فضاء آخر: الحنين إلى أبو محجوب في عصر الفيسبوك

الخميس 11 آب 2016

بقلم ساندي أبو سيف

على الرّغم ممّا تنطوي عليه فرضيّة وجود عالم «آخر» أو مجتمع «موازِ» لعالمنا الحقيقيّ من أبعاد فلسفيّة مثاليّة، إلاّ أنّه لا خلاف على تحقّقها بصورة أو بأخرى في العوالم الافتراضيّة المتشكلّة خلف شاشات الحواسيب والأجهزة الذّكيّة.

أول المجتمعات الافتراضيّة بدأ بالتّشكّل رقميًا على هيئة مدوّنات ومنتديات مع انطلاق ثورة الاتّصالات في بداية الألفية الثّالثة أو قبلها بقليل؛ إذ أنّ المنتديات كانت أشبه بالمجتمعات البدائيّة في تاريخ العالم الافتراضي التي سبق وجود المجتمعات الرّقميّة الكبرى كالفيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها.

شكّلت المدوّنات والمنتديّات مرحلة هامة يمكن أن يطلق عليها اسم مرحلة «ما قبل الإعلام الاجتماعيّ»؛ حيث أنّ هذه المنصّات كانت أشبه بتجمّعات لشخصيات رقميّة غالبًا ما تجمع بينها اهتمامات مشتركة، وعادة ما تختار أن تكون ذات هوية رقميّة مميزة تمنحها سمة المجهوليّة حرّيةً أكبر. ووفّرت هذه الهُوية الرّقمية لحاملها حريةً اختيار الهيئة التي يريد أن يظهر عليها والتي قد لا تربطها بالواقع صلات حقيقيّة.

الاهتمامات المشتركة والمجهوليّة والحريّة منحت مرتادي الإنترنت في ذلك الوقت مساحة لم تكن لتتحقّق لولا إمكانات الفضاء الافتراضيّ، فكانت المنتديات في بداية انطلاقها خيارًا لفئة تحلم بمساحة حرّة لتبادل الآراء والنّقاشات حول قضايا تشغلها، ويمكن التّمثيل على أحد المنتديات التي شكّلت علامة لافتة في تاريخ الفضاء الرّقميّ الأردنيّ بمنتديات محجوب أو ما أصبح يتعارف عليه لاحقًا بـ(أبو محجوب) أو (المحاجيب)، التي ظهرت في بداية الألفية.

هذه للمنتديات -وفق ما جرّبتُ وعايشتُ، إذ كنتُ عضوة فيها لسبع سنوات ومحرّرة لمدّة قصيرة- تعدّ تجربة مفارقة ومغايرة، عن تجارب العديد من المنتديات الأخرى التي شاعت في ذلك الوقت سواء داخل الأردنّ أو خارجه، وذلك بفعل عوامل متعدّدة يبدو أهمّها أنّ المنتدى اكتسب قوّته وسماته ذات الأبعاد التّحرّرية من النّقد الاجتماعيّ السّياسيّ الّلاذع للقصة الكاريكاتوريّة التي كان يبدعها بشكل شبه يوميّ رسّام الكاريكاتور الأردنيّ عماد حجّاج وينشرها عبر موقع محجوب دوت كوم. كان المنتدى أشبه بمساحة نقاش حرّة تفاعليّة قائمة خلف الهدف الرّئيس من إنشاء الموقع وهو الترويج اليومي لكاريكاتير عماد حجّاج الذّي مثّل آنذاك حالة إبداعيّة مختلفة عن السائد ما لبثت أن استقطبت اهتمامًا شعبيًا واسعًا، وأشاعت حالة من التّرقّب اليومي لما سيطرحه تاليًا من مشكلات اجتماعيّة شديدة الصّلة بالأردنيّ اليوميّ والبسيط الذّي رمز إليه بشخصية «أبو محجوب».

أهمّ ما منح منتدى أبو محجوب ميزاته هي أنّ أعضاءه الرقميين امتازوا بثقافة معرفية واسعة، وقدموا من خلفيات أيديلوجيّة متباينة.

بدأ جمهور أبومحجوب بالتّجمع على هيئة مجموعات صغيرة وجدت في المنتدى ملاذًا لتمارس نقدها هي الأخرى. هذه المساحة ما لبثت أن تمدّدت وتوسّعت وبدأ شكل المنتدى يتّضح مع ازدياد أعداد المسجّلين فيه، وشيئًا فشيئًا تشكّل مجتمع افتراضي صغير على هامش الموقع الكاريكاتوري الكبير، ومع الوقت اكتسب المنتدى شعبيته هو الآخر، ومايَزَ نفسه بهُوية لم تعد تتصل، بصورة أو بأخرى، بفكرة إنشاء الموقع أو حتّى بالقصة الكاريكاتوريّة، فاستقلّ حتى أصبح منتدىً قائمًا بنفسه، ولكن كان لا بدّ أن تمرّ إليه من الصّفحة الرّئيسة للموقع.

يمكن القول بأنّ منتدى أبو محجوب وكمجمل المنتديات في ذلك الوقت كان نخبويًّا، فلم تكن الإنترنت في تلك الفترة ضرورة و نمط حياة كما هي عليه الآن، بل كانت خيارًا للنّخبة التي حازت إمكانات تؤهّلها لتحمّل تكلفة الاتّصال بالإنترنت. وعلى الرّغم من هويته الأردنيّة المميزة إلاّ أنّه نجح في استقطاب شخصيات من خارج الأردنّ، ومن المغتربين الذّين وجدوا فيه أفقًا لتشارك الأفكار حول ما يجري في الأردنّ من أحداث، أو في موضوعات عمومية أخرى.

كانت «الهُويّات» الافتراضيّة في المنتدى قد بدأت تتخذ أسماء مستعارة «ثابتة» أشبه بالأسماء المطبوعة على الهويّة الشّخصية، وبدأت تتشكّل معها ملامح شخصية افتراضية ماثلة قائمة بذاتها وتعيش داخل المنتدى، وكانت التّوقيعات وصور البروفايلات جزءًا يمنح الهويّة الرّقمية للأعضاء فرادتها وخصوصيتها، وينبىء، غالبًا، عن توجّهها الفكريّ أو ما تتبناه من أيدولوجيا.

كنتُ ولا زلتُ أرى أنّ أهمّ ما منح منتدى أبو محجوب ميزاته هي أنّ أعضاءه الرقميين امتازوا بثقافة معرفية واسعة، وقدموا من خلفيات أيديلوجيّة متباينة فمن الشّيوعي إلى الاشتراكي إلى الرّأسمالي، ومن الأصوليّ إلى الملحد، من الهاوي إلى المحترف، ومن المتحرّر إلى التّقليدي؛ شخصيات ذات خلفيّات وأبعاد فكريّة ثريّة ومتناقضة، وهذا تحديدًا ما جعل منه منصّة حواريّة غنية. ولا زلت أذكر السجالات الفكريّة التي كانت بين الملحدين والمؤمنين حول «نظريّة التّطوّر» ومسائل تتعلق بالفكر الإسلاميّ كقتل المرتّد أو أخرى بالعرف الاجتماعي كـ«جرائم الشّرف» وغيرها، ورّغم حساسيّة هذه القضايا إلًا أنّها كانت تجري، في كثير من الأوقات، في مناخ من التّقبّل وردّ الحجّة بالحجّة والاحترام المتبادل، وهو الأمر الذّي أصبحنا نفتقده في بعض النّقاشات المتداولة في وسائل التّواصل الاجتماعي حاليًّا.

فمن إحدى مساوئ حقبة (الإعلام الاجتماعيّ) التي وصفها الفيلسوف الإيطالي إمبرتو إيكو بأنّها حقبة «غزو البلهاء» أنّها منحت الجميع الحقّ في التّعبير إلاّ أنّها أفقدتنا القيمة في هذا الزخم المكتوب، فقد تحوّل بعض مرتادي هذه الشّبكات إلى أشبه ما يكون بكائنات من مثقفين رقميين بلا ثقافة حقيقيّة، يبرعون في النّسح والّلصق وتدوير الأفكار دون أن يستندوا إلى معرفة واطّلاع ذاتيّ، وهذه الكائنات الرّقمية أصبحت تجيد تسجيل الإعجابات والتّصدي للفكر المضادّ بالسّباب والشتائم فلم تعد ثمة قواعد ضابطة لاحترام الرّأي الآخر والنّقاش على أسس من المقارعة الفكريّة.

كما كان المنتدى منصّة لحوارات بين أصحاب الاتجاه السياسية المختلفة حول القضايا السّاخنة آنذاك، كتداعيات حادثة 11 سبتمبر والقاعدة وأسامة بن لادن وغزو العراق، وقضايا تاريخيّة مختلفة كالقوميّة العربيّة والحضارة الإسلاميّة وغيرها، وكذلك لم تكن الحوارات خالية من متعة تتعلق برؤية الطريقة التي يعرض فيها كل طرف رؤيته للعالم، فكان المنتدى أشبه بعالم من الأفكار المتضاربة المتناقضة المتصارعة، كانت الحوارات أحيانًا تمتدّ إلى عشرات الصّفحات، تطرح بكثير من الثّقة، وتفصح ليس فقط عن ثقافة واسعة بل عن شخصيات مايزت نفسها بفكر وتبنت أيديولوجيا محدّدة كانت تنطلق منها في رؤية الكون وتفاصيل الحياة من حولها، وهذا تحديدًا ما منح المنتدى هويته الخاصّة؛ أي الأعضاء، سكّان هذا المجتمع القادمين من مستويات علميّة متبانية وثقافات مختلفة وجنسيات متعدّدة وهوايات مميزة.

ورّغم أنّ سقف الحوار الذي كان يجري سواء في الصفحة العامّة للمنتدى أو في ما كان يعرف بـ(إحكي وفضفض) كان مرتفعًا إلاّ أنّ المنتدى كان يقوم على إدارته مجموعة من المحرّرين الذّين تطوّعوا لإدارة منصّات الحوار و«قصقصة» إن لزم الأمر أي مِساس بـ«المحرّمات المجتمعية»، وتنظيم عمل الأعضاء وحلّ أي إشكاليّات تقنيّة قد تعترضهم.

كما ساهم المنتدى خاصة مع ما كان يجري فيه من حوارات ومن تشارك للهوايات والإبداعات الأدبيّة والتّصويريّة وما يتبعها من نقد ونقاش في الصّفحة الفنيّة أو الأدبيّة (أحلى الكلام) في  ظهور كتّاب وشعراء ومصوّرين نجحوا في التّجريب وفي مشاركة إبداعاتهم ومن ثمّ عملوا على تطويرها لاحقًا. وكل هذا جعل من المنتدى مجتمعًا افتراضيًّا أقرب إلى أن يكون منسجمًا تتشاركه مجموعة من الشّخصيّات المتوافقة على الرّغم من تناقضها، والتي خلقت مناخًا تشاركيًّا حرًا، وهو ما بدأ يختفي على نحو ما في عصر الفيسبوك.

يذهب الكاتب روبين ريمارجوك في مقالته التي بحث فيها تأثير الفيسبوك الكبير على حياتنا –الفيسبوك كفضاء «آخر»– إلى تبني فرضية الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو القائلة بوجود «فضاء» آخر حقيقيّ تامّ وكامل ودقيق التّكوين ومرتّب بقدر فوضوية عالمنا، يكون تمثّلا للعالم الحقيقيّ غير أنّه في مكان آخر، وهو يختلف نوعيًّا عن (اليوتوبيا) التي تقوّض سماتها المثاليّة أي إمكانيّة لجعلها مكانًا «حقيقيًّا». شبّهه فوكو بالنّظر إلى المرآة، فــ «المرآة مكان معدوم المكان، في المرآة أرى نفسي هناك، حيث لا أوجد، في فضاء افتراضيّ غير حقيقيّ ينفتح من وراء السّطح [سطح المرآة]»؛ فالمرآة هي فضاء آخر «هيتيروتوبيا» لأنّها حقيقيّة تمامًا، ومتصلّة بالفضاء المحيط بها تمام الاتّصال. هي تمثّلٌ، بالكامل، للعالم الحقيقيّ غير أنّها في مكان آخر!

يذهب ريمارجورك إلى «أنّ الفيسبوك ما هو إلاّ تجسيد افتراضي لمجاز فوكو الخاصّ بالمرآة. نرى أنفسنا على الشاشة في صورة ما، صفحات بروفايلاتنا دائمًا ما تعكس لنا صورتنا، في حين أن هذه الصّورة نفسها، تفتح عالمًا لا وجود لنا فيه! لهذا فهي فضاء آخر «هيتيروتوبيا». تخرج من العالم العادي عندما تدخلها لكن، في الوقت نفسه، فأنت متورّط في تمثيل نسخة ما من الحياة العادية».

أخذت فكرة المجتمع الافتراضيّ الصغير المتجمّع في فضاء واحد له ملامح مميزة وواضحة، بالاندثار شيئًا فشيئًا، وبدأت تُخلي الطّريق للمجتمعات الرّقمية الكبرى.

يخلق الفيسبوك نسخة من حياتك الواقعيّة في المساحة الافتراضيّة، فأنت هناك، على الشّاشة، بصورتك الحقيقيّة وهويتك الحقيقيّة وحتى محيطك الحقيقيّ أيضًا، وكأنّه يفرض عليك أن تنقل حياتك اليوميّة والشّخصيّة إلى العالم الافتراضيّ، بل إنّه يحاول إقناعك بتنبي خيارات أو الإجابة عن تساؤلات أو تحميل صور أو الإعجاب بصفحات قد لا تكون راغبًا بها، وهو يعمل على إعادة تشكيل وعيك بما يقدّمه لك من سيل الأخبار والأحداث والصّفحات الّلانهائيّ، بينما كانت المنتديات قد ظهرت في حقبة رقمية أكثر هدوءًا بما تحمله من امتيازات غابت تمامًا الآن؛ فالإنترنت، آنذاك، كان أكثر انفتاحًا وتحرّرًا، ولم تكن الشركات الكبرى قد فرضت عليه شروطها، كما يفعل الفيسبوك الآن من شروط الاستخدام ورقابة كاملة على أنشطتك وصورك وتنقّلاتك وحواراتك، فأنت في «المنتديات» كنتَ أكثر تحرّرًا لأنّك صاحب هوية رقمية قد لا تمتّ للواقع بصلة؛ فسمة المجهوليّة هذه كانت خيارًا تستطيع من خلاله بناء المكان «الآخر» الهيتروتوبيا الخاصّة بك دون أن تتورّط بنقل حياتك «الواقعيّة» إلى العالم الافتراضيّ، فأنت حرّ في هويتك وخياراتك وإعجاباتك وحتى في اختيار محيطك «الرّقمي» ومجتمعك التّشاركيّ.    

وقع منتدى أبو محجوب كغيره من المنتديات ضحيّة ثورة مواقع التّواصل الاجتماعيّ التي كانت أشبه بموجة «عولمة» افتراضيّة، فأخذت فكرة المجتمع الافتراضيّ الصغير المتجمّع في فضاء واحد له ملامح مميزة وواضحة، بالاندثار شيئًا فشيئًا، وبدأت تُخلي الطّريق للمجتمعات الرّقمية الكبرى، للشّبكات الاجتماعيّة المعولمة ذات الفضاءات المفتوحة، اللامحدودة؛ فشرعت ثقافة رقميّة جديدة بالتّشكل ذات طبيعة كونيّة، أسهمت كما فعلت موجة العولمة تمامًا، في التّسعينيات، في القضاء على المجتمعات الصّغيرة، و دفعت بالمواطنين الرقميين إلى الانتماء إلى ما أخذت تروّج له من فضاءات مفتوحة، ومساحات ذات أبعاد كونيّة، وإعلام اجتماعيّ، وثورة هائلة في المعلومات.

لم يعد القائمون على المنتدى قادرين على تثبيته أمام هذا الغزو، ولم يعد ما تبقى من أعضاء قادرين هم الآخرين على الصّمود في ظل الانهيار الكبير الذّي لحق به. ما هو محزن ومؤلم في الوقت نفسه، أنّ منتدى أبو محجوب قد شهد اندثارًا كاملًا، وكأنّه لم يكن في يوم من الأيام، تم محوه تمامًا من شبكة الإنترنت، دون الاحتفاظ حتى بأرشيف منه؛ فاختفى معه تاريخ وسجل ثريّ من المعلومات والسّجالات والإبداعات في الكتابة والبحث والتّعليق، والجهود الفرديّة التي قامت بالتّبويب والتّصنيف. ورحلت برحيله الذّاكرة الجَمعيّة التي ربطت أعضاءَه بعلاقات اتخذت مناحٍ متعدّدة، وغدت محاولات إعادة بعثه من جديد على هيئة صفحة في الفيسبوك غير مجدية، لأنّ المنتدى كان قائمًا بهذه التّوليفة الغنيّة من الهُويّات الرّقمية المستعارة والمكان بما يتمتّع به من طّبيعة خاصّة.

هذا تحديدًا، وغيره ممّا ذكرتُ سابقًا، ما دفعني إلى أن أكتب عن منتدى أبو محجوب كمحاولة منّي للتّأريخ لمكان اندثر تمامًا، ولأنّ الجهود التي شكّلته منذ البداية ومايزَته عن غيره من المنتديات ومنحته هويته الخاصّة تستحق أن تبقى حيّة ولو حتّى بمقال كهذا. وفي النّهاية، فإنّ الرّحلة من أبو محجوب كمنتدى وليس انتهاءً بالفيسبوك كموقع للتّواصل الاجتماعيّ تلخّص الطّور الذّي مرّ به العالم الافتراضيّ ومحاولات القائمين على هذا العالم في إبقائنا مشغولين دائمًا في البحث عن فضاء «آخر» مواز للعالم الواقعي.