هناك، ولكنهم أبلغوني عندما وصلت أنني يجب أن أكون في الأراضي الألمانية حتى أتمكن من التقدُّم بطلب اللجوء، وأن الطلب لا يُقدَّم من القنصليّة.

أحبطني هذا، وهكذا جرّبت الذهاب إلى القنصلية البريطانية، ولكنني كنت أعرف ردّهم مسبقًا.

وبآخر ما معي من المال (ومبلغ أرسله لي أبي من سوريا لمساعدتي) بدأت أبحث عن مهرّب ليساعدني على الوصول إلى أوروبا، كان لدي ما يكفي من المال لأذهب بالطائرة، ورغم أن هذا الخيار كان سيجنّبني سلوك أحد دروب البحر الخطرة والمميتة، في كثير من الأحيان، ويجنبني الخيار الأسوأ وهو  أن أحاول المشي غربًا، إلا أن موضوع الطائرة كان فيه بعض الصعوبات.

كنتُ بلا بيت، وبلا عمل، وبلا دراسة، وهكذا كانت متابعة الطريق باتجاه أوروبا هي خياري الوحيد.

قال لي المهرب الذي وجدته أن تذكرتي ستكون إلى ألمانيا أو إلى هولندا، وأنه سيعطيني هوية إيطالية مزوّرة تمكنني من ركوب الطائرة، ولكنه قال أن الأمر سيتطلب وقتًا.  كان علي أن أنتظر وفي تلك الأثناء كان من الأفضل لي أن أتمرّن على لكنتي الإيطالية.

أبلغوني في أواخر كانون الأول 2014 أن هويتي المزورة جاهزة، ولكي أُقنع ضباط الأمن أكثر وأكثر بأنني مواطن إيطالي حقيقي ولست لاجئًا سوريًّا يحمل أوراق مزورة، قمت بشراء ملابس فخمة وحلقت شعري حلاقةً غالية، وهكذا صرتُ أنا أيضًا مستعدًا.

بذلت أقصى جهدي لأبقى هادئًا وواثقاُ، ولكن برغم الحرب الأهلية، وبرغم رفضي للتجنيد الإجباري، وبالرغم من أنني ضُربتُ وسُجِنت لدى الأتراك، وبالرغم من كل ما مررت به حتى ذلك الحين إلا أن اليوم الذي ذهبت فيه إلى المطار كان أكثر الأيام حياتي توترًا.

كانت استراتيجيتي بسيطة: أن أتصرف كالأزعر.

وصلت متأخرًا إلى المطار، ولم أكن أتكلم إلا الإنجليزية بلكنةٍ إيطالية ثقيلة، وفعلت كل ما بوسعي لكي أبدو كالشخص الذي لن يكلف أحد نفسه عناء التكلم معه، أن أبدو مزعجًا إلى الحد إلى الذي يجعل ضابط الأمن التركي المحاصر يرغب في عمل أي شيء عدا التعامل معي. ونجح الأمر، رغم أن ضابط الجوازات في تركيا كان متشككًا، فقد سألني لماذا لم يكن معي جواز سفري، ولماذا أغادر  تركيا من مدينة غير المدينة التي أزعم أني دخلتُ إلى تركيا منها،  ولماذا وصلتُ متأخرًا، ولكنه قرر في النهاية أن الأمر لا يستحق عناء التدقيق.

كان شخصٌ حقيرُ ما يصرخ على الموظف بلغةٍ بالكاد يفهمها ليقول أنه يؤخر مواطنًا أوروبيًا مهمًا، وأصبح الموقف محرجًا بسرعة، وكان أمام الموظف أمور أكثر أهمية من أن يتهجّم عليه سائحٌ يعطي لنفسه الحق بذلك. ولهذا، وبعد أن رأى أن أوراقي تبدو  قانونية ولو بشكل سطحيّ، تركني أذهب وهو يبتسم لي ابتسامة مزمومة.

وبالرغم من ذلك كانت الدقائق الخمس عشرة التي سبقت إقلاع الطائرة أكثر دقائق حياتي توترًا. كنت متأكدًا من أن أحدًا سيدخل في اللحظة الأخيرة وسيسحبني خارجًا، ولكن أحدًا لم يأتِ، وعندما صارت الطائرة في الجو تنفستُ الصعداء، وبعد بداية الرحلة بعشرين دقيقة أغمضت عيوني ونمت أكثر  نومةٍ هانئة منذ أشهر.

استيقظت بعد ثلاث ساعات في ألمانيا.

كانت الحرارة 3 درجات تحت الصفر ، لكنني خرجت من الطائرة ببطء، تأخرت ووقفت وراء بقية المسافرين بينما كنا نتجه نحو مركز الوصول ومكتب الجوازات، وقفتُ في نهاية الطابور لكي لا أؤخر بقية المسافرين المتعبين أكثر.

من الضروري استيعاب أن الكذب على ضابط جمارك تركي شيءٌ، وأن محاولة خداع مراقبي الجوازات في البلد الذي تحاول اللجوء إليه شيٌ مختلفٌ تمامًا، أولًا لأنهم أفضل في التحقُّق من الوثائق، وثانيًا لأنك إن نجحت في خداعهم فسيسألونك عندما تذهب للتقدُّم بطلب اللجوء عن الطريقة التي دخلت فيها إلى البلاد، وليس من الجيد أن تجيبهم بقولك «لقد كذبت على ضباط الأمن».

لذلك فعلت ما قيل لي أن أفعله حالما أتأكد أنني في الأراضي الألمانية: لقد قلت الحقيقة. وحالما مرّ  مسافرو رحلتي من الجمارك ذهبت إلى ضابط الجوازات وقلت: «مرحبًا، هذه الهوية مزوّرة، أنا لست إيطاليًا، أنا لاجئ سوريّ».

كانت تلك هي المرة الأولى التي يناديني بها شرطيّ بقوله «يا سيد»، ويعاملني وكأنّ لي حقوقًا.

 هزّ الضابط رأسه وطلب مني أن أتبعه. ذهبنا إلى غرفة منفصلة أحضرَ إليها أمتعتي كذلك، وبعد عشرة دقائق جاء أربعة ضباطٍ آخرين، أبلغوني بحقوقي كطالب لجوء وأخبروني أنهم بحاجةٍ لأن يفتشوا أغراضي وأن يفتشوني. قالوا لي ألّا اخاف، ولكنني، صِدقًا، لم أكن خائفًا، كانت تلك هي المرة الأولى التي يناديني بها شرطيّ بقوله «يا سيد»، ويعاملني وكأنّ لي حقوقًا.

بعد تفتيش أمتعتي أحضر  لي أحد الضباط فنجان قهوة وجلسنا نتحدث عن كرة القدم بعض الوقت، ثم جاء محقق بعد نصف ساعة، أخذ إفادتي، والتقط لي بعض الصور، وأخذ بصماتي، ثم أرسلني إلى مركز للاجئين، حيث أجريت معاملتي وعينوا لي قرية صغيرة ليتم إيوائي فيها مؤقتًا.

أمضيت الشهر التالي في مدرسة قديمة تمّ تجهيزها لإيواء أعداد كبيرة من الناس لفترة قصيرة، لم يكن بإمكاني أن أتنقل، ولم يكن هنالك ما يمكن فعله بينما كنت هناك، ولكن الظروف تحسنت عندما أعادوا تعيين مكان سكني لأقيم في مدينة بشكل دائم، كان المبنى الجديد مجهزًا بشكل أفضل، وهو  مركز إطفاء قديم تمّ تجديده لإيواء اللاجئين لفترات أطول. أعطوني سريرًا في غرفة مشتركة مع شخصين فقط، ومُنحت الإذن بالتنقل ضمن حدود البلد، كما مُنِحتُ مصروفًا شهريًا.

بعد أن تكيّفت مع المدينة بدأت أزور المتاحف والمكتبات، وتعرّفت على أشخاص ودودين علموني المزيد عن الإقليم وعن البلد. كنتُ قد قرأت الكثير عن أوروبا قبل مغادرة سوريا ولم تكن الصدمة الثقافية شديدة. ولكنني أذكر صدمتي بفتور الناخبين الألمان، فمشاركة الناخبين في سوريا كانت منخفضة، نظرًا لأن العيش في ظل نظام مستبد يجعل من الانتخابات محض أضحوكة.  أما هؤلاء الناس الذين يعيشون في دولة ديمقراطية تحكمها حكومة منتخبة فعلًا، فلم يكن ربعهم يكلفون نفسهم عناء الإدلاء بأصواتهم.

مرّت الأسابيع، وفي أواخر شهر حزيران تمت الموافقة على طلب اللجوء. أشعرتني الرسالة بالغبطة رغم أنني كنت أتوقعها، ورغم أن نسبة قبول طلبات اللجوء من السوريين كانت شبه كاملة، إلا أن الإمساك بتلك الرسالة بين يدي عنى لي الكثير.  وبعد سنة تقريبًا من الضياع، ومن وضعي غير القانوني في أي مكان، شعرت بأنني مرحبٌ بي أخيرًا.

بعد أن تمّت الموافقة على طلب اللجوء بدأ فيض من الرسائل بالوصول. وصلتني إشعارات بيروقراطية، ومعلومات عن ما يمكنني عمله ابتداءً من تلك اللحظة. واستلمت أوراقًا تُعْلِمني بحقوقي كمقيم شرعي في ألمانيا.

وبعد أن تحررت من إسكان اللاجئين، بدأت أبحث عن شقة، وكان البحث صعبًا خاصةً لشخصٍ ما زال يستلم معونة من الحكومة، ولكنني تمكنت من إيجاد مكان، وبعد ذلك بوقت قصير سجّلت في كورس  التعريف بالحضارة واللغة الألمانية. وسجلت في نادٍ لتنس الطاولة، شكّلت صداقات وبدأت أستقرّ  في حياتي الجديدة.

وبما أنه صار بإمكاني أن أسافر داخل ألمانيا ذهبت إلى كولون ورأيت الكاتدرائية هناك، وذهبت إلى بحيرة كونستانس في الجنوب وحضرثُ مباراة كرة قدم في ملعب ويستفالن شتاديون في دورتموند. أمضيت كل وقت فراغي  في الخروج ورؤية العالم الجديد من حولي.

مضى عليّ عشر أشهر في ألمانيا. تعرّفت على أشخاص رائعين وصار لدي أخيرًا من أشعر بأنهم أصدقاء دائمون، وتبدو لي حياتي «طبيعية».

والآن عندما  أتذكر نفسي عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، لا يمكنني إلا أن أشعر بالأسف على نفسي حينها، فقد كنتُ فتىً يرى أحلامه تتشظّى أمامه، وشاهد بلده تُجرُّ  إلى حرب أهلية دموية لا تبدو لها نهاية في الأفق.

ولكنني أشعر أنه لو كان بإمكان الفتى الذي كُنته أن يراني الآن لافتخر بي لأنني فعلتُ كل ما كان يجب عليّ فعله لأحافظ على سلامتي، ولأنني لم أستسلم وأنضمّ إلى العنف، ولأنني وجدتُ وطنًا جديدًا وحققت أهدافي، رغم أنني على بُعد 4 آلاف كيلو متر عن الوطن.

* كاميران لاجئ سوريّ شاب مقيمٌ في ألمانيا، وتحدّث سابقًا عن رحلته في جلسة على موقع «ريديت» تحت عنوان «اسألني أي سؤال».