حول درع الوطن

الأربعاء 04 أيار 2011

بلغت نفقات الجهاز العسكري بحسب موازنة 2010 حوالي 1.67 مليار دينار من 5.46 دينار هو مجموع النفقات العامة، أي أن نسبة 30 بالمئة من كل ما تنفقه الدولة يذهب لأغراض عسكرية. أما من ناحية الانفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي فالاردن يأتي في مركز متقدم  بنسبة 6.1 بالمئة ولا يسبقه سوى اريتريا والسعودية والامارات وعمان والكيان الصهيوني (6.3 بالمئة) . المشكلة الأكبر أن معظم هذه المصاريف لا تذهب لشراء أحدث أنظمة الدفاع الجوي أو الصواريخ اللوجستية أو تطوير سلاح الجو أو غيرها من أبسط مستلزمات الحروب في هذا القرن وانما تصرف على شكل رواتب وامتيازات تدعو لطرح السؤال حول إذا ما كانت المؤسسة العسكرية قد تحولت إلى أداة أخرى في منظومة شراء الولاء والإنتماء.

والمقصود هنا ليس دورها في تشغيل ذلك الشاب المسكين الذي فشلت الدولة في تأمين أبسط احتياجاته من تعليم أو تدريب وتشغيل فصرفت له فوتيك وبسطار ومعونة شهرية وأقنعته بأن اللباس العسكري يمنحه مكانة إجتماعية تغنيه عن القدرة على توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية التي لا يمكن للراتب المصروف له أن يوفرها. هذا الشاب لا تملك الدولة له حلاً آخر حتى يتم إيجاد حلول شاملة لمشاكل التعليم والبطالة وتكافؤ الفرص. المشكلة الأكبر هي في أصحاب الحظوة من حاملي الرتب العليا والياقات الحمراء الذين تمنحهم القاب الإقطاع العثماني الحق في تجاوز الدور في أي دائرة حكومية أو الحصول على مقعد جامعي أو إعفاء جمركي يباع ويشترى. على الأقل هذه الامتيازات، وإن كانت غير دستورية، تأتي من فوق الطاولة وبحجة “أفنى عمره في الدفاع عن الوطن”، لكن الانكى منها ذلك النفوذ الذي يمكن توظيفه من تحت الطاولة لدرجة أن كلمة لواء أو فريق في الجيش تعتبر بحد ذاتها مبرر لمظاهر الثراء البادية على معظم الباشوات. وبالمناسبة فإن كل شخص عمل لعقود في دائرة الأحوال المدنية أو في وزارة الصحة أو أي دائرة حكومية مدنية قد خدم البلد وكان لديه واجبات وظيفية استدعت حضوره إلى الدوام بشكل يومي.

أما أحدث أساليب ابتلاع الموازنة وصرفها بدون حسيب أو رقيب تحت غطاء درع الوطن فهي ظاهرة إشتراك الجيش العربي الاردني وذراعه الاستثماري صندوق المشاريع التنموية والاستثمارية الخاصة بالقوات المسلحة والاجهزة الامنية (بدون الدخول في التناقض الفاضح بي كلمتي جيش وإستثمار)  في تأسيس شركات مساهمة خاصة وذات مسؤولية محدودة. هذه الشركات تضم في مجالس ادارتها أبناء المتنفذين (أمثلة هنا وهنا وهنا وهنا) وتتشارك مع شركات اخرى من جزر العذراء وتتشارك مع افراد  في خلط عجيب بين المدني والعسكري (يمكن استخدام هذا الرابط مع كلمة القوات المسلحة). تنشط هذه الشركات الخاصة في مجال واسع جداً من الاعمال، من الانشاءات الى الشراكة في مشاريع مناطق تنموية متعثرة ربما كانت تبلغ مكافأة مديرها الشهرية إلى 19,500 دينار، الى المشاركة في دراسات جدوى إقتصادية تم تحويلها إلى هيئة مكافحة الفساد إلى استيراد المواد الغذائية بحجة ضبط الأسعار، في ممارسات أقل ما يمكن ان يقال عنها بأنها غير شفافة.

لنأخذ (الشركة الوطنية للأمن الغذائي) كمثال على الأسئلة التي يثيرها تحويل الجيش العربي إلى شركات مساهمة خاصة تنافس التجار في إستيراد السكر والرز والاضاحي الحية. إذا كانت الدولة قد قررت التراجع عن سياسة السوق المفتوح وإعادة وزارة التموين لضبط الأسعار فلماذا لا تقوم بذلك تصريحاً وليس من  خلال طرف ثالث؟ على الأقل فإن كل قرش يصرف في وزارة التموين من الرواتب الى القرطاسية محدد ببند في الموازنة العامة، وكل ما يتم شراؤه يتم من خلال مواصفات وعطاءات ولجان. أما في حالة الشركة الوطنية فهل هناك إمكانية للحصول على ميزانيتها السنوية، ورواتب إدارتها العليا وخسائرها ومصير ارباحها؟

هناك هالة من القدسية تحيط بالجيش الذي يكن له الاردنيين كل الاحترام والتقدير، ولا داعي للتذكير بمعارك اللطرون وباب الواد والكرامة (وإن كانت الحرب وللأسف قد انتهت بمعاهدة وادي عربة)، ولا يجوز السماح بالزج بالجيش في معاملات تجارية أو السماح بتضخم ثروات ونفوذ كبار الضباط، بشكل يضع القوات المسلحة في موضع تساؤل، خاصةً في وقت وصلت فيه الحلول الجراحية لعجز الموازنة الى اقتراحات فكاهية.

تبقى الأولوية والطريقة الانجح في الحد من هذا الانفاق العسكري الهائل والغامض هي  بتحديد من هو العدو الأساسي (إن وجد)، من ثم بناء عقيدة عسكرية حول انجح الاساليب لمواجهته، ومن ثم إستثمار مواردنا المحدودة  بشكل يمكننا من مواجهة هذا العدو بفعالية، بدون الحاجة للمئات من كبار الضباط المنتفعين الذين لم ولن يشاركوا بأكثر من الاشراف على بعض الخدمات المساندة والجلوس في الصفوف الاولى في الأعياد الوطنية، قبل أن يتقاعدوا ويعاد تدويرهم علينا كنواب ورجال دولة ومنظرين سياسيين.