أنا ما فهمتكو

الثلاثاء 01 آذار 2011

بعد حوالي شهرين من الإحتجاجات والمسيرات والنقاشات في مختلف المنابر لا بد من وقفة سريعة تُراجع كيف تعامل الحاكم مع مطالب جدية ارتقت إلى مستويات غير مسبوقة.
يمكن تلخيص ردود الفعل كالآتي:

– تغيير حكومي كاريكاتوري أعاد تدوير رئيس وزراء سابق، أقل ما يمكن وصفه بأنه (غير فعال) بدليل عدم قدرته (بحسب روايته) على التصدي لتزوير الأنتخابات ولتوقيع إتفاقية مست بسيادة الاردن وقوانينه. أضف إلى ذلك إحتفاظ وزراء الوزارات السيادية بحقائبهم، فيصبح التغيير الوزاري الأخير بمثابة “الاستفزاز”، ومثال حي على أن الخطوة الاولى في الاصلاح لا بد أن تبدأ بتغيير الالية العبثية لتشكيل الوزارات وحلها.

-خطاب تلفزيوني طال انتظاره لجأ إلى إستخدام لغة ومفردات تنتمي إلى مرحلة سابقة لم يأت بجديد لا شكلاً ولا موضوعاً، أمام مجموعة الشخصيات منتهية الصلاحية ذاتها التي تضم رموز الفساد والترهل والعقم. فالحديث عن “إصلاح سريع وحقيقي” هو نفسه لم يتغير منذ عشر سنوات (الرابط هو النتيجة الاولى لبحث سريع يتضمن الكلمات التالية: King،Jordan، Reform، 2001) وحتى مصطلح “ما في تعليمات من فوق” فقد تم استهلاكه بسرعة وخاصةً أنه ضمن الوضع الحالي، لا يوجد أردني لا يعي بأنه لا يوجد تعليمات إلا من فوق، سواء كان الموضوع “الايعاز للحكومة بإتخاذ أي إجراء” نزولاً إلى الايعاز بقبول طالب ذو تحصيل متواضع في الجامعة.

-تنظيم المسيرات “الكرنفالية” (بحسب وصف الصحافة الرسمية) ونشر اليافطات القماشية الملونة في الميادين العامة التي تهنئ بعيد ميلاد مضى عليه شهر كامل وتعلن الولاء والانتماء من مختلف الفعاليات الشعبية، دون أن يكون لها أي داعي أو فائدة سوى الإعادة للأذهان عناوين الصحف المصرية التي خرجت تعلن عن مسيرات التأييد المليونية.

-تحويل ملفات قضايا فساد ضخمة (موارد، اتفاقيات الكازينو، سكن كريم) إلى دائرة مكافحة الفساد التي نتستنج من حديث رئيسها على برنامج ستون دقيقة الأسبوع الماضي بأنها مجرد مؤسسة صورية لا تمتلك أبسط الأدوات (من موظفين وميزانية أو حتى صلاحيات) تمكنها من أخذ هذه الملفات بجدية ودراستها، قابلها إطلاق سراح الصديق القديم خالد شاهين (لأن عشرة أطباء قرروا أنه وزنه زايد).

-تثبيت أسعار المحروقات (بدون الكشف عن الية تسعيرها أو مصير فوائض عائداتها) واعداد مشروع جديد للموازنة يعد بالحفاظ على (وربما تحسين) مستوى المعيشة على حساب الزيادة في العجز، ولكن دون الالتفات إلى المطالب بإعادة النظر في وجوه الانفاق التي تشكل العبء الأكبر على الموازنة مثل الهيئات المستقلة وموازنة الدفاع ومخصصات المشاريع الكبرى.

من الواضح أن الحاكم ومن حوله لا يعوا جدية التحركات والمطالب، ويبدو أن استناد كل التحركات والدعوات إلى الاصلاح إلى أن “النظام الملكي هو خيار لا رجعة عنه وأن العرش هو أساس الاستقرار في الاردن” اعطت الانطباع بأن كل هذه المطالبات وأن إرتفع سقفها بقيت دونه وانها لم تصل بعد إلى مستوى يرغمه على اخذها بجدية. إن مخاوف الاردنيين من “الفوضى” و”أزمة الهويات” وغياب البديل وحرصهم على “الاستقرار” خاصةً في ظل “خصوصية المجتمع الاردني” و”إنتشار السلاح بين المواطنين” (وغيرها من مصطلحات التهويل التي ظهرت في الاردن وغيره من دول الاحتجاجات) سمحت لصانع القرار بإهمال مطالب الاصلاح والاستخفاف بها بدليل ردود الفعل البدائية (وحتى الوعود) التي تنتمي إلى حقبة سابقة. حتى الان لم تنجح المطالب المتواضعة من المطالبة بقوانين الانتخاب العصرية والعودة إلى دستور 1952 أو حتى الأسئلة العلنية الاكثر جرأة حول مسؤولية جلالة الملك من القرارت التي يتخذها وصولاً للأسئلة حول مصادر ثروة العائلة الحاكمة، لم تنجح للأسف في لفت نظر دوائر صنع القرار إلى الحاجة إلى نقلة نوعية في النظام السياسي الاردني تتعدى مجرد الاصلاحات.