وعد بغد أفضل أم لغة سلبية تنبئ بمستقبل كئيب

الثلاثاء 17 كانون الثاني 2012

بقلم أحمد حميض

مقدمة لا بد منها:

أظن أن أي عاقل يدرك أن إصلاحا عميقاً يجب أن يحدث في البلد وأن “نظام التشغيل” المستخدم لإدارة الدولة أصبح عاجزاً عن التقدم بالأردن ولابد من عمل upgrade له بسرعة.

وأظن أن أي عاقل يدرك أيضاً أننا بحاجة الى قفزة ديمقراطية كبيرة حتى يتم سماع صوت الناس ولتتحقق تنمية عادلة وليتم تقزيم جميع أنواع الفساد التي خربت البلد وذمم الناس.

وأظن أن أي حر لا بد وأن يعجب بانكسار جدران الخوف وانتزاع الشعب لحرية تعبير لم نشهدها أبداً في هذا البلد (على الأقل في ذاكرة جيل الشباب).

ولكن مع هبات الربيع العربي على الأردن، حصل شيء معاكس لروح الربيع والأمل وإمكانية بناء غد أفضل. ففي المعارضة والموالاة، ما نراه ونسمعه هو لغة سلبية متجهمة وشحذ للاسنان ووعيد واستعراض للقوة وتحضير لكسر العظام.

يبدو أن هناك إجماعا عاماً على محاكمة الحقبة “الليبيرالية/ الديجيتالية” بشكل كلي وبدون اي تمييز. نعم، أظن ان علينا ان نعترف ان هذه الحقبة قد “فشلت”. وربما كان سبب الفشل هو أن قيادة الحقبة قد تسلمها اناس يفتقرون لقاعدة اجتماعية واسعة أو شرعية شعبية، وربما فشلت ايضاً لأن قوى لا تريد أي تغيير قد خربت وقاومت الخطط الليبيرالية. وربما فشلت بسبب اختلاط المشاريع الكبرى بالفساد وبسبب أنماط من التفرد والعنجهية في الادارة.

لكن، لا بد ايضا أن نلاحظ أن الليبيرالية الديجيتالية كانت تحمل لغة مليئة بالأمل لغد اردني مزدهر ومتطور..

فلنرجع سويا عشر سنوات ولنتذكر..

بدأت حقبة الملك عبد الله الثاني بحملة “على قدر اهل العزم” والتي استخدمت صورا ايجابية لاردنيين من مختلف الاعمار والخلفيات وكانت رسالتها تشحذ الهمم لانجاز جماعي.

وأصبحنا نحلم باقتصاد معرفي مع انتشار الانترنت في كل مكان وأصبحنا نرى أفراداً استطاعوا أن يتجاوزوا ضعف التعليم المحلي وأن ينهلوا من المعرفة البشرية الواسعة وأن يطوروا من قدراتهم ذاتياً. واصبحنا نرى قادة التكنولوجيا في العالم يزورون الأردن بصفته مركزاً متقدماً للتقنية في العالم العربي. وبرزت في تلك الفترة صناعات تقنية جديدة خاصة في مجال البرمجيات والمحتوى والاتصالات.

وحتى خارج عمان تراءت خطط الديجيتاليين أمام اعيننا وصرنا ننتظر قيام دبي جديدة في العقبة ونترقب قيام مناطق اقتصادية مزدهرة هنا وهناك..

وبما أن الفترة الديجيتالية ترافقت مع طفرة النفط والعقار، أصبحنا نتخيل عمان وغيرها من المدن وقد بنيت فيها مشاريع مثيرة وكان اصحاب الأراضي وتجارها في غاية السرور وهم يبيعون ويشترون.

وحتى في الجانب الثقافي، تطور التعبير الفني والثقافي، على الأقل في عمان وبرزت بوادر ثقافية بديلة جديدة، وأصبحت عمان تنافس بيروت في هذا المجال. وازدهر قطاع النشر الورقي والالكتروني وظهرت صحف ومجلات ومواقع جديدة، تعكس روحا إيجابية للأردن لمواطنيه وزواره.

وفي عمان أيضاً جاءنا أمين عاصمة وعدنا بمدينة منظمة وحيوية، تحترم المشاة وتقدم لساكنيها نظاما حديثا للنقل العام.

وحتى على المستوى السياسي رأينا توافقا وطنياً حول فكرة الأجندة الوطنية كمبادرة إصلاحية من داخل النظام.

أترون كم كان حجم الامل والتفاؤل؟

ربما يكون حجم الاحباط الحالي هو بقدر حجم الامل الذي لم يتحقق – أو تحقق بشكل جزئي فقط.

انظروا إلى مزاجنا اليوم…

اشعر بالقلق حقا اليوم عندما أراقب لغة الحراك والمعارضة.. وحتى عندما أراقب كلام الحكومة او المزاج العام في تعليقات المواقع.

الإصلاح اصبح كلمة عامة غير محددة المعالم.. كلمة تعني ربما إعادة توازن للسلطات.

المطالبات هي بمحاكمة الفاسدين.. استرداد اموال الشعب.. تأميم الشركات الكبرى.. علاوات على الرواتب.. رغيف الخبز البسيط.. استئصال هذه الفئة او تلك.. الحقد على العاصمة.. عسكرة الدولة.. دساتير وقوانين…الخ

ربما نسمع من بعض الكتاب شيئاً عن شبكة وطنية للسكك الحديدية، او أهمية دعم المؤسسات الصغيرة.

نعم، كثير من هذه المطالب مهم وشرعي. وبعضها مخيف وسوداوي.

أما في الجانب الرسمي، فلا نرى الا محاولات للّحاق بواقع متفجر متغير، عن طريق الاسترضاء تارة ومحاولات اجراء إصلاحات سياسية تارة أو البلطجة والتخوين وتأليب الناس على بعضهم البعض تارة اخرى.

ولكن بالمجمل، ليس هناك اي صوت واضح أو خطة أو مبادرة جريئة او حملة تقول للناس: هكذا يمكن أن نبني مستقبلاً أكثر ازدهاراً ونماءً.

في المخيلة الشعبية، قد يتصور الناس ان القضاء سيسترد ملايين او بلايين من الفاسدين ومن ثم يوزعها على الشعب على شكل رواتب شهرية..!

طيب وماذا بعد..؟ هل يعطي هذا الكلام أملاً للشباب او دفعا لاصحاب المبادرات؟ هل هناك صوت في المعارضة يحمل خطة جذابة ومفهومة لأردن يكون قد صلح أمره سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ووجد لنفسه نظاما إنتاجيا يحسن استغلال الموارد ويدفع الناس للعمل الجاد؟

قد تكون العدالة أهم من النمو.. ولكن هل سيكون أردن الغد مجرد مكان نتساوى فيه بالشقاء؟

فلنعترف.. الديجيتاليون كانوا مبدعين في “الباوربوينت”، وسواء اتفقنا او اختلفنا معهم فقد كان عندهم “قصة جميلة”.

أفهم أننا يجب ان نؤسس للغد على قاعدة بدون فساد ومحسوبية.. ولكن لا ارى اي رسالة تشحذ همة الابداع والابتكار.

اذا كان الاردن بحاجة الى “ثورة”، فهي لا بد ان تكون ثورة في الإنتاجية في طول البلد وعرضه. والا كيف سنصرف على انفسنا (الا اذا كانت يراودنا سراب أحلام الانضمام لنادي النفط). وهي لا بد ان تكون ثورة اجتماعية تركز على هوية منتجة للبلد وليس على تربية الاطفال على قيم “عشيرتي اكبر من عشيرتك” او هويات ضيقة تكره الآخر.

الوضع معقد.. الديجيتاليون باعونا احلاما وردية هي اليوم احلام مكسورة. والشعب والحكومة في ضائقة وهناك مطالب بالعدالة وتغيير اساليب الحكم والادارة.

هل هناك اي مجال لان يترافق مطلب العدالة والاصلاح مع “قصة جديدة” تساعدنا على تخيل مستقبل مزدهر ومنتج؟