قصة في عشرين دقيقة – تقريباً

الأربعاء 10 شباط 2010

خلال ورشة عمل لكتابة القصة القصيرة طلب من المشركين ترجمة موقف واقعي إلى قصة قصيرة خلال عشرين دقيقة على سبيل التمرين:
“أهم اشي هسة تزبط المخمن بخمسين ليرة. بتوفرلك أكمن ألف”
جاءت النصيحة من احدى غرفتي النوم وجاءت الموافقة عليها بسرعة من المطبخ قيد التركيب.
“هي كم مساحتها أصلاً ؟ ما هو أول ١٥٠ متر بجيهم إعفاء …”
أعلن أحد الزملاء ممن تقع على كاهلهم معاينة الشقة الجديدة وما يتبع هذه المهمة من نصائح.
“أول ١٣٠ او إنته الصادق” جاء رد أخر كان منهمكاً بفحص المفاتيح الكهربائية.
“شوفو أحكيلكو… إلي شهر بحاول أعرف شو قصة الإعفاء او مش مبين معي. الشقة ١٦٠ متر وإلي بدو يطلع علي بدي ادفعه. أنا أصلاً زلمه بحب أعطي مصاري للحكومه و ما بصدق تجيني فرصة. قلة ما عليها إلتزامات يعني.”
أنهى صاحب العقار المنتشي النقاش الدائر بنصف إبتسامة وزفرة من الأنف توحي بالسخرية لكنهما لم تفلحان بإزالة الذهول الذي تركته جملته الأخيرة على وجوه الزملاء، فألحقها سريعاً بمحاولة شبه فكاهيةٍ أخرى لاقت فشلاً مماثلاً. -“هو أنا دافع اشي من جيبتي يعني … ما هو كلو من مصاري البنك”.
********

لم تفلح كل قتامة المشهد في الدائرة الحكوميه التي بدا بوضوح أنها لم تلتحق بعد ببرامج الحكومه الالكترونيه، لا بل لم تغادر حقبة الثمانينيات، بالحد من السعادة المصحوبة “بإمتلاك” أول منزل.
“يا أخي بغض النظر عن كل المشاكل بظل الموظف الاردني محتفظ بكرامتو”
حاول التخفيف عن موظف البنك الذي كان يزداد إمتعاضاً مع إزدياد المكاتب إكتظاظاً.
“يعني صحيح هو دايماً معصب و بطيء و كثير مرات شبه فاشل في القيام بمهماته الوظيفيه بس أنا سعيد إنو لسة ما وصلنا لمرحلة انك تكون بحاجة انك تدحش خمس ليرات بين وراق المعامله عشان تمشي.”
وافقه موظف البنك بهزة رأسٍ خجولة طغى عليها طابع المجامله مما زاده إصراراً على التأكيد بجديه نادرة على أهمية الربع الممتلئ من الكأس.
“تخيل لو وصلنا هيك مرحله! بهدله يا زلمه. بهدله للكل.”
********

في نهاية يوم شاق وقف مبتسماً أمام ما أخبروه أنه سوف يكون أخر مكتب.

“إرجع الخميس عشان توخذ القوشان”
“بس …ما هو….بنفعش …اليوم الأحد ….ما هو …البنك …القرض…”

“زي ما قلتلك. إرجع الخميس.”
ركض مذعوراً على درجات البناية دون أن يزيح نظره عن شاشة هاتفه باحثاً عن اسمٍ يخرجه من هذا المأزق، حتى إذا وصل إلى خارجها هرول بإحترام إلى كشك ألتصوير إلى يمين المدخل.
“عندك بطاقات فاست لينك؟”
*******

مداخلة: لم تكن الدقائق العشرون (حتى بعد التمديد) كافيةً لإكمال القصة، و قد تقتضي الأمانة الأدبيه الاعتراف بأن ما يتبع تم استكماله خارج الدقائق العشرين …في فترة لم تتعدى عشرين دقيقة اضافيه.

*******
“استنى هسة بجيك.”
أجاب الرجل الذي كان منهمكاً بأكثر من ألف مهمة في مساحةٍ لا تتعدى المتر المربع الواحد، ظهرت أكثر ضيقاً بفعل بنيته الممتلئة.
“إنته كم ظايلك؟….معيش فراطة ….خذ علبة بيبسي بالباقي……إنته بدك بريزه …خذلك فيها صورتين عن هويتك”
أطلق ضحكةً مسموعة و هنأ نفسه على نكتة نالت إستحسان الزبائن بحركةٍ عفويه تضمنت مسح كلتا يديه على بقايا الشعر التي أصر على سحبها للخلف بعد اغراقها بالكريم واتبعها بابتسامة وغمزة دون وجهة محددة.
ما أن تفرقت جموع الزبائن حتى مال على على كاونتر الكشك مستنداً على كوعه وواضعاً يده على خده مبتسماً في وضع كاريكاتوري يوهم بالإهتمام.
“شو مشكلتك؟”

“قال إرجع الخميس. وإذا البنك ما وصلو القوشان خلال ثلث أيام فيها بلشه”
“بسيطة. تفضل معي على غرفة الاجتماعات”
إنزلق خارج الكشك برشاقة غير متوقعة و سار مسافة خمسة أمتار خلف الكشك وإلى جانب البنايه.
“كم مستعد تستثمر؟”
“عشرين”
أجاب بدون تردد.
“هو شوف …مش عشاني…عشان مسكين ….”
” إنته حلوانك لحالو”
بحركه سريعة ومتصلة سحب أحد الكراسي الخشبيه الصغيرة من أمام الكشك وإنتزع زجاجة عصير من الثلاجه وقذف بعلبه سجائر مفتوحة تتدلى منها سيجارة على الطاوله.
“ما بتلحق تشرب المنجا او إتدخنلك سيجارة بكون موضوعك إنتهى”.
********

لم تمض دقائق حتى وقفا معاً أمام “إرجع الخميس” ذاته الذي كتب وختم ووقع أمام عينيه اللتين لم ترتفعا عن الأرض.
على مدخل البناية تخلل تبادل الابتسامات وعبارات الشكر بطاقة خضراء وبيضاء صغيرة كتلك التي يستعملها موظفو القطاع الخاص.

محمد أبو …..
متابعة وتسكير كافة أنواع المعاملات الحكوميه
توصيل مياه وكهرباء. تجديد وثائق. تسجيل أراضي وعقارات
زين ……اورانج……..أمنية

إبتسم نصف إبتسامة وأخرج زفرةً أخرى من منخريه وفكر طويلاً قبل أن يتخذ القرار بأن يدس البطاقة في جيبه أو في أقرب سلة مهملات.

هذه القصة نتيجة لقاء حول الكتابة نظمه حبر، إن كنتم مهتمين بالانضمام لهذه اللقاءات أرسلوا لنل بريدا الكترونيا على هذا العنوان.