جامعات صامتة: كيف تضيّق الأنظمة الجامعية الأردنية على العمل الطلابي

نشاط طلابي مناهض لصفقة الغاز الصهيوني في الجامعة الأردنية. تصوير عز الدين الناطور.

جامعات صامتة: كيف تضيّق الأنظمة الجامعية الأردنية على العمل الطلابي

الثلاثاء 17 كانون الثاني 2017

عز الدين الناطور

آخر ما كان يتوقعه الطالب في الجامعة الهاشمية، إبراهيم عبيدات، هو أن تكون نهاية نشاطه الطلابي المعارض لتعديل الرسوم أو آلية سدادها، والمُطالب بتحسين خدمات النقل في جامعته، هو أن يُحرَم من الوصول إليها لأربعة فصول دراسية متتالية.

يقول عبيدات، طالب الهندسة الكهربائية والناشط الطلابي الذي شغلت قضيته الرأي العام المحلي الأردني شهر تشرين الثاني من العام الماضي، إنه فُصل من الجامعة بقرار من لجنتها التأديبية، بعد أن شارك في تنظيم وقفة طلابية معارضة لـ«ترصيد الرسوم» على طلبة الجامعة، رغم إصرار الجامعة على أن فصله جاء بسبب «سلوكيات مخالفة» لنظام تأديب الطلبة.

وأعادت قضية عبيدات تسليط الضوء على واقع العمل الطلابي، المطلبي والسياسي، داخل الجامعات في الأردن، وعلى الإجراءات والعقوبات التي تتخذها الجامعات إزاء بعض الطلبة الناشطين، والتي يعتبرها البعض تضييقًا و«محاربة» للعمل الطلابي، استنادًا إلى أنظمة التأديب الجامعية التي تتكفل بمطاردة ومعاقبة كل من يتجاوز هذا الواقع، كما يقول طلبة وناشطون سياسيون.

مع انحسار الحراك السياسي في الأردن بداية عام 2013، زادت وتيرة العقوبات الجامعية بحق الطلبة الذين يمارسون نشاطًا سياسيًا أو مطلبيًا، في الجامعات الأردنية والهاشمية واليرموك والزرقاء الأهلية، على الأقل، بينما استدعت غيرها من الجامعات طلّابًا وطالبات للتحقيق. حدود العمل السياسي والمطلبي «المقبول» في الجامعات الأردنية تشبه إلى حد بعيد المحددات التشريعية والعملية التي تضعها الدولة على الفعل السياسي، باشتراط الموافقة المسبقة عليه، كما في معظم أنظمة التأديب كنظامي التأديب في جامعتي الهاشمية والأردنية.

لكن هذا التضييق على العمل الطلابي لم يمنع حدوث بعض النشاطات في بعض الجامعات من وقت لآخر، لكنها عادةً ما تتميز بحجم المشاركة الطلابي الواسع فيها، بالإضافة للاهتمام الإعلامي، وهو ما يصعب على إدارات الجامعات محاولة السيطرة عليها واتخاذ إجراءات تأديبية فورية بحق القائمين عليها، وإن كان ذلك يتم لاحقًا.

الكثير من تفاصيل آليات «التأديب» هذه تبرز في قصة إبراهيم عبيدات الذي بدأ نشاطه الطلابي فور دخوله للجامعة الهاشمية عام 2014. تركّز هذا النشاط على تحسين خدمات شركة المتكاملة للنقل المتعدد التي كانت تشرف على نقل الطلاب إلى الجامعة، إلى جانب معارضة لرفع الرسوم الجامعية أو تعديل آلية سدادها.

إبراهيم عبيدات. تصوير عز الدين الناطور.

«بالهاشمية بدأت أشتغل مع مبادرة اسمها بصمة فكرة. بعد فترة اقترحت عليهم إنه أبلش أشتغل بقضية المواصلات. الكل قالولي مستحيل تحلّها، موضوع ما قدر يحله رؤساء جامعات، مع هيك بلشت الموضوع»، يقول إبراهيم. «بعدها صرت رئيس لجنة أصدقاء عمادة شؤون الطلبة للمواصلات وأنشأت حملة لتنظيم المواصلات».

واصل عبيدات عمله على الملف، ثم ترشّح لانتخابات الأندية الطلابية، وفاز بعضوية النادي الهندسي وهو ما دفعه لمواصلة العمل على ملف النقل ولقاء بعض المسؤولين عن الملف مثل وزيرة النقل في حينه لينا شبيب ومدير هيئة النقل البري في حينه مروان الحمود، وتلقّى مع الطلبة وعودًا بحل المشكلة وتحسين خدمات النقل من وإلى الجامعة.  

المهندس حازم زريقات، العضو المؤسس لحملة «معًا نصل» المهتمة بتحسين خدمات النقل العام والتي تعاونت مع طلبة الجامعة الهاشمية في بداية حراكهم المطلبي يقول إن الحملة كانت ضخمة وفيها تنسيق عالٍ بين الطلبة، وتكمن أهميتها بأن مستخدمي وسيلة النقل هم من طالبوا بتحسين الخدمة واستطاعت بشكل حقيقي أن تلفت الإنتباه إلى القضية إعلاميًا وحكوميًا.

رشح عبيدات نفسه لعضوية اتحاد مجلس طلبة الجامعة ضمن قائمة التغيير. نجحت القائمة، وفاز عبيدات برئاسة لجنة القضايا الطلابية، الأمر الذي مكّنه من متابعة العمل على تحسين ملف المواصلات، وكثّف الطلبة لقاءاتهم بمسؤولي الشركة للوصول إلى حل، كما يقول رئيس مجلس الطلبة وقتها الطالب قصي الخوالدة.

«عملنا عدد من الاجتماعات من الشركة، وكان في تعاون من عمادة شؤون الطلبة معنا والجامعة»، يقول الخوالدة، «لكن بعد ما حسينا حالنا بدوامة مفرغة، قررنا نعمل إضراب عام؛ إضراب عن استخدام باصات النقل العام والشركة. وفعلًا عملنا الإضراب وشارك فيها 400 متطوع باسم المجلس، وكان في دور كبير لإبراهيم بإنجاحه».

تصادمت شركة المتكاملة مع إبراهيم، ورفعت عليه قضية بدعوى الإساءة للشركة، لكن الشركة خسرت القضية، ووعدت في الوقت ذاته بزيادة أعداد باصات النقل العاملة على خط الهاشمية وصيانة الباصات الموجودة، التي كان الطلاب يشتكون من أنها غير ملائمة لنقلهم. لكنها تأخرت في تحقيق ذلك، بدعوى أن بعض الجهات الحكومية لم تدفع المستحقات المالية المترتبة عليها.

لم يلتفت الطلبة للوعود، ورفعوا الضغط من أجل مطالبهم بتنظيم مبيت داخل الجامعة، نجح إلى حد كبير في لفت الانتباه إعلاميًا للحملة، بحسب الخوالدة، الذي يرى أن زميله عبيدات ولجنته والمجلس أصبحوا وقتها قوة إعلامية مهمة قادرة على تحريك الطلبة بشكل فاعل نحو تحقيق مطالبهم.

لاحقًا، استدعت عمادة شؤون الطلبة عبيدات للتحقيق بعد أن كتب على صفحته على فيسبوك نقدًا موجهًا إلى رئيس الجامعة اتهمه فيه «بالتركيز على الجوانب المادية في التعاطي مع ملفات الجامعة». إثر ذلك، أنذرت الجامعة عبيدات إنذارًا نهائيًا، قبل أن تتراجع عن قرارها بطلب من رئيس الجامعة، وبضغط من طلاب الجامعة الذين اعتصموا أمام الرئاسة لإسقاط العقوبة.

زادت الشركة عدد الباصات العاملة على خط الجامعة، لكن عبيدات واصل العمل على هذا الملف بجانب ملفات أخرى. وفي آب 2016، أصدرت الجامعة قرارًا يلزم الطلبة بدفع الرسوم الجامعية كاملة قبل بدء الفصل الدراسي. وقتها، كان عضوية عبيدات في مجلس الطلبة الرابع عشر للجامعة الهاشمية قد انتهت.

نظّم عبيدات اعتصامًا طلابيًا كبيرًا مع مجموعة من الطلبة أمام رئاسة الجامعة احتجاجًا على القرار، وهو ما أجبرها سريعًا على التراجع عنه. لكنها بعد بنحو شهر عادت بقرار جديد هو «ترصيد الرسوم»، أي إجبارهم على دفع الرسوم الجامعية خلال ست أسابيع من بداية الفصل الدراسي، وفي حال تأخرهم، يتم إسقاط فصلهم الدراسي مع إجبارهم على دفع رسومه كاملة عند تسجيلهم في الفصل الذي يليه، وهو ما دفع الطلاب إلى الاعتصام مجددًا. وبعد عدم استجابة الجامعة لهم بالتراجع عن القرار، أعلنوا المبيت في الجامعة.

على إثر ذلك استُدعي عبيدات لتحقيق تمحور حول الاعتصام الذي تجمد بعد تدخل بعض نواب محافظة الزرقاء الذين تعهدوا للطلاب بأن الجامعة ستتراجع عن القرار، حسبما روى عبيدات والخوالدة. لكن سرعان ما أعلنت الجامعة أنها لن تتراجع عن قرارها، ليعود الطلاب للاعتصام مجددًا، وهو ما دفع بعض أعضاء مجلس النواب الأردني للتدخل والوصول إلى حل يرضي الطلبة والجامعة، بالتراجع عن قرار ترصيد الرسوم.

بعدها بأيام قليلة استُدعي عبيدات مجددًا للتحقيق لكن هذه المرة لعدة أسباب كان من بينها استخدام اختصار اسم الجامعة باللغة الإنجليزية في صفحة توظيف كان يديرها بصفته الشخصية، بالإضافة إلى اتهامه بالتحدث بصفته مسؤولًا طلابيًا عن ملف المواصلات لوسيلة إعلام محلية. بعدها بأسبوع، استدعي مجددًا ليستلم باليد عقوبته: الفصل لأربع فصول جامعية كاملة، أي سنتين دراسيتين.

قرار لجنة التأديب الصادر بحق عبيدات، والقاضي بفصله لأربع فصول دراسية. تصوير عز الدين الناطور.

كانت العقوبة قاسية إلى الدرجة التي دفعت عبيدات لاعتبارها «تصفية حساب» لكل نشاطه المطلبي في الجامعة، ولم تتراجع الجامعة عن القرار رغم الاحتجاج الطلابي والنيابي الكبير، وما زالت تصرّ على أن فصل عبيدات جاء بسبب «سلوكه» الذي يخالف أنظمة التأديب بالجامعة وليس بسبب نشاطه السياسي والمطلبي، كما يؤكد رئيس الجامعة الدكتور كمال بني هاني.

يقول بني هاني: «لم أسمع في يوم من الأيام أنه تم توجيه عقوبة لطالب في الهاشمية بسبب نشاط سياسي أو لأنه وقف وقفة مع وطنه أو فلسطين. هذا مستحيل لأنه ضد مبادئنا. أما موضوع عبيدات فهو مختلف، وهو موضوع ملوش علاقة لا بالنشاط الاجتماعي أو السياسي لإبراهيم، والفصل لأنه سلوكه خالف أنظمة الجامعة».

ووفق نص كتاب فصل عبيدات، فقد أوقف لمدة أربعة فصول لأنه خالف عددًا من المواد في نظام تأديب الطلبة المعمول به في الجامعة الهاشمية، أبرزها الفقرة (د) من المادة الثالثة التي تمنع القيام بأي تنظيم أو فعالية داخل الجامعة دون الحصول على إذنها المسبق، والفقرة (أ) من المادة الثالثة التي تمنع التحريض عن الامتناع عن حضور المحاضرات، والفقرة (هـ) من المادة نفسها التي تمنع استخدام مرافق الجامعة لـ«لأي من النشاطات غير المخصصة لها».

ولا يوضح كتاب الفصل طبيعة السلوكيات التي استدعت اتخاذ قرارات الفصل، كما لا يوضح نظام التأديب الحالات أو النشاطات التي تخالفه، بل يكتفي بالتجريم دون تفصيل، كما لم يضع تدرجًا للعقوبة.

عميد شؤون الطلبة في الجامعة، الدكتور مصطفى الخوالدة، يصرّ على أن سبب فصل عبيدات غير مرتبط بنشاطه السياسي، إنما هو مرتبط بسلوكيات قام بها وتخالف نظام تأديب الطلبة بالجامعة، كالتحدث باسم مجلس الطلبة بعد مغادرته المجلس، والإساءة أكثر من مرة للجامعة ومنجزاتها عبر صفحته على فيسبوك، وفقًا للخوالدة.

هذه العقوبة، إن لم تتراجع عنها الجامعة، ستحرم عبيدات من عامين من عمره، وهو ما لم يكن يتوقعه يومًا. «أنا عمري ما كنت ضد الجامعة، بالعكس أنا مثلت الجامعة أكثر من مرة»، يقول عبيدات. «أنا كنت مع الطلاب وحقوقهم بس. ما توقعت يصير هاد بيوم من الأيام».

دبكة تنتهي بإنذارات

ولا تتوقف محاسبة الطلبة أو ملاحقتهم بناءً على نشاطهم المطلبي، إنما تتعدى ذلك في بعض الحالات إلى حد عقابهم ومحاسبتهم على أفكارهم السياسية، حتى وإن كانت تلك الأفكار تمثل فئة واسعة من الطلاب الذين انتخبوا «ديمقراطيًا» من يمثلها بشكل رسمي.

محمد أبو رمان، وبشير الخطيب، طالبان في الجامعة الأردنية، انتخبا بشكل ديمقراطي في انتخابات مجلس طلبة الجامعة الأردنية للعام 2015 الذي كان يسيطر عليه الاتجاه الإسلامي، إلا أن ذلك لم يمنع أن تتخذ الجامعة بحقهم «إجراءات تأديبية» بعد «دبكة احتفالية» احتفاءً بنهاية نشاط لإرشاد الطلبة أشرف المجلس عليه، وتضمن هتافات للمسجد الأقصى تنديدًا بالاقتحامات الإسرائيلية المتكررة له.    

بعد الوقفة، طلب عميد شؤون الطلبة من الأمن الجامعي استدعاء الخطيب، ثم لحقه أبو رمان، وسرعان ما اتهما «برفع هتافات سياسية غير مرغوب فيها»، وهي هتاف الطلبة لمؤسس حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» قائلين «يا قائدنا الأوّل أحمد ياسين». أنكر أبو رمان التهمة مشيرًا إلى أن الهتاف كان فقط «يا قائدنا الأوّل سيدنا محمد»، مؤكدًا في الوقت ذاته أن من حقه رفع مثل هذه الشعارات السياسية، وانتهى الأمر على هذا النحو.

إلا أنه بعد أسبوعين تفاجأ بسؤال من أحد أصدقائه حول ما حصل معه في لجنة التحقيق، وعندما سأله عن أي لجنة يتحدث، أخبره أن هناك استدعاءً باسمه للتحقيق في كلية العلوم، إلا أنه في تلك اللحظة كان موعدها قد فات، وبناءً على ذلك توجه أبو رمان مع زميله الخطيب إلى مكتب رئيس الجامعة وشرحا له الأمر.

رئيس الجامعة، اخليف الطراونة، أدان تصرف الطالبين ولم يصدق روايتهما، ومع ذلك تحدث مع عميد شؤون الطلبة الدكتور أحمد عويدي العبادي وطلب منه طي ملف الموضوع، إلا أن العبادي أصر على أن يحضرا للتحقيق خلال الأسبوع نفسه، كما يقول أبو رمان.

محمد أبو رمان. تصوير عز الدين الناطور.

تأجل التحقيق مع الطلبة أكثر من مرة، بحسب رواية أبو رمان، حتى منتصف شهر تشرين الأوّل 2015 عندما نظمت القوى الطلابية في الجامعة وقفة كبيرة تنديدًا بتصاعد الاقتحامات الإسرائيلية، وخلال الوقفة وصل خبر لأبو رمان بفصله بناءً على الاعتصام السابق لمدة فصل واحد ولزميله الخطيب لمدة فصلين.  

بررت الجامعة الأردنية وقتها، عبر العمادة، قرارها بالقول إن الطالبين أقدما على عدد من المخالفات كان منها الهتاف «بصوت عالٍ لقيادات سياسية تمثل وتتبع منظمات وجهات خارجية، ومنها قولهم «يا قائدنا الأول أحمد ياسين«». وتابع البيان «لا يجوز الهتاف في الجامعة الأردنية إلا للأردن ولجلالة الملك وولي عهده والمؤسسات الوطنية».  

لم يصمت الطلبة، ونظموا عددًا من الوقفات المنددة بالقرار، ثم اجتمع مجلس اتحاد طلبة الجامعة مع عدد أعضاء لجنة التعليم في مجلس النواب، الذين تواصلوا بدورهم مع رئيس المجلس عاطف الطراونة، وتم التواصل مع رئيس الجامعة الذي طلب لقاء أبو رمان والخطيب وأبلغهما بإلغاء العقوبة التي اتخذتها لجنة التحقيق بحقهما لأنها اتخذته دون الاجتماع بهم، لكن هذه لم تكن النهاية.

يقول أبو رمان: «حلّينا الطلاب وفرحنا ورجعنا ننتظم بالدراسة (..) بس لسا مخلصناش. إحنا ضلينا أعضاء باتحاد مجلس الطلبة بس أي شي كنت أرفعه للعمادة باسمي أو اسم الخطيب كان يرتفض، وظل الوضع زي هيك لحد ما وصلنا لموعد الامتحانات النهائية، ووقتها بلّغونا إنه في لجان تحقيق بدها إيانا».

اجتمعت لجنة التحقيق مع أبو رمان والخطيب، وكرر أبو رمان في الاجتماع أنه لم يشارك في «الدبكة». وبعد بداية الامتحانات النهائية بأسبوعين، وصل قرار إنذار الخطيب إنذارًا نهائيًا وأبو رمان إنذارًا أوّليًا.

اتهم أبو رمان العمادة بتعمد اتخاذ هذا القرار في فترة التي ينشغل فيها الطلاب بالامتحانات النهائية «حتى لا ينظموا أي فعالية معارضة للقرار»، وهذا ما حدث بالفعل، إلا أن المؤلم بالنسبة له لم يكن العقوبة نفسها، بل إحساسه بالرفض من قبل الجامعة والآخرين.

«طلعونا بالآخر إنه إحنا ضد الوطن، وهاد كان كثير سيء، لأنه ما كنا قادرين نبرر موقفنا ونوصل للناس ونحكيلهم اللي صار فعليًا»، يقول أبو رمان. «أنا حسيت قديه الموضوع مؤلم لما دكتورة بالقسم قالت لي يا محمد أنا بعرفك شاطر، بس زي ما ذكر بيان العمادة إنت ضد الوطن وضد الجامعة وضد نفسك، فيا ريت تصلح حالك».

كيف تُضمن أنظمة تأديب عادلة؟

الحملة الوطنية من أجل الدفاع عن حقوق الطلبة «ذبحتونا» ترى أن أنظمة التأديب المعمول بها في الجامعات الأردنية صُممت لقمع العمل الطلابي، كما لم تضع سلمًا منطقيًا للعقوبة، وتركت الأمر لتقديرات اللجنة ولرئيس الجامعة، إضافة إلى أن آلية تشكيل اللجان لا تضمن حيادها، إذ تخلو من وجود أي من ممثلي اتحاد الطلبة فيها كما تمنع حضور من يدافع عن الطلبة بينما يكون فيها عادةً مستشار قانوني للجامعة.

الدكتور فاخر دعّاس، المنسق العام للحملة، يؤمن بأن أنظمة التأديب المعمول بها في الجامعات الأردنية تنبع «من عقلية عرفية» على حد وصفه، منتقدًا عدم تعديلها أو تغييرها على مدار السنوات الماضية، إذ يعود موعد إقرار معظمها إلى تسعينيات القرن الماضي، معتبرًا أنها تتعامل مع الطالب على أنه «طالب مدرسة وليس طالب جامعة مستقل بتفكيره وتوجهاته».

«قانون الأحزاب ما عاد بمنع العمل السياسي داخل الجامعات بعد ما تعدل عام 2007»، يقول دعاس. «لهيك لازم تتعدل أنظمة التأديب وتسمح بحرية العمل السياسي (..) ما بصير الطلاب إذا بدهم ينظّموا اعتصام أو احتجاج يروحوا يوخذوا موافقة من العمادة. ما بتصير هاي بأي مكان بالعالم».

وردًا على الرأي القائل بأن أنظمة التأديب تساعد الجامعات بالحفاظ على السلم الأهلي داخلها وخاصة مع ظهور العنف الجامعي، يقول دعاس: «العنف الجامعي هي ظاهرة مستحدثة، لكن أنظمة التأديب موجودة بهالصيغة منذ تسعينيات القرن الماضي، والآن البعض بستخدم العنف كمبرر لقمع العمل الطلابي».

في بالمقابل، يرى عميد شؤون الطلبة في الجامعة الهاشمية، الدكتور مصطفى الخوالدة، أن الشكل الحالي لأنظمة التأديب يتناسب مع الشكل الحالي للجسم الطلابي، وأن هذه الأنظمة تساعد الجامعات في ضبط العملية التعليمية. «الأنظمة اللي بنعمل فيها معتمدة من رئاسة الوزراء»، يقول الخوالدة، «وهي منصفة للطلاب بصراحة، ما فيها أي خلل في موضوع العقوبات والتأديب، فهي مدروسة بطريقة جيدة وهناك بدائل داخل الأنظمة للعقوبات».

ولا يرى الخوالدة أن هناك مبررًا كافيًا لحضور أحد أعضاء مجلس الطلبة لجان التحقيق التي تكون بالكامل من الأساتذة، إذ يرى أن الطالب أو عضو مجلس الطلبة يتعاطف بالنهاية مع زميله، كما أنه غير ملم بقوانين أنظمة التأديب.

ويخالف الخوالدة دعاس إذ يرى أن «القضايا التي يرتكبها الطلبة واضحة، وبالتالي بناءً على المخالفة بكون في سلم بالتأديب. الأمور اللي ما فيها أي نوع من عدم الوضوح أو عدم القدرة على اتخاذ القرار بتشوفها اللجنة وبكون التأديب بحسب المخالفة في النهاية».

رئيس جامعة الزيتونة الدكتور تركي عبيدات يقول إنه لا توجد نصوص صريحة تدين العمل السياسي داخل الجامعات، قائلًا إن الأنظمة والتعليمات عمليًا تحمي العمل الديمقراطي والسياسي «الحضاري» في الجامعات. وعند سؤاله عن تعريف العمل السياسي الحضاري قال: «إنه العمل السياسي القائم على احترام وجهة نظر الآخر، ومن حق الطالب أن يحمل آراءً سياسيةً وأن يؤثر على باقي الطلبة، إن استطاع».

لا تملك وزارة التعليم العالي سلطة على القرارات الصادرة من المجالس الخاصة داخل الجامعات، إذ حصر قانون الجامعات الأردنية نقض القرارات الصادرة عن أي مجلس بالمجلس الأعلى منه داخل الجامعة، وهو ما ترك الطلاب أمام خيار وحيد تمثل بنقض هذه القرارات أمام المحاكم الإدارية التي تعتبر رسومها أعلى نسبيًا من باقي المحاكم، كما تؤكد مدير مركز العدل للمساعدة القانونية، هديل عبد العزيز، التي ترى أن هذا هو السبب وراء عزوف الطلبة عن الترافع أمام المحكمة.

لكن تكاليف القضايا ليست السبب الوحيد لهذا العزوف، إذ يمتنع بعض الطلبة عن رفع قضايا أمام المحاكم الإدارية خوفًا من تضاعف العقوبة بحقهم، كما في حالة الطالب بشير الخطيب، إذ يقول زميله أبو رمان إنه رفع قضية أمام المحكمة الإدارية وتكفل برسومها وحيدًا بعد تخرجه، بينما رفض الخطيب المشاركة في القضية لأنه ما زال طالبًا منتظمًا بالجامعة.

وفي الجلسة الأولى حكمت المحكمة الإدارية لصالح أبو رمان، وعلى إثر ذلك طلبت عمادة شؤون الطلبة من أبو رمان سحب القضية، كما يقول، إلا أن ذلك لم يتم وهو ينتظر الآن الحكم النهائي.

على أي حال، يبدو أن ثمن العمل الطلابي قد يكون مرتفعًا جدًا أحيانًا، ويهدد مستقبل الطلبة الأكاديمي الذي هو في النهاية هو غاية وجودهم في الجامعات.

ليلى، الطالبة في إحدى جامعات الشمال، تحاول الآن إنقاذ مستقبلها الأكاديمي بعد أن تعرضت للفصل ثلاث مرات بواقع خمسة فصول دراسية، أي ما يوازي عامين ونصف دراسيين، وذلك بسبب نشاطها السياسي والمطلبي داخل جامعتها.

فُصلت ليلى (اسم مستعار) بعد تنظيمها ومشاركتها في وقفة منددة بالعدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة، وتوزيعها منشورات داخل جامعتها رافضة للتعديلات على قانون المطبوعات والنشر، بالإضافة إلى مشاركتها في حملة «جامعات لا شركات» الرافضة لتعديل الرسوم الجامعية.

هذا الثمن المرتفع ضاعف تقريبًا من المدة التي كان من المتوقع أن تقضيها ليلى في الدراسة للحصول على شهادة البكالوريس، وتكفل بأن يدفعها للخوف من مخاطبة الإعلام بشكل علني أو نشر صورتها، حتى تتخرج وتحصل على شهادتها الأكاديمية.

«بتشعر باليأس لما تصل لمرحلة إنك بنتصدم بكل هاد العالم وكل هدول الأساتذة والدكاترة اللي يفترض أنهم نخب، وإنهم يفترض أنهم قادرين يستوعبوك ويستوعبوا أفكارك، أو حتى يستوعبوا فكرة وأهمية العمل السياسي داخل الجامعة»، تقول ليلى. «هاد ببين قديه في عنا كبت حريات في الأردن. في الجامعات، الحرية بتنعطى لناس وناس. الحرية بتنعطى فقط للناس اللي بتصطنعهم الدولة، واللي بجوز بتقدر تسيطر عليهم».